الفصل الثاني عشر من كتاب: “ما وراء السودان” (2/2): مُتَمرَّدو الجبال .. بقلم: هنري سيسيل جاكسون .. ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي

مقدمة: هذا هو الجزء الثاني والأخير من ترجمة للفصل الثاني عشر من كتاب "ما وراء السودان Beyond the Sudan"، للإداري البريطاني هنري سيسيل جاكسون. نشرت دار نشر ماكميلان الكتاب في لندن عام 1955م. عمل جاكسون في مجال الإدارة بالسودان لأربعة وعشرين عاما


 

 

 

 

الفصل الثاني عشر من كتاب: “ما وراء السودان” (2/2)
Mountain Rebels مُتَمرَّدو الجبال
Henry Cecil Jackson هنري سيسيل جاكسون
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
مقدمة: هذا هو الجزء الثاني والأخير من ترجمة للفصل الثاني عشر من كتاب “ما وراء السودان Beyond the Sudan”، للإداري البريطاني هنري سيسيل جاكسون. نشرت دار نشر ماكميلان الكتاب في لندن عام 1955م.
عمل جاكسون في مجال الإدارة بالسودان لأربعة وعشرين عاما متصلة، وحكم مديريتي بربر وحلفا، ولخص تجربته في الحكم والإدارة في عدد من المقالات والكتب التي وصف في بعضها عادات السودانيين وأمثالهم في مختلف المديريات التي عمل فيها، وأرخ في بعضها الآخر لبعض الشخصيات السودانية مثل عثمان دقنة والزبير باشا رحمة. وقد سبق لنا نشر ترجمة لفصل في هذا الكتاب، ومقتطفات من بعض كتب ومقالات مختلفة لهذا الإداري الكاتب.
يلاحظ في هذا الجزء تضخيم الكاتب للضابط أو الإداري البريطاني، وتصويره كبطل جريء ومقدام نبيل، يأسر بشجاعته خصومه من “متمردي” النوبة”، وينال إعجابهم وتقديرهم وثقتهم.
المترجم
********** *********
أُرْسِلَتْ في مطلع عام 1915م دورية لمواجهة مك جبل ميري، واسمه الفكي علي. كان ذلك المك قد تحدى الحكومة وحمل السلاح ضدها. لذا ضُيق عليه وتم تطويق موقعه الحصين من كل جانب. ومع زيادة متاعبه، أضطر الفكي علي في مايو من ذات العام لتقديم عرض بالاستسلام. وكان من الممكن القبول بذلك العرض والنظر إليه بعين العطف لولا أن المك اشترط في مقابل الاستسلام أن يتم العفو عنه وعن أتباعه وأن يعاد تعيينه مكاً. وتم على الفور رفض ذلك الاقتراح الوقح (هكذا. المترجم)، واستمرت العمليات العسكرية إلى أن تم القبض على الفكي علي، وجرت محاكمته في تلودي، وأُصْدِرَ الحكم عليه بالإعدام شنقا في كادوقلي، التي تبعد 58 ميلا.
وأُرْسِلَ الفكي علي مخفورا تحت حراسة مشددة مكونة من خمسة من رجال الشرطة (راكبين على ظهور الخيل) وأربعين جنديا من الفرقة السودانية 11 بقيادة ضابط سوداني. وصدرت لأعضاء فرقة الحراسة تعليمات مفصلة لضمان عدم هروب الفكي المتمرد. وكانت أهم نقطتين تم التركيز عليهما بصورة خاصة هما ألا تسافر قوة الحراسة إلا في النهار، وأن تُصُفدَ يدي الفكي (طوال الوقت)، وأن يربط بسلسلة مع رجل شرطة في الليل.
وتمت في الليلة الأولى مخالفة الأمرين. فعوضا عن ربط الفكي ليلا بسلسلة مع شرطي، تم ربطه بحبل إلى عمود، واستطاع الرجل في خلال ساعات الليل أن يقرض ذلك الحبل والحبال التي كانت تقيد رسغيه أيضا.
