الفصل الثاني عشر من كتاب: “ما وراء السودان” (1/2): مُتَمرَّدو الجبال .. بقلم: هنري سيسيل جاكسون .. ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي



 

 

الفصل الثاني عشر من كتاب: “ما وراء السودان” (1/2)
Mountain Rebels مُتَمرَّدو الجبال
Henry Cecil Jackson هنري سيسيل جاكسون
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
مقدمة: هذا هو الجزء الأول من ترجمة للفصل الثاني عشر من كتاب “ما وراء السودان Beyond the Sudan”، للإداري البريطاني هنري سيسيل جاكسون. نشرت دار نشر ماكميلان الكتاب في لندن عام 1955م.
عمل جاكسون في مجال الإدارة بالسودان لأربعة وعشرين عاما متصلة، وحكم مديريتي بربر وحلفا، ولخص تجربته في الحكم والإدارة في عدد من المقالات والكتب التي وصف في بعضها عادات السودانيين وأمثالهم في مختلف المديريات التي عمل فيها، وأرخ في بعضها الآخر لبعض الشخصيات السودانية مثل عثمان دقنة والزبير باشا رحمة. وقد سبق لنا نشر ترجمة لفصل في هذا الكتاب، ومقتطفات من بعض كتب ومقالات مختلفة لهذا الإداري الكاتب.
الشكر موصول لدكتور قندول إبراهيم قندول لمراجعته لأسماء بعض الجبال التي ورد ذكرها في المقال.
المترجم
********** *********
تفصل أميال قليلة فقط بين سكان الأحراش من الدينكا والنوير، وقبيلة ثائرة مضطربة أخرى هي النوبة التي يعيش سكانها القصار الأقوياء (stocky) في تلال وجبال جنوب كردفان. غير أن ما يفصل بينهما هو فرق شاسع في طرق العيش.
ويصل ارتفاع جبال النوبة إلى 2,500 قدما فوق سطح البحر، وترتفع نحو 1,000 قدم إضافية خارج السهول المحيطة. وتلك الجبال مليئة بالكهوف التي وجد فيها النوبة حصونا طبيعية عند هجرتهم لهذه المنطقة. ويرى المرء من على البعد وهو على تلك الجبال أراضٍ مقفرة وكئيبة موحشة، ليس فيها سوى القليل من الأشجار التي نجحت في النمو والبقاء في تلك التربة العنيدة، وبعض الشجيرات التي لا يزيد طولها عن 6 – 10 قدما، ولها سيقان رَيَّانة لا تختلف كثيرا عن سيقان شجرة تبلدي صغيرة – وهي واحدة من عدة شجيرات يُسْتَخْلَصُ منها سائل يستخدم كسم يمسح على الرماح. ومع ازدهار تلك الأشجار السامة في نهاية العام، تُجُلب حياة جديدة عجيبة لصورة الطبيعة في المنطقة. وتكتسي الفروع الفضية – الرمادية اللون (التي ما تزال خالية من الأوراق) بالأزهار القرمزية الفاقعة. وتبدو سفوح التلال وكأنها مسرح أُعِدَّ لتقديم عرض باليه حديث.
وتاريخ النوبة (إلى الحد الذي يمكن تتبعه من حكايات قبلية غامضة) هو صورة مصغرة لتاريخ السودان: تاريخ لبؤس، وانعدام أمن، وإراقة دماء.
من أين أتى النوبة؟ هذا غير معروف في الوقت الحاضر. غير أن البعض يقول بأنهم كانوا يعيشون في وقت من الأوقات في أقصى مناطق الشمال عند وادي حلفا، وعندما طُرِدُوا من ديارهم تلك قبل قرون عديدة وجدوا لهم ملجأً في التلال والجبال فيما عرف لاحقا بمديرية “كردفان”، تماما مثلما طرد الأنجلوساسكون البريطانيين إلى ديفون وكورنوول. وعاش كل فرع من القبيلة في واحد من تلك الجبال، واحتفظت تلك المجتمعات الصغيرة بلغتها ولهجتها الخاصة. وكانت تلك اللغات واللهجات من الكثرة بحيث غدا سكان جبل ما لا يفهمون حديث جيرانهم الذين يعيشون في سفح ذات الجبل.
