زئبقية وضبابية المواقف: هذه عين “الدغمسة” يا معالي “وزير حكومة الثورة” !!؟ .. بقلم: عزالدين صغيرون

فرغت للتو من قراءة رثاء الأستاذ جعفر خضر لمواطن قد لا يعرفه سوى ثلة من مجاهدي عطبرة ومرابطيها اسمه قناوي الزين. والرثاء كان في مجمله سيرة مختصرة لعطاء الرجل في خدمة مجتمعه الكبير ومجتمعه المهني كمعلم بنكران ذات لا تعرف كيف تصنفه، وقد لا تجد له مقعداً سوى



 

 

فرغت للتو من قراءة رثاء الأستاذ جعفر خضر لمواطن قد لا يعرفه سوى ثلة من مجاهدي عطبرة ومرابطيها اسمه قناوي الزين. والرثاء كان في مجمله سيرة مختصرة لعطاء الرجل في خدمة مجتمعه الكبير ومجتمعه المهني كمعلم بنكران ذات لا تعرف كيف تصنفه، وقد لا تجد له مقعداً سوى بين أولياء الله الذين ندبهم لقضاء حوائج الناس والسعي فيها لا يبتغون جزاءً ولا شكوراً. وحين وصلت في قراءتي لخاتمة الجزء الثاني من السيرة المختصرة والتي سرد فيها الراوي آخر كلمات المرحوم (بإذن الله) قناوي وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة :” وقال داخل كمامة الأكسجين في غيبوبته الواعية، قال :الثورة حتستمر .. الثورة حتنتصر”(1). أحسست بأن هذا صوت من السماء جرى على لسان الرجل يحمل البشرى، وإلا، كيف لرجل ينازع الموت يستحضر شعبه في هكذا موقف؟!!. (إنا لله وإنا إليه راجعون).

(2)
ولا أدري لماذا قفز إلى ذهني لحظتها رثاء وزير الاقتصاد إبراهيم جبريل ورهطه من قيادات الوزارة لوزير المالية الأسبق عبد الرحيم حمدي (نسأل الله له المغفرة على ما فعل بشعبنا ودولته)، مهندس سياسة التحرير (من كل قيد وشرط)، والتي أدخلت السودان في ورطة لم يجد طريق أو حيلة للخروج منها إلى اليوم.
كثيرون غير جبريل، الذي نعرف ما بينه وبين “أخوه في الرابطة الفكرية، وفي الحاضنة السياسية” رثوا حمدي وتذاكروا إشراقات في سيرته الشخصية، وبينهم يساريون، مثل البروف علي عبد الله إبراهيم، ولا تثريب عليهم في هذا، فذلك ما رأوا منه، وهم أحرار في أن يرفعوا شأن من يحبون.
إلا أن الأمر يختلف في حالة الوزير جبريل.

(3)
لو أن “وزير حكومة الثورة” الانتقالية مهر رثاءه لحمدي بتوقيعه الشخصي وحده، لعلاقة تنظيمية وثيقة، أو لعلاقة اجتماعية حميمة، أياً كانت – صداقة أو مصاهرة – بينه وبين حمدي، لما عنى ذلك أحداً غيره.
أما أن يتخذ رثاءه الطابع المؤسسي الرسمي، الذي يعبِّر عن رأي “حكومة الثورة” التي جاءت به إلى المقعد الوزاري فـ”كبيرة كتير” في حق الشهداء الذين ما جادوا بأرواحهم إلا لاقتلاع نظام حمدي، وسياسات حمدي، وأيديولوجية حمدي.
وهي كثيرة، بل و(كبيرة جداً) في حق الثوار الأحياء، الذين لا زالوا يعانون من أيديولوجية نظام حمدي وسياساته، حتى يومنا هذا، من الفقر والجوع وتردي (بل غياب) أبسط الخدمات الحيوية الضرورية، كالصحة، والتعليم، والأمن، والسكن، والتنقل والترحيل. وما كان ذلك إلا لأن بقايا النظام، أو صفه الثاني بالأحرى، قد اعتلى مقاعد سلطة الثورة وسدة الحكم.

