واقع التعليم العام في سودان ما بعد الثورة: رؤية من زاوية مختلفة .. بقلم: عبدالمنعم حسن محمد صالح/موجه فني – الخرطوم  



 

 

abdomin1960@gmail.com
(١)
ظل التعليم في السودان يعاني من أوضاع متقلبة طيلة العقود الماضية منذ الاستقلال في ١٩٥٦م ، و لم يحظ التعليم باهتمام الحكومات التي تعاقبت على البلاد بالصورة المهنية المطلوبة، و من غرائب الأحوال أن ماضي أوضاع التعليم في السودان كان أفضلاً من حيث إعداد و إحكام المناهج و تأهيل و إعداد المعلمين و الدعم اللوجستي للمدارس من توفير للكتاب المدرسي و المعامل و المستلزمات اللازمة الأخرى إذا ما قورن بوضعه الحالي الذي وصله الآن، خاصة بعد الضربات الموجعة التي تلقاها التعليم في ظل عهد حكم الإسلاميين و التي تمثلت في تغيير المناهج بصورة مؤدلجة و تغيير السلم التعليمي من ٦-٣-٣ إلى ٨-٣ وإلغاء المرحلة المتوسطة وما تبع ذلك من آثار سالبة على المستوى الأكاديمي للطلاب و إغلاق معاهد إعداد و تأهيل و تدريب المعلمين و التي كانت منتشرة في بعض من مدن السودان مثل أمدرمان، شندي، الدامر، مدني، كسلا، عطبرة، و الدلنج هذا بخلاف معهد التربية بخت الرضا في الدويم، و معهد الدراسات العربية والإسلامية بأمدرمان و الذي كان مختصاً في إعداد معلمي اللغة العربية و التربية الإسلامية للمرحلة المتوسطة و تبع ذلك تدمير معهد التربية بخت الرضا الذي كان يناط به إعداد و تأهيل و تدريب المعلمين و إعداد المناهج و إخضاعها للتجريب في عدد من المدارس التابعة للمعهد قبل اعتمادها وتعميمها على كل المدارس، و فوق كل ذلك كان المعهد مسؤولاً عن التوجيه الفني وهو الجهاز الذي كان يقيس مخرجات التدريب و محصلة المناهج المدرسية ، و بدلا عن معهد التربية بخت الرضا تم تأسيس المركز القومي للمناهج والبحث التربوي ١٩٩٦م ليكون بديلا عن بخت الرضا و مسؤولا عن إعداد المناهج المؤدلجة بكوادر تخدم توجه حكومة الإسلاميين فانهار المعهد و انهارت المناهج و توقف إعداد و تأهيل و تدريب المعلمين. و واصلت حكومة الاسلاميين تدميرها للتعليم بنقل مسؤولية التعليم للمحليات و الولايات و نزعت كافة الصلاحيات من وزارة التربية والتعليم الاتحادية و تركت التعليم تحت رحمة معتمدي المحليات و ولاة الولايات الذين لم يضعوا التعليم حتى في أدنى سلم أولوياتهم فانهارت المدارس تماما و فقدت أبسط الاحتياجات الضرورية لتسييرها. و لم تعد الصلاحيات الإدارية و الفنية واضحة أمام قيادات التعليم على كل مستويات الحكم و غاب الهيكل و الوصف الوظيفي و ساد التخبط الإداري و الفوضى العارمة التي لازالت تضرب التعليم في مقتل حتى بعد ثورة ديسمبر ٢٠١٨م الشبابية المجيدة! و لم تعد هنالك معايير معتمدة و واضحة ومعلومة للجميع في شغل المواقع الإدارية و القيادية أياً كانت وهذه سياسة انتهجها الاسلاميون و لازالت باقية حتى اليوم ، و تخضع للأهواء و العلاقات الشخصية والولاءات الحزبية و الشلليات بغض النظر عن الجدارة و الكفاءة و التأهيل و بكل أسف إستمر هذا الوضع بأسلوبه القديم في قالبٍ و رداءٍ جديد حتى بعد الثورة و شهدت الوزارة الاتحادية و الوزارات الولائية نوعاً جديداً من التكالب على المواقع القيادية بصورة مماثلة لما كان يحدث في العهد البائد و تديره و تنفذه لجنة المعلمين التي فرضت نفسها عنوة على قيادة التعليم بالبلاد و هذه خصلة درج عليها الأفندية منذ سودنة الوظائف بعد الاستقلال.