وعوضا عن الانتظار حتى ينبلج الصبح، أمر اليوزباشي (الرائد) الذي كان يقود فرقة الحراسة بإطلاق صوت “بوق الإيقاظ” (reveille) عند الرابعة صباحا، عندما كان الظلام ما زال يلف المكان. وبدأت القوة في التحرك بعد نصف ساعة من ذلك. وفي تلك اللحظات كان الفكي قد أكمل قرض ما تبقى من ألياف حباله، وقفز من أمام حرسه المذهولين، وأنطلق عدوا كالسهم واختفى في لمح البصر في وسط أعشاب طويلة متجها نحو غابة قريبة. وبدا وكأن الفكي قد تلاشى في الهواء. وبدأ الجنود في البحث عنه طوال اليوم، بتركيز على سفح الجبل، غير أنهم لم يعثروا عليه. وبينما كان الجنود يتصببون عرقا ويتعثرون بين الحجارة والصخور البالغة الحرارة، كان الفكي علي مختبئا في حفير تحت معسكر القوة التي أُسند إليها إحضاره للمدينة. وكانت تلك هي المرة الثانية التي يفلح فيها الفكي علي في التفوق على آسِريه. فقد سبق له أن قام في المحاولة الأولى باندفاعة جامحة من أجل الحرية ولكنه لم يتقدم إلا لخمسين ياردة فقط، ولكنه هرول عائدا مثل أرنبة قريبا جدا من النقطة التي تحرك منها. كانت تلك محاولة هروب مقدامة ومغامرة، رغم أن الضابط السوداني كان قد فعل كل ما بوسعه ليسهلها عليه.
وبلغت المفتش (فرانك بالفور) في منتصف النهار أنباء ما حدث. وعلى الفور جمع المفتش كل ما تيسر له جمعه من رجال الشرطة والجنود العرب على ظهور الخيل، وخرج بهم يبحث عن المك الهارب. وكانت الظروف المناخية غايةً في السوء، فقد أحالت الأمطار الغزيرة أراضي البلاد كلها إلى مستنقع. ونمت الأعشاب البرية بصورة كبيرة لدرجة أن طولها فاق مقابض سروج الحيوانات. وكان على الجنود أن يخوضوا في مستنقعات كان عرض أحدها 12 ميلا. وكان قضاء يوم كامل في تسلق جبل شديد الوعورة بمثابة راحة (من عناء عبور المستنقعات)، في رفقة 250 من رجال النوبة الودودين المتجردين من الملابس، رغم أن طلقة قد تنطلق فجأة في أي لحظة من أعماق كهف لم يكن أحد يدري أو يتوقع أنه به واحدا من المتمردين. وفقد بالفور كل جلد قدميه وهو يسير مع تلك الحملة. وظل بالفور وقواته يسيرون لمدة 86 ساعة متواصلة (عدا ساعات قليلة جدا للنوم) ويبحثون في الجبال عن المكان الذي قد يكون الفكي علي قد اختبأ فيه، أو يخوضون في الماء أو أوحال المستنقعات وبين الأعشاب العالية الكثيفة. وأخيرا عادوا لمعسكرهم وهم في غاية الإعياء، مُبتَلّين بالماء، وجلود أقدامهم تؤلمهم بشدة، دون أن يحققوا ما خرجوا لأجله.
وأتت الحركة الثانية من الفكي علي، الذي بعث برسالة إلى الحكومة يطلب فيها السماح له ببدء مفاوضات. غير أنه تلقى ردا حازما جازما بأنه إن استسلم طوعا فسيُعْطَى الخيار في أن يقتل شنقا أو ضربا بالرصاص.
وقام فرانك بالفور مرة أخرى بزيارة معسكر لقوات الفرقة السودانية 11 بالقرب من جبل كان أحد المكوك (من أصدقاء الحكومة) كان قد أبلغ عن وجود الفكي علي فيه. وكان الوصول لتلك النقطة الحصينة يتطلب عبور ممر صخري شديد الانحدار، يمكن لعدد قليل من الجنود التحكم فيه ببنادقهم. غير أن ذلك الممر، لسبب ما، لم يكن محروسا، على الرغم من أنه كان يمكن بوضوح رؤية الفكي علي ومناصريه جاثمين مثل الغربان على الصخور. وكان بالفور قد لقي وهو في طريقه لتعقب الفكي علي رجلا أعمى تصادف أنه أحد إخوة الفكي علي. وأفاد ذلك الرجل بأن أحد مكوك النوبة من القوات التي تعدها الحكومة “صديقة” لها، كان قد ساعد الفكي علي على الهرب. وقال أيضا بأنه في الوقت الذي كان ذلك المك يستضيف فيه بالفور في استراحة بسفح الجبل، ويعده بإرسال مجموعة من رجاله للطواف على المنطقة والعثور على الفكي الهارب، فإنه كان في الواقع يخادع قوات الحكومة. وكان ذلك الرجل في الواقع هو الذي وفر ملجأ آمنا للفكي علي، وظل الفكي مختبأ به، في مكان لا يبعد عن بضع مئات من الأمتار عن معسكر القوات الحكومية.
