غوث المُبدعين: من الفنجرة إلى المؤسسية .. بقلم: د. عبد الله على إبراهيم

في الأخبار أن الفريق البرهان تبرع بخمسة ألف دولار لعلاج الإعلامي مصعب محمود الذي سرني نبأ تعافيه وغبطتي لهفو القلوب له. وكنت كتبت قبل أيام التمس من برهان أن يترك الفنجرة تبرعاً بالمال لمن اتفق له، وأن يرد ولاية المال والتصرف فيه للمؤسسية. وجاء البرهان هذه المرة إلى



 

في الأخبار أن الفريق البرهان تبرع بخمسة ألف دولار لعلاج الإعلامي مصعب محمود الذي سرني نبأ تعافيه وغبطتي لهفو القلوب له. وكنت كتبت قبل أيام التمس من برهان أن يترك الفنجرة تبرعاً بالمال لمن اتفق له، وأن يرد ولاية المال والتصرف فيه للمؤسسية. وجاء البرهان هذه المرة إلى ميدان طال فيه انتقادي فيه لفنجرة الحاكم مع المبدعين. فدعوت أكثر عمري إلى صندوق مستقر ثابت يغيث الملهوف منهم مؤسسياً بما يحفظ له ماء وجهه كبشر متعفف. وأذعت تفاصيل إدارة هذا المشروع في خطاب الدورة كرئيس لاتحاد الكتاب السودانيين في ٢٠١٦.
وكان آخر كتابة لي في الموضوع في رمضان العام الماضي حين زار وزير الإعلام السابق فيصل محمد صالح دار الفنان أبو عبيدة حسن بعد أن استصرخهم صريخ بفيديو يمزق نياط القلب عن حال هذا الكروان. وقلت إن مثل هذه الزورة لمبدع بعد استصراخ تكررت وأملت. ومع نبل كل خطوة من الحكومة في هذا السبيل إلا أنها ليست كافية وحسب بل مسيئة. فبمثلها نُخرج أكثر الناس حساسية واتلافاً من التعفف إلى مانشيت الإعلام، وتأسى الناس على مآلهم، وإسعاف الحكومة المتأخر والمعلن.
كنت رصدت حالات من “فلاكة” (وهي عيش المبدع الزري) المبدعين وتقاطر الدولة عليهم في الرمق الأخير وأنا رئيساً لاتحاد الكتاب. وكتبت في جريدة “الخرطوم” أدعو لنهج أكرم في البر بالمبدعين بقيام صندوق وقفي استثماري مستقل بتمويل من الحكومة والمبدعين أنفسهم يعفينا من روتين تدارك المبدع في محنته تداركاً.
فإلى المقال القديم من عهد الإنقاذ:
نورنا إبراهيم دقش وآخرون عن سعادة زملائنا من الموسيقيين والكتاب الذين كرمتهم الدولة بزيارات رئاسية رمضانية مستتبة. وشملت هذه اللمسة لعامنا الموسيقار محمد الأمين، والمايسترو عبد الفتاح الله جابو، وأمين زكي العازف العارف بالكرة. بل كشفت هذه اللمسات جوانب من الطاقم الرئاسي خفية مثل ولع الرئيس البشير بتعلم النوتة الموسيقية في شبابه. وطَرِبنا لسعادة أولاد الكار تطرق الدولة بابهم في هذا الشهر الفضيل، وفي منعطف من الحياة يرغب الإنسان أن يسمع صدى عمر بذله للناس والوطن.
في ظل زيارات الرئاسة قامت وزارة الثقافة بزيارات أخرى لمبدعين. فزار مصطفى تيراب، وزير الدولة بالثقافة، المسرحي عوض محمد أحمد. وهي زيارة مختلفة عن الرئاسيات. فالرئاسيات للتكريم بينما زيارة تيراب للوقوف على حالة مبدع في محنة استجاب بها الوزير لمناشدة من زملاء عوض ليتداركوه. وهنا بيت القصيد. فالرئاسة حرة في التكريم قامت به أم لم تقم. أما الثقافة فملزمة كمؤسسة بالعناية بالمبدعين الممحونيين لأنها مؤسسياً مستودع صندوق رعاية المبدعين. ولهذا رافق صديق الكدرو، أمين الصندوق، الوزير في تفقد أحوال عوض.