(٢)
العجلة في معالجة ما لحق بالتعليم من تدمير ممنهج خلال سنوات الإنقاذ ، تجلت في المؤتمر الصحفي الذي عقده الوزير بروفيسور محمد الأمين التوم بعد أيام قليلة من توليه حقيبة وزارة التربية والتعليم في٢٠١٩/١١/٩م بوكالة سونا و أعلن فيه أن نتائج إمتحانات الشهادة في العهد البائد كانت غير حقيقية و كانت تخضع للمعالجات الإحصائية لتظهر بصورة غير حقيقية ، بتصريحه هذا لم يأت السيد الوزير بجديد. و لم يكن من المتوقع أن يفوت على السيد الوزير إخضاع الأمر لدراسة وخطة علمية بديلة يمكن اللجوء إليها عندما تقتضي الضرورة اللجوء لمثل هذه الحلول، مع وضع الاعتبار للعطلة الطويلة التي فرضتها الظروف الصحية جراء جائحة كورونا وتعرض البلاد لسيول وفيضانات لم يسبق لها مثيل و كان لهذه الكوارث الطارئة تأثير سالب على الاستيعاب العلمي للطلاب. و تمت تلك المعالجات الإحصائية لنتائج امتحانات الشهادة في أول امتحانات جرت في عهده و التي ظهرت بصورة مغايرة عن الأعوام السابقة مما أدى إلى أن يحرز حوالي ٢٠٥٦ طالب و طالبة نسبة ٩٠% و أعلى و لم يجدوا مقاعد لهم في الجامعات الحكومية في القبول العام. وقد أدى ذلك إلى تذمر الشارع العام و ذوي الطلاب الذين صبوا جام غضبهم على لجنة القبول و وزارة التعليم العالي في الوقت الذي لم يكن للجنة القبول ولا وزارة التعليم العالي أي ذنب في عدم قبول هؤلاء الطلاب في الجامعات الحكومية بل كان الخطأ كله من وزارة التربية و التعليم العام و إدارة امتحانات السودان التي قامت بإجراء المعالجات الاحصائية للنتيجة بصورة مختلفة جدا راح ضحيتها هؤلاء الطلاب الذين لم يجدوا فرصاً للقبول في الجامعات الحكومية.
و أعلن الوزير في مؤتمره الصحفي الأول عن قرار عودة المرحلة المتوسطة و كان ذلك من القرارات المهمة و الصائبة التي اتخذها الوزير و تحسب لصالح التعليم، و تواصلت تصريحات مسؤولي الوزارة في هذا الخصوص بعودة المرحلة المتوسطة خلال العام الدراسي ٢٠٢١- ٢٠٢٢م و لم يُتخذ حتى الآن أي إجراء يفيد بعودة المرحلة المتوسطة و لا تبدو في الأفق أي أرهاصات أو استعدادات تجريها أو تقوم بها الوزارة لعودة المرحلة المتوسطة حتى الآن ، علماً بأن الأمر غير يسير و يحتاج لمبانٍ مدرسية و معلمين و مناهج و كتب دراسية و أثاثات مدرسية و معامل و كل هذه الضروريات غير متاحة و متوفرة في الوقت الحاضر جراء الأوضاع الاقتصادية المنهارة و يصعب جدا توفيرها مع دنو العام الدراسي ٢٠٢١- ٢٠٢٢م.