(4)
ولم يكتفي جبريل بمهر رثاء الإشادة بحمدي وبسياساته الاقتصادية “الرشيدة” وحده، بل وأرفق الرثاء ممهوراً بتواقيع: الوكيل الأول عبد الله إبراهيم، ووكيل المالية آمنة بابكر، ووكيل التخطيط أمين صالح يس !.
فهل هذه القيادات بالفعل كانت على قناعة علمية وموضوعية بـ”رشاد” سياسات التحرير الاقتصادي التي طبقها حمدي والنتائج الكارثية التي أدت إليها ؟. أم أنهم كـ”خادم الفكي” مجبورون على التوقيع ؟!. وأياً كان السبب منهما، فإنه يؤكد عدم جدارتهم ببقائهم في مواقعهم.
فإن كان الأول هو دافع توقيعهم، فلأسباب سياسية واضحة ينبغي أن يذهبوا، وليسوا وحدهم، بل هم ووزيرهم، مع رهطهم الذين أطاحت بهم ثورة الشعب بالإجماع.
وإن كانت الثانية هي دافعهم للتوقيع، فإنهم أكدوا لمن لم يتأكد بعد، بأنهم “ضعفوا أخلاقياً عن أن يكونوا أداة” – كما صدح بها من قبل المعلم الأكبر الأستاذ محمود محمد طه في وجه قضاة الردة – في يد الطغمة المنهزمة من فلول تجار الدين، وبالتالي فإنهم غير جديرون بمواقعهم القيادية هذه.
ولكنها “الدغمسة” في مواقف الرجال والنساء تقود إلى مثل هذا النوع من زئبقية وضبابية وهلامية المشهد الثوري.
نعم، الثورة واضحة في أهدافها، وشعاراتها تعبر ببساطة ووضوح عن هذه الأهداف: (حرية، سلام، وعدالة) والدولة المدنية خيار الشعب.
فهل هناك ما هو أكثر من ذلك وضوحاً ؟.
إذن هي دغمسة المواقف ما يدغمس المبادئ والأهداف والسياسات.

(5)
هل تريد أن تعرف، أو ترى بعينيك كيف يحدث ذلك ؟.
حسناً.
يمكنك أن تسأل السيد وزير الداخلية جبريل: فيم، ولماذا، وضد مَن، كنت تحمل السلاح قبل الثورة التي أطاحت بالنظام الإسلاموي الذي أقام دولته – على فكره وبتخطيطه – الترابي ورهطه من المتأسلمين ؟.
– هل حملت السلاح ضد دولة الترابي، لأنها كانت علمانية، وأنت وجيشك كنت أكثر إسلامية منهم، وتسعى مع جيشك لتقيم دولة إسلامية “كاملة الدسم” وغير مدغمسة ؟.
– أم لأنها دولة إسلامية كانت بأكثر مما يجب، وأنت تسعى وجيشك، لإقامة دولة مدنية عادلة تساوي بين جميع أهل السودان بغض النظر عن أي اختلاف عرقي أو ديني أو جهوي أو طائفي دون بين مواطنيها. بمعنى أن لا “تهميش” لأحد في تقاسم السلطة والثروة وتساوي الفرص بينهم ؟.
أياً كان السبب، وأياً كان الدافع بينهما لحملك السلاح، فإن هذا ينبغي أن يتأسس عليه موقف مبدئي لا يحتمل المساومة.
فإذا كنت أكثر إسلامية من الذين قضوا، فإنك يجب أن لا تشارك في حكومة تسعى لأن تتأسس على مبدأ المواطنة، وسلطة الشعب، ومدنية الدولة.
اللهم إلا إذا كنت تتحرك بدافع التسلل إلى صفوف ثوارها، وتخريبها من الداخل. أو – وهذا هو الدافع الآخر – إنك نبذت قناعاتك القديمة تلك، وأصبحت “مدني الهوى”.