وبعد أن وصل النوبة إلى مناطقهم الحالية، عاشوا – كما يبدو – في سلام نسبي في غضون الثلاثمئة عام الأولى إلا من بعض الغارات المتباعدة التي كان يشنها عليهم الفونج والفور. وكانوا يزرعون الكثير من السهول التي تقع حول جبالهم، إلى أن أتى العرب البقارة من الغرب واستولوا على تلك الأراضي الخصبة، وأعادوا النوبة إلى أماكنهم النائية المنعزلة. وهناك بذل النوبة ما في وسعهم لإقامة مدرجات للزراعة على منحدرات التلال الجرداء. واضطروا لبيع رقيقهم، وحتى أطفالهم، نظير الحصول على الذرة عندما تواتر فشل مواسم حصاد محصولهم بصورة دورية، ولم يبق لهم على شيء يأكلونه. ولم تتحسن أحوالهم في عهد التركية، حين كان المصريون يغزون مناطقهم للحصول على رجال يجندونهم في جيشهم، وعلى رقيق يقومون بخدمتهم.. وقاموا في غاراتهم المتكررة تلك بإبادة سكان الجبال الصغيرة.
وحذا الدراويش حذو المصريين، غير أنهم كانوا قد ارتكبوا خطأ كبيرا ببيعهم الأسلحة للنوبة مقابل الحصول على الرقيق. وأضاف النوبة تلك الأسلحة لما كان معهم من بنادق جلبها الجنود الذين فروا من جيش الخليفة. وَعَلَّمَ هؤلاء الجنود رجال النوبة طريقة إصلاح البنادق وصنع الذخيرة لها. وبذا تمكن “رجال الجبال” من الانتقام من العرب بالسهول في الأسفل. وساعدت تلك الأسلحة – للأسف – النوبة على القيام بغزوات بالغة الضراوة على بعضهم البعض، وشجعتهم على استمراء ذلك دوما.
وتواصل ذلك الحال لما يزيد عن قرن من الزمان عبر عهدي التركية والمهدية. وكان الدراويش يغرون زعماء (مكوك) النوبة في جبل من الجبال بالقدوم لمعسكرهم من أجل مناقشة شروط تعايشهما. ولكن كان الأمر ينتهي بأسر أو قتل أولئك الزعماء عند بلوغهم معسكر الدراويش. ويعقب ذلك هجوم يُهزم فيه رجال القبيلة النوبية في الجبل، وهم يفتقرون للتنظيم بعد أن فقدوا قادتهم.
وعندما قام الحكم الثنائي في السودان وجدت الحكومة نفسها مواجهةً بمشكلة إدارة عدد كبير من النوبة المسلحين تسليحا جيدا، يسكنون الكهوف التي تمثل لهم تحصينات طبيعية، وتسهل عليهم الدفاع عن أنفسهم، وتغريهم بالتحدي. وهم رجال ظلوا يعانون من المضايقات وسوء المعاملة لزمن أطول مما قد يتذكره أسنَّ رجل فيهم. وبقيت الإدارة البريطانية – المصرية تفتقر للمال والجنود الذين بمقدورهم فرض النظام والأمن والسلام (في مناطق النوبة. المترجم)، ولم يكن بمقدور الإدارة إلا أن تحد فقط من البؤس والعذاب الذي تسببه الغارات المستديمة، خاصة على الأطفال والنساء، الذين لم يجنوا إلا القليل من انتصارات رجالهم، مقارنة بما خسروه من هزائمهم.
وتعطينا يوميات الرائد أو كوونيل (O’Connell) فكرة عن الأحوال في تلك الأيام الباكرة من عمر الحكم الثنائي، حين زار المنطقة في نوفمبر من عام 1902م، بُعَيْدَ وقت الحصاد الذي كان ينبغي جمعه في ذلك الوقت
وأقدم هنا بعض المقتطفات من تلك اليوميات:
جبل الدلنج. يقول الناس هنا أن نوبة جبل أنياما (Anyma) قد غزوهم، وأنه لم يبق عندهم إلا القليل من الذرة.
جبل غلفان. كان ابن المك قد أصيب مؤخرا برصاص سكان جبل كتم.
جبل أم حيطان: ليست هنالك ذرة في هذا الجبل. كان الحوازمة قد غزوهم وأحرقوا محاصيلهم، واختطفوا بعض أفرادهم.
جبل قاواي? Ghawai: ليست هنالك ذرة في هذا الجبل. كان الحوازمة قد غزوهم ومنعوهم من الزراعة، وقاموا أيضا باختطاف بعض أفرادهم.
جبل كوننما? Kownma: هناك القليل من الذرة. كان عرب الحوازمة وتلودي قد قاما بغزو سكان هذا الجبل واختطفوا 170 من أفرادهم قبل نحو شهرين.
جبل تيرا مندي: لا توجد ذرة هنا. كان عرب الحوازمة وتلودي قد هاجموا سكان هذا الجبل واختطفوا عشرة أشخاص. وفي أثناء وجودي هنا أتى غزيا للجبل خمسون عربيا على ظهور الخيل، ولما صاروا على بعد مائة ياردة من معسكرنا عادوا أدراجهم بعد أن أبصروا موقعنا. وتعقبتهم، ولكنهم فروا واختفوا بأجمة في ظلام الليل.