و كان المؤتمر الصحفي الثاني للدكتور عمر القراي الذي سرد فيه عيوب المقررات الدراسية في عهد سيئة الذكر الإنقاذ و عَدَّدَ مساوئها و آثارها السلبية ، و مع كامل احترامي و تقديري لدكتور القراي إلا أنه أيضا لم يأت بجديد كان مجهولا لدى العامة ، فآثار المناهج و المقررات الدراسية السلبية كانت واضحة للعيان و يدركها الجميع ، و كان الأجدى و الأفضل للقراي أن يتفرغ لأداء المهمة الملقاة على عاتقه في صمت دون عقد المؤتمرات الصحفية التي فتحت الباب واسعا أمام سدنة العهد البائد لشن هجومهم الشرس جدا عليه مضافا لذلك طريقة تعامل السيد د. عبد الله حمدوك رئيس الوزراء مع أمر المناهج و ما صاحبها من ضجة إعلامية و أسفيرية شرسة، و صراحة لم يكن السيد رئيس الوزراء د. عبدالله حمدوك موفقا إطلاقاً في تجاهله سؤال أهل الشأن في المناهج و هما وزير التربية و التعليم و مدير المركز القومي للمناهج !
و واجه د. عمر القراي مشكلة العجز المالي من وزارة المالية لمقابلة تبعات تغيير المناهج الدراسية و كانت هذه واحدة من المصاعب التي وقفت في طريقه لإعداد الكتب و المقررات الجديدة، حتى تقدم د. عمر القراي في خاتمة المطاف باستقالته و غادر مركز المناهج و لم يتم إنجاز مشروع المناهج الجديدة حتى اليوم و ظل مركز المناهج بلا مدير حتى اللحظة و كذلك الوزارة بكل أسف بلا وزير .
و إذا تمعنا و دققنا النظر في القضايا التي أثيرت في المؤتمرات الصحفية بخصوص ما لحق بالتعليم من تدنٍ و انهيار في عهد الانقاذ نجد أنها قضايا معقدة و حلولها باهظة الثمن و الكلفة و تحتاج التريث والتأني والحكمة المصحوبة بالهدوء في معالجتها لأنها تحتاج لزمن ليس بالقصير لعلاجها و وضع الحلول الناجعة لها، و تحتاج لكوادر مهنية تمتاز بالكفاءة و التأهيل العالي والتخصص في شتى مجالات التربية و التعليم.
رغم كل ذلك شهدت الوزارة إنجازات كان لابد من الإشارة إليها وعمل على تحقيقها السيد وزير التربية و التعليم و كان أهمها زيادة الإنفاق على التعليم و وضع ميزانيات معتبرة له عكس العهد البائد الذي لم يخصص للتعليم أكثر من ٢% من الدخل القومي و كذلك برنامج الشراكة الدولية لدعم المدارس بواقع دولارين مقابل كل تلميذ و بدأ الشروع في تنفيذ هذا البرنامج للدعم المدرسي كذلك كان قرار رفع نسبة التعليم الفني إلى ٢٠% من التعليم العام و قرار عودة المرحلة المتوسطة و تعديل السلم التعليمي و كلها خطوات تصب في صالح التعليم.

(٣)
بعد الثورة وبعد تشكيل حكومتها الأولى استبشر الشعب السوداني خيرا فظلوا في حالة من الترقب مصحوبة بآمال وتطلعات عريضة ظلت تداعب نفوسهم منذ سقوط الطاغية ونظامه البائد ، و لما كان التعليم هو القاسم المشترك الذي يجمع كل قطاعات وفئات الشعب السوداني ، علقوا آمالهم في تغيير مسار التعليم إلى الأفضل على يد الحكومة الجديدة، إلا أن آمالهم وتطلعاتهم لم تشهد طريقها للواقع و لم يحدث التغيير المنشود، نتيجة لعدة عوامل أهمها كانت هي الهيمنة والسيطرة التي فرضتها لجنة المعلمين على وزارة التربية والتعليم الاتحادية ووزارات التربية في الولايات و في ولاية الخرطوم بصفة خاصة.