وبعد أن استمع بالفور لما قاله الرجل الأعمى، تحرك من الاستراحة عصرا ليتابع البحث عن الفكي. وكان ذلك من حسن حظ بالفور، إذ أنه علم لاحقا بأن الفكي علي كان يخطط لسرقة حصانه في ليل ذلك اليوم وأن يهرب به (لمكان آخر)! ولا يملك أي منا – معشر الملتزمين بالقانون – إلا أن يبدي إعجابه بجرأة وبراعة متمرد الجبال هذا.
ولم تحدث بجبال النوبة أيَّة تطورات في غضون الأسابيع الست التالية. غير أنه جرت أحداث في أماكن أخرى كانت من الأهمية بحيث أجبرت الحكومة على أن تغير موقفها من الفكي علي. فقد تخلي السلطان علي دينار في دارفور عن ولائه لحكومة السودان، وانشغلت الحكومة بالتحضير لحربه وإخضاع دارفور لحكمها. وبذا لم يعد هناك ما يكفي من الجنود للقيام بحملة مطولة ضد الفكي علي، ورأت الحكومة أنه من الأفضل لها أن تدخل في اتفاق معه. وبحلول منتصف أكتوبر أفلح بالفور في العثور على وسيط يمكنه تدبير لقاء له مع الفكي علي. وتم بالفعل تحديد لقاء في جبل ميري لمناقشة شروط استسلام الفكي.
وفي اليوم المحدد للقاء قاد بالفور، وفي معيته الرائد او. سي. كونران (من كتيبة في الفرقة السودانية 11)، ما بين 10 و20 من رجال الشرطة على ظهور الخيل إلى مكان اللقاء، وهم يحملون أمامهم علمي بريطانيا العظمى ومصر، لتأكيد الطبيعة الرسمية لتلك الزيارة. وكان اللقاء سيتم في مكان مفتوح قرب مجرى للمياه. جلس بالفور وكونران على كرسيين وثيرين قابلين للطي في انتظار ما سيجري من تطورات. غير أن الفكي علي وأتباعه اِرْتَابَوا في اللحظات الأخيرة من حدوث خيانة. لم ينسوا ما فُعِلَ بزعمائهم الآخرين في عهد التركية، عندما كانوا يدعونهم – من باب الخداع – للقاءات تفاوضية، ثم يقوم المصريون باعتقالهم ثم يهاجمون قراهم في غياب أولئك الزعماء القبليين. لم يصدق الفكي علي أن ضابطا وإداريا في هذا العهد سيجدان في أنفسهما من الشجاعة ما يكفي للحضور للقائه بوسط قوات معادية، وفي رفقة عدد قليل من رجال الشرطة. لا بد أن هناك في مكان ما مكيدة في الأمر. ولتطمين الفكي علي وجماعته أمر بالفور رجال الشرطة بالانسحاب لمسافة لربع ميل. وبقي بالفور وكونران وحيدين، وهناك بندقية مصوبة نحوهما من خلف أي صخرة في المنطقة. وبعد ذلك قام كونران متفاخرا بإلقاء مسدسه وتقدم للقاء الفكي علي، الذي كان يُرَى على بعد حوالي نصف ميل وهو في انتظاره. وأظهر بالفور (الذي صار نائبا لمدير مديرية كردفان في غياب العقيد ويلسن) بادرة حسن نية مشابهة وجلس من دون سلاح على كرسيه. وافق مشهد ضابط بريطاني يضع رأسه في بُلعوم الأسد، وبريطاني آخر يجلس هادئا على كرسي مريح، طباع وحس النوبة الغريب.
