أقليّة الأويغور الصينيّة المسلمة … هل نسيناها ؟! من هم ولماذا يواجهون الاضطهاد …؟ .. بقلم: د. محمد بدوي مصطفى



 

 

الأويغور في مواجهة السلطات الصينية:
تخيلوا يا سادتي أن يعيش المرء منّا في عقر داره، بوطنه وأرض أجداده وكأنه يعيش في غربة أو في مستعمرة، أرضه تغيرت ملامحها فهي لا تشبه أرض الأجداد، أضحت غريبة عليه بكل ما تحمل الكلمة من معانٍ فلم يعد يعرفها، يخضع فيها لقوانين سنّها آخرون، ومساطر وأبجديات يحركها حزب أوحد بقبضة فولاذيّة. صار يرفل في ترهات الحياة وكأنما يعيش الإنسان مِلكاً لآخرين، تماماً كما في عهد المستعمرات الأوروبية في أفريقيا وأمريكا الجنوبية، يتيه في دروب الحياة مسلوب النفس ومغلوب العزيمة ولا حول له فيها ولا قوة، يعيش كالدمية. تمارس هذه القوى السياسية كل ألوان الاضطهاد والقمع ضده، وتحرمه من كل حرياته لا سيما الدينية وفوق هذا وذاك تجبره على ولائها وطاعتها والخضوع التام للحزب الحاكم الذي يحركها ويمتلك مفاتحها، كل هذا بكل بساطة ما يعنيه أن تكون من ملّة الأويغور في إقليم شينغيانغ بالشمال الغربي لدولة الصين العظمى. ولكي نعترف عليهم فهم يا سادتي – حسب المصادر – أقلية عرقية تركية تنتمي عرقيًا وثقافيًا إلى المنطقة العامة لوسط وشرق آسيا. ويعتبر شعب الأويغور أقلية من بين خمسة وخمسين أقلية عرقية تعترف بها دولة الصين رسميًا. بيد أنّ السلطات الصينية ترفض بكل عنجهيّة فكرة اعتبارهم من السكان الأصليين، ولا تعترف بهم إلا على أنهم أقليّة إقليمية داخل دولة متعددة الثقافات، ببساطة تعتبرهم مواطنين من الطبقة الدنيا إن كان لهم بالأساس حقّ المواطنة. يحكي الزمن أن إقليم الأويغور هو منطقة خضعت لسيطرة العديد من الحضارات تاريخيًا بما في ذلك الإمبراطورية الصينية والمغول والتبت والحضارات التركية السابقة. كما وتسرد أهم مصادر التاريخ أن الأويغور بدأوا في الدخول في الإسلام في حوالي القرن العاشر وأسملوا على نطاق واسع مع إشراقة القرن السادس عشر وقد لعب الإسلام وقتئذ دورًا هامًا في ثقافتهم وهويتهم وصار جزءًا لا يتجزأ من معالم وصفات الشخصيّة الأويغوريّه.

تاريخ الأويغور في عجالة:
لا يزال تاريخ الأويغور كما جذورهم وأصولهم تمثل نقطة خلاف عميقة بينهم وبين السلطات الصينية. لقد اعتبر المؤرخون الأويغوريون أنهم وبلا منازع سكان المنطقة الأصليين في تركستان الشرقية التي أسمتها الصين فيما بعد بإقليم شينغيانغ وأن لهم فيها تاريخ تليد يضرب بجذوره في أعماق القرون الماضية. وقد كتب المؤرخ الأويغوري محمد أمين بوغرة في كتابه “تاريخ تركستان الشرقية” عن هذه الأصول وأهميتها في تكوين الهويّة الأويغوريّة كما وسلط فيه الضوء على السمات التركية لشعبه. من جهة أخرى صرح مؤتمر الأويغور العالمي في إحدى وثائقه عن وجود تاريخ قدره 4000 عام في تركستان الشرقية. ومع ذلك، فإن للصين وجهة نظر مخالفة تمامًا لما سلف ذكره، إذ تصرح سلطاتها أن الأويغور في شينغيانغ قد نشأوا من قبائل تيلي وأصبحوا القوة الاجتماعية والسياسية الرئيسية فقط في شينغيانغ خلال القرن التاسع عندما هاجروا من منغوليا إلى شينغيانغ بعد انهيار خاقنات الأويغور، ليحلوا محل الهان الذين هم من عرق صينيّ صرف. وعلى صعيد آخر لا يعتبر الكثير من العلماء الغربيون المعاصرون أن الأويغور ينحدرون من أصل خطي مباشر من خاقنات الأويغور القديمة في منغوليا ويعتبرونهم بالأحرى أحفاد عدد من الشعوب المختلفة، يمثل إحداهما الأويغوريون.