نعم لا ينكر إلا شخص مكابر دور لجنة المعلمين في الثورة و نضالها المستميت في إسقاط النظام البائد، و يرجع الفضل الأكبر للجنة المعلمين في تكوين و تأسيس تجمع المهنيين السودانيين الذي كان هاديا لمسار خارطة طريق الثورة حتى إسقاط النظام البائد ، رغم كل هذا الدور المتعاظم للجنة المعلمين في الثورة ، إلا أنها لم تكن موفقة في إحداث التغيير و التحديث للأفضل في مسار التعليم العام ، بل جاءت لجنة المعلمين للإحتكار و الانفراد التام بالقرار الإداري و الفني و النقابي و التكالب على المواقع القيادية و ظهرت كل ممارسات العهد البائد في الإقصاء و النقل و إبعاد المعلمين من مواقعهم الوظيفية بحجة انتماء كل من تولى موقعا في إدارات التعليم للمؤتمر الوطني و منظومته البائدة و كان هذا الإقصاء على مستوى الوزارة الاتحادية و الولايات و المحليات و وحداتها الإدارية و حتى على أدنى المستويات في المدارس، و بحجة إعادة (هيكلة التعليم و البل) لم يسلم من (البل) حتى صغار المعلمين.
كانت لجنة المعلمين قبل الثورة جسماً نقابيا و مطلبياً معارضاً لسياسات النظام البائد تجاه التعليم و المعلم و لها الحق وكل الحق في ذلك، و في سبيل تحقيق مطالبها واجه قادة اللجنة الاعتقال و النقل التعسفي و التشريد لإسكات صوتهم لكنهم صمدوا في وجه نظام القمع و التنكيل ، إلا أن لجنة المعلمين بعد الثورة أصبحت هي القيادة النقابية و القيادة الإدارية و القيادة الفنية للوزارة الاتحادية و الوزارات الولائية و تغلغت في كل موضع بدافع و روح الانتقام من العهد البائد الذي تمثل لهم في كل معلم لم ينتم للجنتهم ، مهما كان صغر موقعه الوظيفي فكل من لم يكن معهم في لجنة المعلمين فهو ضدهم و (كوز كمان) !!.
ممارسات لجنة المعلمين التي احتكرت لنفسها العمل الإداري والنقابي في آن واحد، كل ممارساتهم تلك أثبتت بما لا يدع أي مجال للشك، بعدهم عن أبسط قواعد العمل الإداري الرسمي و بُعدهم عن أساسيات و ضوابط القيادة الإدارية. و تجلى ذلك في كثير من القرارات التي صدرت من قادتهم الذين تولوا المواقع القيادية الإدارية على المستويين الاتحادي والولائي. و كان أبرزها نقل ما يزيد عن الستين معلما إداريا من الوزارة الاتحادية إلى ولاية الخرطوم رغم أن وظائف هؤلاء المنقولون هي في الأساس وظائف إتحادية و هم إداريين و فنيين و لم يسبق لهم العمل في المدارس كمعلمين تم نقلهم بقرار من الأستاذة تماضر الطريفي عضو لجنة المعلمين و وكيل الوزارة دون أي تنسيق مع الجهات ذات الصلة في نقل وظائف إتحادية إلى وظائف ولائية ولازالت قضيتهم تراوح مكانها و تم إيقاف مرتبات عدد منهم و وصلت قضيتهم دهاليز مجلس الوزراء، و يؤخذ على الوكيلة عدم استشارتها الأطراف الأخرى ذات الصلة بالأمر و ربما كان ذلك لقلة خبرتها في الحقل الإداري خاصة على مستوى الحكم الاتحادي وفي موقع قيادي كبير .