(6)
– أما أن تقودك خطواتك أول ما تطأ ثرى الخرطوم لزيارة قلعة المنشية مصدر ومنبع النظام الذي قاتلته وغزوت أمدرمان من أجل اقتلاعه، في معركة مات من مات بين الطرفين فيها من أبناء الشعب السوداني.
مع أن ساحة الاعتصام التي تم التنكيل فيها بالشباب من الجنسين الذين جعلوا مجيئك الخرطوم ممكناً، كانت أقرب إليك من المنشية التي آثرتها بشرف الزيارة الأولى!. رغم ما يمكن أن تدفع به زيارة المنشية بآصرة العلاقات الاجتماعية بين أسرة الترابي وبينك، رغم الحساسية الرمزية للزيارة.
ولكنها دغمسة المواقف التي تفضح إشاراتها الواضحة، ما خفي من باطنها !.
– وأما أن تصرح دون تلميح أنت ومناوي بعد ما تواثقتما عليه في جوبا بأنكم لا تثقون في المكون المدني للسلطة الانتقالية، وتعلنون انحيازكم للمكون العسكري، مما يعزز بذرة الشكوك والشقاق بينهما، مع ما يمكن أن ينتج عن ذلك من نتائج لن تصب في أي حال من الأحوال إلا في مصلحة الثورة المضادة، وإجهاض الثورة، وعودة النظام البائد، أو احتلالكم والمكون العسكري السلطة وإقصاء المدنيين منها.
ألم تكونوا طرفي قتال مرير، وثالثكم حميدتي ومليشياته، لولا أن تداركتكم ثورة المدنيين فأصبحتم بنعمتها شركاء ؟!.
أليست هذه عين الدغمسة ؟!.

(7)
– وأما وأنت تحتسب وزير مالية دولة الترابي الذي أدت سياساته إلى إفقار الطبقات الوسطى والصغيرة، وأطلقت يد اللصوص – من محاسيب العصابة – في مؤسسات الدولة والمال العام نهباً مكشوفاً، وبيعاً واستثماراً طفيلياً، أضطر معه الناس لبيع شبابيك وأبواب بيوتهم. في جائحة من الإفقار العاصف صار حال البلاد معها كأنما غزو من الجراد أحال خضرتها اصفراراً، أو كأنما جائع دهره هجم بنهم على موائد الغرباء.
فعن أي (سياسات رشيدة)، وعن أي (قرارات حكيمة) تلك التي يتحدث عنها جبريل ويصف بها حمدي ؟!. هل ذاكرة الشعب فيما يظن وزير مالية “حكومة الثورة” غربالية إلى هذا المستوى ؟.
أم أنها سمة الإسلامويين في “قوة العين” والاستهانة بذكاء الآخرين؟.
نعم ورب الكعبة، إنها الدغمسة ذاتها وضبابية وهلامية وزئبقية المواقف !.

(8)
– دعك كل ذلك جانباً. هل نسي جبريل أن حمدي هذا هو صاحب مشروع المثلث العنصري الإقصائي الذي يحمل اسمه، والذي يقصي من مثلثه العنصري الإقليم الذي إليه ينتمي جبريل وفصيل مقاتليه، ويقدفه خارج خارطة “السودان الإخواني المقترح” في المخطط ؟!.
لا يمكن أن تتسرب من ذاكرته خارطة مثل هذه، فليس قبلها ولا بعدها، ووراءها ما يضاهيها احتقاراً لجبريل ولكافة أهل غرب السودان.
ولكنها وحدها الدغمسة، تعمي العقول والقلوب، فلا ترى ولا تعي.
وعمى العقول والقلوب وحده ما يجعل الولاء للتنظيم والأيديولوجيا، فوق الولاء للوطن، ومواطنيه، والقبيلة والأهل.