جبل الرشاد: كان المك القديل (Gedeil) يغزو ويحرق المحاصيل والقرى، ويحارب أيضا مكوك سيبا (Seiba) وقيلي (Geili). قُتِلَ في تلك المعرك اثنا عشر رجلا.
جبل عبري (Umri بحسب ما جاء في الأصل. المترجم): هذا جبل كبير جدا. ويقال إن سكانه لديهم ألفين من البنادق.
******* **********
وكان على الحكومة أن تسيَّر بصورة مستمرة حملات عقابية / تأديبية لمعاقبة المعتدين، سواءً أكانوا عربا أو نوبة، وأن تحرر الأسرى والمخطوفين. وكانت تلك الحملات كبيرة جدا، إذ كانت تضم ألفا من الجنود أو أكثر، مسلحين بالبنادق الرشاشة ومدفعية الجبال. وكان جنود الحملة يحيطون بالجبل المعادي، ويطوقون الآبار من كل جانب، ويشنون هجوما عسيرا على النوبة المختبئين في الكهوف، الذين يسهل عليهم – وهم في كهوفهم – إطلاق النيران على القوات الحكومية، وقلما يصابوا هم أنفسهم بنيران معادية. وعادةً ما تتواصل تلك العمليات لشهور عديدة. وفي بعض الأحايين لا تثمر تلك الحملات عن أي انتصار حاسم لقوات الحكومة.
ومع كل ذلك، وعلى الرغم من الاضطرابات التي أثارها النوبة، فقد كان معظم الضباط والمسؤولين البريطانيين الذين تعاملوا معهم يحبونهم كثيرا، ويعجبون بشجاعتهم، وبروح المغامرة عندهم، والتي كانوا كثيرا ما يعبرون عنها بطرق غريبة. وفي النهاية انضم الكثير من النوبة للقوات المسلحة السودانية، التي ربما كان الكثير منهم ينازعونها منذ وقت قريب. وذهب آخرون لأبعد من هذا: قبل فترة قصيرة فوجئ باشمفتش بريطاني في أثناء زيارته لواحد من جبال النوبة برجل نوباوي ضخم يحيه بلهجة أميركية قوية وهو متجرد تماما من الملابس إلا من قبعة من القش وحزام به ذخيرة. كان العري أمرا متوقعا، ولكن كان سماعه للهجة أمريكية في ذلك الصَّقْعُ وتلك الظروف أمرا غير معتاد. غير أن الباشمفتش وجد أن النوبة يفسرون أمر الرجل تفسيرا بسيطا، وهو أنه كان قد ذهب للولايات المتحدة (يعلم الله وحده كيف حدث ذلك!)، وأنضم هناك إلى فرقة جاز في إحدى النوادي الليلة في نيويورك. ولما بدأ بريق وسحر حياة الليل يخبو في نفسه، آب لموطنه في الجبال، وعاد لممارسة الحياة البدائية التي ظل بعيدا عنها وغريبا عليها لوقت طويل. ولم يبق له من صلات مع المدنية الأمريكية سوى تلك القبعة ولغة اليانكي.
********* **********
وللنوبة قوة ونشاط ونزعة استقلالية كثيرا ما توجد عند سكان الجبال. فقد ظلوا يقاومون لسنوات عديدة كل صور القسر والعَسْف الخارجي، وبذا لم يكن يُتوقع أن يستسلموا لسلطة حكومة جديدة دون مقاومة متطاولة. وسيكون سرد كل ما حدث خلال سنوات الصراع (في جبال النوبة) بتفصيل دقيق أمرا رتيبا مملا، إلا أنني سأصف هنا دوريتين فقط، من بين دوريات عديدة سيرناها في جنوب كردفان، قبل أن نحكم السيطرة على النوبة تماما.
قام نوبة جبل تلودي في الخامس والعشرين من مايو عام 1906م بالهجوم على بعض رجال الحامية العسكرية الذين كانوا ليلتها يشهدون حفلة رقص شعبي. وكان سبب الهجوم هو سخطهم ورفضهم للإجراءات التي قامت بها الحكومة لوقف غاراتهم على جيرانهم في الجبال المجاورة. وقتل نوبة جبل تلودي في ذلك الهجوم المأمور، وضابط وثلاثين من جنود الفرقة السودانية 11، وتسعة تجار، وخمسة من الملحقين بالمعسكر (دون انتماء له)، وجرحوا خمسة من جنود الفرقة السودانية 11، وثلاثة من رجال الشرطة، وثلاثة من البائعين المتجولين. وفور سماع بعض المخلصين من مكوك الجبال المجاورة بنبأ المجزرة قاموا بجمع 1,200 من رجال العرب والنوبة وهرعوا لإنقاذ بقية الحامية، وقاموا – بدورهم – بمهاجمة المتمردين (نوبة جبل تلودي). وجرت معركة حامية الوطيس بينهما أسفرت عن خسائر كبيرة في صفوف المتمردين، وتم أسر مائة رجل منهم.