و جاء المدير العام للتعليم بولاية الخرطوم و عضو لجنة المعلمين الأستاذ محمد إبراهيم علي، بخطوة إدارية غاية في الغرابة و تتعارض صراحة مع المادة (٩) من قانون تنظيم التعليم الخاص لولاية الخرطوم لسنة ٢٠١٥م بدمج إدارة التعليم الخاص في التعليم الحكومي على مستوى المحليات مما تسبب في خلل هيكلي و إداري بالنسبة للإدارة العامة للتعليم الخاص و بين عشية وضحاها وجدت الإدارة العامة للتعليم الخاص بولاية الخرطوم نفسها غير مسؤولة عن فروعها بالمحليات و قد خرجت عن إدارتها و قيادتها، و لم يعد لها أي سلطة على إدارات التعليم الخاص بالمحليات و مدارسها، في وضع إداري مختل و معطوب و غريب. رغم أن الواقع يشير إلى أن التعليم الخاص في ولاية الخرطوم يشكل نسبة لا تقل عن ٦٠% من التعليم العام و قضاياه كثيرة و معقدة و مزاياه الإيجابية لا تخفى على أحد وله خصوصيته و يستحق أن تنشأ له إدارة خاصة به كما نصت المادة (٩) من قانون تنظيم التعليم الخاص لسنة ٢٠١٥م لولاية الخرطوم وذلك لكبر حجمه و إحكام ضبطه، بدلاً عن دمج إداراته في إدارات التعليم الحكومي و الذي هو أيضا يواجه عدد من المصاعب التي تحتاج التفرغ لادارته بعيدا عن التعليم الخاص. و قد تفحصت قرار الدمج هذا طويلاً لاستخلاص الفائدة والهدف منه ، إلا أنني عجزت تماما في استكشاف فوائده و الحكمة الرشيدة من ورائه، ولم يكتف مدير عام التعليم بولاية الخرطوم بهذا و حسب بل أصدر لائحة للتعليم الخاص و ألغى بموجبها لائحة التعليم الخاص لولاية الخرطوم لسنة ٢٠١٢م و بالتالي منح نفسه صلاحيات المجلس التشريعي و الوزير في إلغاء اللوائح و تعديل الهيكل الوظيفي للوزارة، و هنا لابد لي من الإشارة إلى قانون تنظيم التعليم الخاص لسنة ٢٠٢٠م الذي أعدته وزارة التربية والتعليم بعد الثورة و وضعته على منضدة وزارة العدل كخطوة أولى لإجازته، إلا أنه لم يجاز حتى الآن لأسباب نجهلها، و كان على المدير العام للتعليم بولاية الخرطوم إنتظار إجازة القانون و من ثم ترتيب أوضاع التعليم الخاص في ولايته وفقاً للقانون المرتقب بدلاً عن إصدار قراراته تلك التي لا سند قانوني لها، و واصل المدير العام للتعليم بولاية الخرطوم الأستاذ محمد إبراهيم علي مخالفاته الإدارية و أصدر قرارا بانشاء إدارة عامة للتعليم الفني بالوزارة الولائية في مخالفة صريحة للهيكل الوظيفي للوزارة وفي غياب تام لعين الرقيب والي ولاية الخرطوم السيد أيمن نمر و الذي يبدو أنه بعيد كل البعد عن التعليم الذي يعاني من مشاكل لا حصر لها ولم تجد منه الاهتمام المأمول.