إن عنايني هنا بالرعاية (بمعني إسعاف المبدع في محنة) لا التكريم الرئاسي. ولهذا احترت أين تقع زيارة الوزير الدقير للمسرحي حمدنا الله عبد القادر. فهي بالقطع ليست إسعافيه. ولو كانت للتكريم فالرئاسة أولى بها من وزارة الإعلام المكلفة برعاية المبدعين.
من المؤسف القول بأن صندوق رعاية المبدعين بوزراة الثقافة تجربة فاشلة. فعلى حسن النية منها إلا أنها لم “تفك الحَجرة” بعد. أي أنها، في لغة العوم، ممسكة بحجرة النهر لم تسبح بعد في عبابه. واتفقنا على ذلك في اجتماع لمنظمات الكتاب والفنانين دعا له الأستاذ السمؤال على أيام ولايته وزارة الثقافة.
لنأخذ حالة واحدة على كساد الصندوق. فأعاد علي الطاهر نشر حوار في هذه الصحيفة (الخرطوم) أجراه مع الممثل عثمان رمضان بعد وفاته منذ أيام. وعاش عثمان كريماً حسيراً منذ 2011 حين اكتشف فجاءه أنه مصاب بالسكري بعد أن ضرب رجله بصبة أسمنت. ثم لم يقل أحي يا العافية بعدها. بتروا رجله بعد أخطاء طبية. ثم انقطعت عنه رجل الصحاب شيئاً فشيئاً سوى من السمؤال وإبراهيم حجازي واللواء عبد الحي.
وامتهن عثمان بكبرياء بيع الطعمية التي لم توفر له تذكرة الرحلة لمركز الأطراف الصناعية كوُلفتها ستين جنيهاً في الأسبوع. وأخذت الحرفة الدرامية على الطاهر هنا. وقال إن بيع الطعمية دور لم يتهيأ له ممثل قدم 40 عملاً درامياً. وسأل عثمان: ما هو أقرب أدوارك لما تعيشه الآن في بيع الطعام. قال دور طباخ مضطهد لأسرة ثرية في مسرحية “بخيتة دوت كوم”. وأضاف أن الفرق أن ذلك كان طباخاً في بيت أغنياء على كل حال.
آمل أن تتلفت الرئاسة إلى صندوق رعاية المبدعين. وأن تبدأ بتحريره من وزارة الإعلام والثقافة ليكون صندوقاً أهلياً للغرض. فقد ظلت الفكرة تؤرق كل منظمة مهنية أو نقابية في ساحة الإبداع. ولم أقل بتحريره من الدولة عن سوء ظن بها. ليس هذا بيت القصيد هنا. فالدولة ستظل من أميز مموليه عن طريق مختلف أنواع التأمينات الصحية والاجتماعية وغيرها. سببي للابتعاد بالصندوق من الدولة أن “تصحصح” سائر منظمات المبدعين لتأخذ أمر رعاية أعضائها بجدية وبإبداعية ترتفع فيه نبرة “أولاد الكار، أي المهنة” وتشحب السياسة. ومن أكثر من رأيت اجتهاداً في المسألة الدكتور صديق أمبدة في سياق وظيفته في أمانة الموارد باتحاد الكتاب السودانيين.
نأمل أن يعود علينا رمضان القادم وقد استكمل صندوق دعم المبدعين الأهلي نواته المؤسسية وشرع في تدبير موارده. لقد سقمنا الشكوى من كساد حياة المبدع. وتسرب من بين أيدينا أوسم رفاقنا عرجى ومكاسير لم نملك إزاء تضعضعهم سوى الحسرات.

IbrahimA@missouri.edu


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!