وافق الفكي علي التفاوض مع بالفور، وتم إقناعه – مع خمسين من أتباعه – بالاستسلام. وسرعان ما تكومت أمام بالفور كمية كبيرة من الأسلحة (التي كانت بأيدي رجال الفكي). وبُعث بالفكي علي إلى الخرطوم لمقابلة الحاكم العام، ولتقلي ما قد تفرضه عليه الحكومة من عقاب.
وحذا أتباع الفكي علي حذو زعيمهم، فاستسلموا. وظهر بعد ذلك جَمْعُ مكون من 250 من النساء والأطفال، إضافة للمتمردين الحقيقيين، كانوا جميعا في قبضة الحكومة. ولم يبد أي واحد من هؤلاء أي امتعاض أو ضغينة من جراء تغيير مصيرهم وموقعهم. بل سارع الرجال (مع نسائهم) في إخلاص شديد بإعادة بناء سقوف القش في مباني الحكومة وبثكنات الجنود الذين كانوا قبل فترة يسيرة يناصبونهم العداء ويقاتلونهم، وقد يُدْعَوْنَ مرة أخرى لفعل ذات الأمر.
وكان بالفور بين فينة وأخرى يطوف على الرجال والنساء وهم يعملون ليرى مدي التقدم الذي أحرزوه، وشاهد أمرا عده مسليا فكها وهو رؤية واحد من أبناء عمومة (أو خؤولة) الفكي علي كان يعمل مراقبا للعمال (المتمردين سابقا). كان ذلك الرجل يقف على سقف أحد البيوت وهو يحث العمال على العمل بقوة ونشاط أكبر، كما لم يفعل فرعون ببني إسرائيل. وقد يعتقد الناظر العابر لأولئك الرجال وهم يعملون أنهم كانوا عمالا طيلة حياتهم، ولا هم لهم سوى ما بين أيديهم من عمل واجب الأداء. غير أن ذلك المراقب كان قبل أسابيع قليلة قد قَطَّعَ جسد واحد من النوبة (مات لحسن الحظ) كان من “القوات الصديقة” للحكومة، وفرّق أَشْلاَء جسده على القرى المجاورة.
وكثيرا ما كنت أعجب، عند تذكري لذلك الحدث، من تلك الثقة المذهلة التي كانت تُوضَعُ في كلمة الرجل الإنجليزي. فقد تمرد ذلك المك النوبي ضد الحكومة، وسبق أن حُكِمَ عليه بالإعدام، ولم يكن قد غادر موطنه الآمن في الجبال من قبل قط، ورغما عن ذلك فقد رضي بأن يسافر لنحو 800 ميلا إلى محيط غريب عليه، وأن يتلقى عقوبة غير معلومة له من قِبَل سلطة لم يكن قد سمع بها إلا بصورة غامضة. صحيح أنه كان قد وُعِدَ بألا ينفذ فيه حكم الإعدام، ولكن ما هي الضمانات التي يملكها من أن ذلك الوعد سيُوَفِّيَ به؟ لقد ذهب الكثير من المكوك للخرطوم في عهد التركية ولكنهم لم يرجعوا قط. وما حدث بالفعل أنه سُمح للفكي على بالأوبة لموطنه بعد فترة احتجاز قصيرة. وبعد عودته أثبت الرجل أنه يخدم الحكومة بإخلاص.
لا يزال لشرف الرجل الإنجليزي قيمة، ويؤخذ في الحسبان عندما يكون مثل ذلك الحادث ممكنا.
*********** ******** ************
ما الذي جعل شعب السودان يحظى بتعاطف وحب المسؤول البريطاني؟
ليس بين العرب والنوبة والدينكا والهدندوة والبرابرة والبنقو (Bongo) والزنادي عامل مشترك سوى عامل الإنسانية الذي يربطهم. هم مختلفون عرقيا، مثلما يختلف الفرنسيون عن الصرب، والإيطاليون عن الأفغان مثلا. وتختلف تقاليدهم وعاداتهم ولغاتهم اختلافا كبيرا. وبعضهم شديد القسوة، وكثير منهم عُنُد يجنحون غالبا للتمرد. غير أن باشمفتش المنطقة، رغم مشغولياته اليومية ومظاهر العداء التي تقابله في كثير من الأحيان، يعد أفراد القبيلة التي يحكمها هم أفضل أناس في الدنيا، ويجادل السلطات العليا دون خجل من أجل نيل نصيب أكبر من الموارد المالية الشحيحة المتوفرة، حتى يتسنى له انفاقها من أجل تسهيل حياة أفراد القبيلة التي يحكمها، ولو قليلا.