من كل ذلك يبدو جليا أن قيادات لجنة المعلمين التي تولت أمر التعليم تجهل أساسيات العمل الإداري و القيادي و اللوائح و القوانين التي تضبطه و ربما نجد لهم العذر في ذلك لأنهم حُرِموا و أُبعِدوا طيلة العهد البائد من تولي المواقع القيادية والإدارية نتيجة لمواقفهم المناوئة في وجه النظام البائد. و ما يؤخذ على لجنة المعلمين أنها لم تُعِد و تستعد للعهد الجديد بأي برامج و لا خطط للنهوض بالتعليم بعد سقوط الطاغية و نجاح الثورة، و لم تتحسب لذلك مطلقاً و تفاجأوا بأن الأمر كله قد آل إليهم و هم خالي الوفاض من أية برامج و خطط ورؤى للنهوض بالتعليم و إصلاح ما أفسده الحكم البائد، و كان هذا سبباً رئيساً في التخبط الإداري الذي يسود التعليم اليوم و و سبباً في انشقاق مجموعة من لجنة المعلمين لم يعجبها مسار اللجنة أطلقت على نفسها مسمى (تجمع تصحيح المسار) و أعلنت عن نفسها في مؤتمر صحفي عقدته بوكالة سونا للأنباء في ٢٠٢٠/١١/٨م.

(٤)
كثيرا ما اخترقت مسامعنا في حقل التربية و التعليم بعد الثورة كلمة (الهيكلة) ، و ظلت هذه (الهيكلة) ترد على لسان كل من أمسك بالقلم من لجنة المعلمين بفهم و رؤية سطحية للغاية (البل) و تعني عندهم إبعاد و إقصاء و نقل كل من لم يكن معهم باعتبار أنهم ينتمون لتنظيم العهد البائد (المؤتمر الوطني) حتى و إن لم يكن كذلك، و كل هذا يتم دون تحقق وتأكيد، وكثير ممن طالتهم يد لجنة المعلمين بالإبعاد و الإقصاء والنقل بفرية الظن و الانتماء لحزب العهد البائد ظُلِموا زوراً و بهتاناً نتيجة لهذا المسلك الذي لا يماثله إلا أسلوب عصبة الإسلاميين الذين كان ديدنهم التكالب على مواقع القيادة و القرار و إقصاء المناوئين لهم بعيداً، في عهدهم البائد.
من كل هذا يتضح جلياً أن كلمة (الهيكلة) لدى لجنة المعلمين تعني إستبدال شخص بشخص آخر في الموقع الوظيفي دون مراعاة حتى للأقدمية على أقل الفروض و أهم مطلوباتهم لتولي المواقع الوظيفية هو الانتماء للجنة المعلمين.
و إذا رجعنا لمعنى الهيكلة كما جاء في معجم المعاني الجامع هو: ترتيب العمل أو المؤسسة و من يعمل فيها وفق قواعد عامة و منتظمة ، و ذلك بغرض تطوير العمل و إنجاحه.
و جاء أيضاً في معجم المعاني الجامع معنى هيكل الوظائف/ الهيكل الوظيفي هو: توزيع العاملين طبقاً لمستوى الأداء الفني و التعليم و التدريب، و يفيد هذا التوزيع في تخطيط القوى العاملة و تخطيط التدريب وإعادة التنظيم.
وهنا يبرز لنا الفرق الشاسع بين معنى الهيكلة لدى لجنة المعلمين و المعنى الحقيقي للكلمة كما ورد في معجم المعاني الجامع و هو التعريف العلمي و الاصطلاحي الحقيقي المتعارف عليه.

(٥)
أرى من كل ذلك أن التعليم في حاجة ماسة جدا لثورة إصلاحية قوية هادفة و مدروسة و مُحْكَمَة، بداية: من إعادة صياغة غاياته و تحديد أهدافه و السياسات التي يجب أن تتبع لتحقيق الأهداف و الوصول للغايات. و أن يتم ذلك في إطار إستراتيجية و فكرة وطنية متفق عليها و خطة علمية مدروسة بواسطة أصحاب الجدارة و الكفاءة العلمية العالية و المتخصصة. على أن تبعد الوزارة تماماً من الأيدلوجيات الفكرية و الحزبية و المحاصصات كما كان سائدا في العهد البائد و كما في المحاولات الجارية الآن لتطبيق نفس الفكرة و التي تسببت في خلو كرسي الوزير حتى اللحظة. والوضع المثالي لوزارة التربية و التعليم هو حياديتها و و إبعادها عن الأيدلوجيات و إجماع الناس عليها.