(9)
وهذه عقيدة إخوانية راسخة، عبر عنها سيد قطب بكل صراحة ووضوح بقوله الذي أوردناه من قبل، بأن:
“وطن المسلم الذي يحنّ إليه ويدفع عنه ليس قطعة أرض، وجنسية المسلم التي يُعرف بها ليست جنسية حكم، وعشيرة المسلم التي يأوي إليها ويدفع عنها ليست قرابة دم، وراية المسلم التي يعتزّ بها ويستشهد تحتها ليست راية قوم (…) والجهاد لنصرة دين الله وشريعته لا لأي هدف من الأهداف، و(الذياد !) عن دار الإسلام بشروطها تلك لا أية دار”(2).
بل إنه ليذهب أبعد من ذلك حين يقول: ” فلا وطن للمسلم إلا الذي تقام فيه شريعة الله، فتقوم الروابط بينه وبين سكانه على أساس الارتباط في الله، ولا جنسية للمسلم إلا عقيدته التي تجعله عضواً في “الأمة االمسلمة” في “دار الإسلام”، ولا قرابة للمسلم إلا تتلك التي تنبثق من العقيدة في الله، فتصل الوشيجة بينه وبين أهله في الله .. ليست قرابة المسلم أباه وأمه وأخاه وزوجه وعشيرته، ما لم تنعقد الآصرة الأولى في الخالق، فتتصل من ثم بالرحم”(3).

(10)
ليس للإخواني وطن في حدود جغرافية محددة، فالأيديولوجية تقدم له وطناً بديلاً جديداً في الـ”لامكان”. والتنظيم يقدم له “دولة” افتراضية متوهمة في فضاء الذهن، تمنحه بدورها “مجتمعاً” كبديل لمجتمعه الطبيعي.
ورغم هذه السلسلة الوهمية من البدائل الفانتازية الوهمية، إلا أنه يستمسك بقوة بها كهوية كبرى، تعلو على كافة مكوناته الهويوية الأخرى، يزود عنها وينافح حتى الموت في سبيلها.
وهذا وضع مأساوي يجد الإنسان نفسه فيه منقسماً في ذاته. بحياة مزدوجة. بعضه يصارع بعضه. يحرص على إضمار ذاته أكثر من أن كشفها. يؤثر الحياة في ظلمة التنظيم السرية، ويخشى الظهور والكشف عن نفسه تحت الشمس فَيُفتَضَح أمره.
من هنا تأتي الدغمسة المُتعَمَّدة، التي لا بديل لها، ولا محيص عنها.
غموض وضبابيَّة وزئبقيَّة المواقف هو التكتيك، والوسيلة المتاحة والملائمة الفاعلة، لدغمسة مبادئ وأهداف الثورة.
و … “تعويم الوزَّين في كوز صلصة” !.
:::::::::::::::::::::::::
ورحم الله المواطن البر الحفيّ بأهله ووطنه ومواطنيه (قناوي الزين)، وتغمده بواسع رحمته، وتقبل روحه الطيبة المعطاءة قبولاً حسناً، وأكرم مثواه عنده، وبوأه مقعده بين الصديقين والشهداء. وإنا لله وإنا إليه راجعون.
مصادر وهوامش
(1) جعفر خضر، ” قناوي الزين (٢ – ٢): الثورة مستمرة وستنتصر”، صحيفة الديمقراطي ، ٢١ أبريل ٢٠٢١.
(2) سيد قطب، معالم في الطريق، دار الشروق، مصر/ القاهرة، الطبعة الشرعية الساسة 1399 هـ – 1979م، ص 138.(راجع للكاتب: في المنطق الإسلاموي: السودان “ولاية إسلامية ؟” .. أي سخافة !! ، موقع صحيفة سودانايل الإلكترونية، نشر بتاريخ: 04 نيسان/أبريل 2021).
(3) سيد قطب (معالم..)، ص (144/ والكاتب (في المنطق..) مراجع سابقة.

izzeddin9@gmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!