كان يُقَالُ بأن أول شيء يفعله الألمان عندما يحتلون قطرا ما هو أن يشيدوا لهم قلعةً، ويبني الفرنسيون مقهى (كافيه)، بينما يقيم الإنجليز ملعبا للبولو. وهناك قدر كبير من الصحة في هذا القول. صحيح أنه كانت هناك قلعة بريطانية في الخرطوم، ولكنهم – للعجب – لم يبنوا سوى القليل منها في أماكن أخرى، ولم تكن تلك “القلاع” سوى زرائب شوكية حول النقاط العسكرية. أما المقاهي فقد شيدها الأغاريق أو السكان المحليين. غير أن الإنجليز يحملون دوما معهم عشقهم للرياضة أينما ذهبوا. ولا توجد مدينة كبيرة بالسودان الآن، ولا حتى مواقع أو مخافر أمامية (outposts) صغيرة لا يوجد بها ملعب رياضي، أو ساحة لممارسة لعب كرة القدم أو ألعاب القوى.
أؤمن تماما بأن حب الرياضة قد ساهم بقدر كبير في خلق رابطة قوية بين البريطانيين والسودانيين، تماما مثلما ساعد حب كرة القدم والكريكت في تحطيم الامتيازات الطبقية في هذا البلد (أي بريطانيا. المترجم). بالإضافة لذلك، يكن البريطانيون إعجابا كبيرا لمن يلعب ضدهم ويظهر مهارة عالية، بغض النظر عن عرقهم أو لونهم. (ضرب الكاتب أمثلة بلاعبين للعبة الكريكت من الهند وجزر الهند الغربية، وفريق كرة قدم من نيجيريا يلعبون حفاة ويتحدون أفضل اللاعبين في الأندية البريطانية. المترجم).
ربما كان لدينا نفس “الاحترام الخفيّ” لأولئك السودانيين المتمردين الذي نكنه لممارسي الصيد البري الجائر الذين أحدثوا كثيرا من الضرر في بداية القرن الماضي. لقد كانت للسودانيين وممارسي الصيد الجائر ذات الدوافع. فقد كان كثير من أولئك الصيادين من المعوزين وليس بمقدورهم توفير طعام كاف لعائلاتهم. لذا صاروا يصطادون طيور الدراج (pheasants) والأرانب البرية (hares) والأرنب في الحقول والغابات القريبة. وكان بعض رجال القبائل البدائيين فقراء ولا يستطيعون دفع تكاليف الزواج إلا إذا قاموا بغزوات ضد جيرانهم لنهب أبقارهم (ودفعها كمهر لأهل العروس. المترجم). وكان اللصوص السودانيون، والإنجليز من ممارسي الصيد الجائر، يجدون متعة حقيقية في تحدي القانون الذي كانوا يعدونه قانونا ظالما، وكانوا يسعدون بمنافسة (والتغلب على) الذين يحاولون إفشال خططهم.
ويوجد سبب آخر للحب الذي نكنه للسودانيين. فعلى الرغم من اختلافنا في اللون واللغة والدين وطرق العيش، فإننا ندرك، مع معرفتنا للناس في قراهم أو مزارعهم الصغيرة، بأننا نشاركهم الرغبة الإنسانية الأممية الجامعة في الأشياء البسيطة في الحياة مثل الطعام وعاطفة الأسرة والمرح والتسلية. إن ما يجمع بيننا أكثر مما نفترضه – حب التسابق والولع بالشجاعة. لقد حارب السودانيون ضدنا بشجاعة في معركة أم درمان، وأظهروا ذات الشجاعة في مرات عديدة حاربوا فيها باسمنا.
(للكاتب مؤلف صغير عنوانه The Fighting Sudanese صدر عام 1954م، وصدرت له عام 2020م ترجمة من من منشورات باركود للنشر والتوزيع والترجمة بالخرطوم. المترجم)
https://www.sudaress.com/sudanile/122007

 

alibadreldin@hotmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!