ثانيا: العمل على تعجيل إجازة القوانين المنظمة للتعليم العام بشقيه الحكومي والخاص و التي وضعت على منضدة وزارة العدل منذ فترة ليست بالقصيرة.
ثالثا: وضع هيكل و وصف وظيفي محكم للوزارة الاتحادية و الوزارات الولائية مع وضع معايير محكمة للكفاءة العلمية و القيادية لمديري الإدارات والأقسام على كل المستويات اتحادية وولائية و محلية.
رابعاً: إعادة كل الصلاحيات المُعِينة لوزارة التربية الاتحادية حتى تتمكن من متابعة الأداء الإداري و المهني للتعليم بالولايات و القيام بدورها على الوجه المطلوب.
خامساً: لماذا لا يتم تأسيس جامعة متخصصة للعلوم التربوية؟ كما في غانا، ليتوانيا و أوكرانيا، و تكون لهذه الجامعة خمسة فروع منتشرة بالمدن الكبيرة من البلاد تعنى فقط بإعداد و تخريج المعلمين و إعادة التأهيل للمعلمين و تختص بتدريب الموجهين الفنيين و إعداد و تدريب القيادات الإدارية. و تؤول لهذه الجامعة مهمة إعداد إمتحانات الشهادة الثانوية و مراجعة امتحانات الشهادتين الابتدائية و المتوسطة لكل الولايات و تؤول لها أيضا مهمة إعداد و تأليف المناهج لكل المراحل التعليمية العامة. و تكون هذه الجامعة مركزاً علمياً متخصصاً لتوجيه التعليم العام بالبلاد باحترافية عالية.
و يمكن أن تكون مدينة الدلنج مركزا لجامعة العلوم التربوية كنوع من التمييز الإيجابي للمناطق التي تضررت من الحروب، خاصة و أنه كانت بهذه المدينة إحدى معاهد إعداد المعلمين الشهيرة (معهد التربية الدلنج)، على أن تكون بقية الفروع في مدينة الدويم (بخت الرضا) في الوسط و الفرع الثالث شرقاً بمدينة سواكن و الرابع غرباً بمدينة الفاشر أو نيالا و أخيرا فرع للجامعة بمدينة الدامر أو عطبرة شمالاً ، و أرى أن من الحكمة والإنصاف المهني أن تقود جهة أكاديمية وعلمية (متخصصة) عملية الإعداد والتأهيل المهني المحترف لمنتسبي وزارة تُعنى بالتربية وبالتعليم ، و يكون بهذه الجامعة مركزاً للأبحاث التربوية يشرف على البحوث و الدراسات العليا المتعلقة بالمجال التربوي و التعليمي و تطويره. و تصبح هذه الجامعة هي الجهة الاستشارية العلمية لوزارة التربية و التعليم، و أتمنى أن تخضع مقترحاتي هذه للنقاش الهادف من المختصين والتربويين.
سادساً: استقلالية جهاز التوجيه الفني تماماً عن بقية الإدارات في الوزارة على أن يتبع مباشرة لوزير التربية في مجلس من ذوي الكفاءة العلمية و الحياد التام من جامعة العلوم التربوية و قيادة التوجيه الفني و المنتدى التربوي، لتكون قضاياه حاضرة على أعلى مستويات قيادة الوزارة في وجود عناصر تمتاز بالجدارة و الكفاءة العلمية والمهنية والحياد التام و ذلك لأهمية التوجيه الفني ودوره الكبير، على أن تصاغ صلاحيات و أهداف التوجيه الفني و سياساته بقانون مّحكَم يكفل له مراقبة و تطوير الأداء المهني لكل المنتسبين للوزارة من معلمين وإداريين وفنيين ومراقبة تطبيق معايير الجودة في كل شأن يتعلق بالعملية التربوية والتعليمية وإعداد تقارير الأداء المهنية لكل المنتسبين لحقل التعليم و الرجوع إليها عند اختيار شاغلي المواقع الإدارية، و يتم تعديل مسمى هذا الجهاز من التوجيه الفني إلى (إدارة الرقابة والتطوير المهني للمعلمين).