وعندما بلغت أنباء تلك الاضطرابات مدينة الأبيض، قام مديرها بقيادة 380 من الجنود الهجانة، و150 من جنود الفرقة السودانية11، وبلغ تلودي بعد مسيرة شاقة استغرقت عشرة أيام. وكان على جنود تلك الحملة أن يمضوا في طريقهم تحت أمطار لم تتوقف عن الهطول طوال أربعة أيام، وعلى تربة طينية ثقيلة مشبعة بالمياه، وأن يخوضوا إلى الخصر في المجاري المائية. وفي أثناء ذلك تقهقر المتمردون إلى جبل الليري، والذي هاجمتهم فيه قوات حكومية بمساعدة “قوات صديقة friendlies”. وهُزم المتمردون النوبة في غضون يومين اثنين من المعارك المتقطعة، بعد أن قُتل منهم 350، وجرح الكثيرون وأُسِرَّ مئة رجل. وكانت خسائر القوات الحكومية طفيفة جدا. غير أن 15 رجلا من “القوات الصديقة” قتلوا في تلك المعارك، وجُرح منهم 50 مقاتلا. لقد كانوا على استعداد لدقع ذلك الثمن في مقابل نيلهم للتحرر أخيرا من تلك الغارات التي ظلوا يكابدونها لزمن طويل.
ولم تُخمد كل حركات التمرد في جبال النوبة (التي بلغ عددها بين عامي 1904 و1933م ثلاثين حركة) بتلك السرعة (التي وردت فيما سبق ذكره. المترجم). وكان مرد ذلك هو تضاريس الأرض التي كانت تُجري عليها العمليات. وتراجع رجال النوبة مع عائلاتهم وأبقارهم إلى كهوف كبيرة، حيث وجدوا فيها الأمان من قذائف المدافع وطلقات البنادق والمتفجرات اليدوية. وكان على مهاجميهم أن يزحفوا إلى أعلى عبر ممرات ضيقة بين الصخور الجراتينية الضخمة وبعض الأشجار والشجيرات المتجذرة برخاوة في التربة القاحلة. وكان المهاجمون يتعرضون لنيران رماية تقابلهم وجها لوجه، ليس فقط من فتحات الكهوف التي يمكن رؤيتها، ولكن أحيانا من حفر مخبوءة في سقوف تلك الكهوف. ورغم حيازة النوبة لعدد كبير من البنادق، إلا أنهم، لحسن الحظ، لم يكن يجيدون استخدامها للحد الأقصى، فقد كانوا عادةً ما يزيلون جزئها الخلفي – وهذا مما من شأنه أن يعيق الرماية. ولما نفد ما كان معهم من رصاص محلي الصنع، لجأوا إلى بقايا قطع حديدية ومعدنية، وكل شيء أخر يمكن لهم أن يحشروه في بنادقهم. ويمكن لتلك القطع المعدنية أن تحدث جُرُوحا بالغة عندما تقذف من مسافة قصيرة.
لا أظن أنني رأيت في حياتي رجلا غاضبا مثل ذلك الرجل الذي كان قد جُرح بشيء ما لم يستطيع لمدة طويلة الاستعراف عليه. قابلت الرجل بعد انتهاء عمل دوريته وسألته عن كيفية حدوث ذلك الجرح. أجابني بالقول: “حسنا يا جاكي. إن كان لا بد لك أن تعلم، فقد ضربت من الخلف بقطعة من قدم دُميَة أطفال من نوع (Roddy Doll)”! عجبت غاية العجب لوجود تلك الدُميَة عند رجل من النوبة، إلا إذا كان أحد أطفاله قد تلقاها من المبشرين الذي أقاموا لهم مركزا في جبل الدلنج، قبل أن يطردهم الحكم المهدوي.
غالبا ما لا تُخضع الجبال الصخرية إلا بعد حصار متطاول. لم يكن هنالك إلا القليل من المياه في الجبال، وكان على النوبة أن يهبطوا ليلا للسهول في الأسفل ليأخذوها من الآبار. لما قامت الحكومة بتطويق تلك الآبار من كل جهة، وحمتها بأكياس الرمل، أجبر العطش المتمردين على الاستسلام.

alibadreldin@hotmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!