و الضرورة و العدالة تحتم استقلالية (إدارة الرقابة و التطوير المهني للمعلمين) عن بقية إدارات الوزارة لأنها ستكون الرقيب الشاهد على وزارة خدمية يجب أن تكون محايدة لا تنتمي إلا للوطن و منوط بها بناء وإعداد الإنسان السوداني الصالح لنفسه و مجتمعه و وطنه و المعد نفسياً و وجدانياً وعلمياً لبنائه و تكون هذه الإدارة أيضاً الرقيب و الشاهد على الشفافية و العدالة في إختيار القيادات ذات الجدارة و الكفاءة في قيادة وإدارة الوزارة التي يجب أن تكون مهنية خالصة و هادفة لتحقيق رسالتها التربوية و العلمية لبناء المواطن الصالح و الغيور على نهضة بلاده.
و يمكن الإستفادة من تجربة Office for Standards in Education.OFSTED في المملكة المتحدة بريطانيا و المناط به مراقبة الأداء و معايير الجودة في رياض الأطفال و المدارس ببريطانيا و لضمان حياديته يتبع لملكة بريطانيا رأساً و من الممكن الاستعانة و التعاون مع المجلس الثقافي البريطاني في الخرطوم لكسب المزيد من الخبرات و التجارب مع مراعاة ظروف السودان الخاصة .
سابعاً: إنتهى الوقت الذي تتم فيه إدارة و قيادة العملية التعليمة بالتخصصات التقليدية لخريجي كليات التربية ومعاهد إعداد المعلمين التي اندثرت و لمواكبة التطور و التعقيدات الكثيرة في مسائل الإدارة و القيادة و مستجداتها لابد من إلحاق أصحاب تخصصات علمية أخرى في قيادة الوزارة على سبيل المثال لا الحصر:
العلوم الإدارية، إدارة المشاريع، الإدارة المدرسية و التعليمية المتخصصة، إدارة الجودة، تنمية الموارد البشرية، إقتصاديات التعليم، تقنيات التعليم، الإحصاء و التحليل الإحصائي ، الإعلام ، الهندسة المدنية و المعمارية ، هندسة الاتصالات والشبكات ، هندسة الحاسوب و علوم الحاسوب، تقنية المعلومات، التكاليف و محاسبة التكاليف ، التخطيط الاستراتيجي ، مهندسي تصميم البرامج و التطبيقات الإلكترونية و مختصي المختبرات العلمية، من الملاحظ أن أغلب هذه التخصصات تعتبر من العلوم الحديثة و العصرية التي لم تكن معروفة من قبل و فرضتها ضرورة المواكبة و الحاجة الإنسانية الماسة للتطور العلمي و التكنولوجي و التغيير للأفضل، و لا غنى عنها في وزارة التربية و التعليم لتواكب العصر و لتقدم خدمة تعليمية متميزة تبدع في بناء الإنسان السوداني و تكون مكملة لإبداعاته النضالية الرائعة و القوية التي تجلت في أبهى و أجمل صورها في ثورة ديسمبر المجيدة التى بهرت و أذهلت العالم كله بسلميتها و عزيمة و إرادة ثوارها.
و أخيراً و لكي ننجح علينا أولاً أن نؤمن أنه بمقدورنا تحقيق النجاح، و الطموح اللامحدود هو الوقود الذي يساعد الإنسان على الوصول إلى طريق النجاح.
عاشت ثورة ديسمبر الشبابية حرة أبية تحمل لواء التغيير و التجديد في سودان اليوم و المستقبل، و المجد و الخلود لشهداء الثورة الأوفياء الأبرار.

 


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!