كيف بدأت الحكاية؟
بدأت الحكاية منذ أن ضمت الصين مناطق تعرف بتركستان الشرقيّة على حدودها الشمالية الغربيّة إلى أراضيها وأعادت تسميتها ب “شينغيانغ”، وهذه الكلمة تعني في اللغة الصينية “الحدود الجديدة”. تعتبر شينغيانغ إقليم مهم يقع على طريق الحرير ويزخر بالنفط والغاز والفحم الحجري. يسكن هذا الإقليم غالبية من الأويغور المسلمين وهي مجموعة عرقية تعود أصولها إلى قبائل تركيّة عاشت واستوطنت هناك منذ عدّة قرون. تقدر أعدادهم بالملايين وتمارس عليهم السلطات الصينيّة رقابة دقيقة لدرجة أن صُنّف الإقليم الذي يسكنونه بأنه من أكثر الأماكن اكتظاظًا بالشرطة في العالم أجمع. تُتَهم السلطات الصينيّة من قبل منظمات حقوقية عديدة وفي الآونة الأخيرة حتى من قبل الإتحاد الأوروبي ومن الولايات المتحدة الأمريكيّة أنها تقمع هذا الشعب الأويغوري بشتى الأشكال. وقد أدّت هذه التصريحات إلى أزمة سياسية بين أوروبا والولايات المتحدة والصين. لا يتوقف الأمر فقط على الذين بالمعسكرات فإن الذين يتواجدون منهم خارج المعسكرات يعيشون تحت قبضة أمنية صارمة للغاية، فكل حركاتهم أو تحركاتهم محسوبة عليهم. وهنا نجد أن الشرطة والمخابرات تتبع كل التحركات وتجمع حتى الحامض النووي من الأفراد وتستولى على جوازات السفر وتستخدم أحدث أنواع التكنولوجيا لمراقبة روتين الأفراد اليومي بكل دقة وصرامة. أضافة إلى ذلك يتم الفرد منهم على تحميل تطبيق على الهواتف الجوالة للتجسس عليهم وتركيب أجهزة تحديد المواقع على سياراتهم وتفعيل نظام للتعرّف على وجوههم من خلال كاميرات مراقبة الشوارع مع إمكانية ارسال تنبيه في حالة ابتعادهم عن منازلهم أو المواقع الذي ينبغي أن يكونوا متواجدين بها.
على سبيل المثال حتى من اشترى خنجرًا أو سكينًا مثلًا مثل سكاكين الجيب أو غيرها فإن بياناته تنقش عليها لإمكانية التعرف عليه في حال حدوث أي واقعة مثلاً. لقد تجاوزت ممارسات القمع ذلك إلى منع الرجال من إطلاق اللحى ومنع النساء من ارتداء الملابس التي تغطي كامل الجسد ومن ينوي قضاء فريضة الحج عليه بتوقيع وثيقة تثبت ولاءه للدولة وللحزب الحاكم، ولكل هذه الأسباب فإن آلاف من الأويغور يعيشون خارج مسقط رأسهم وبعيدًا عن الإقليم الذي نشأوا فيه خوفًا من الاضطهاد وهربًا من القمع والتعذيب. فمنهم من قضى نحبه تحت وطأة هذا العذاب ومنهم من استأثر الهجرة بعيدًا عن الضيم والذل والهوان، نجد بعضهم قد اختار البلاد العربية طلبًا للعلم أو العمل لكن حتى هناك استطاعت يد القمع أن تطولهم وتعاونت العديد من الدول تواطأ مع السلطات الصينيّة فقامت بتسليم المئات منهم مكبلين لا حول ولا قوة لهم سواء ايمانهم وعزيمتهم وصمودهم في وجه الطغيان. وقد شهدنا في الآونة الأخيرة بعض احتجاجات الأويغور بتركيا خوفًا من أن توقع هذه الأخيرة معاهدة مع النظام الصيني يسمح بتسليم كل المعارضين. ولقد صرحت مفوضية حقوق الإنسان عام 2018 إن السلطات الصينية ألقت القبض على كل من له أقارب في 26 دولة حول العالم وكل من اتصل بشخص في الخارج عبر تطبيق واتسآب. يقدر المؤتمر الأويغوري العالمي عدد سكان الأويغور خارج الصين بحوالي مليون وواحد بالمئة إلى مليون وستة بالمئة نسمة. حيث توجد جماعات كبيرة من الأويغور في الشتات في بلدان آسيا الوسطى مثل كازاخستان وقيرغيزستان وأوزباكستان، كما ونجد بعضهم يعيش في كندا ودول أوروبا الغربية مثل ألمانيا والنرويج والسويد وهولندا وحتى في روسيا والمملكة العربية السعودية وتركيا كما ونجد جماعات أيضًا بأستراليا والولايات المتحدة.

معسكرات التأديب القسريّة:
لذلك تتهم لجان حقوقية بالأمم المتحدة الصين باحتجاز أكثر من مليون مسلم من الأويغور في معسكرات سريّة منذ عام ٢٠١٤. لقد حصل الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين على العديد من التقارير والمعلومات الهامة من داخل الحكومة الصينية تشير إلى أن السمة الرئيسية لمعسكرات التأديب هي ضمان الالتزام بأيديولوجية الحزب الشيوعي الصيني المطلق. وتسعى السلطات في هذه المعسكرات إلى ما يسمّى بإعادة التربية والتأهيل عبر تلقائية التعذيب وإجبارهم أن يخالفوا كل ما يربطهم بتراثهم وحضارتهم ودينهم، مثال مخالفة حدود الشرع في دينيهم الحنيف كشرب الخمور وأكل لحوم الخنزير وفوق هذا وذاك ترديد شعارات وطنية حزبية كشكل من أشكال غسيل المخ. يُحتجز السجناء بشكل مستمر في المخيمات ولمدة لا تقل عن أثني عشر شهرًا – اعتمادًا على أدائهم في اختبارات الأيديولوجية الصينية – والمثير للدهشة انقطاع أواصر الصلات بين النزلاء وأفراد أسرهم تماما وفي بعض الأحيان يقتصر التواصل على مكالمة هاتفية واحدة كل أسبوع. لقد أصدرت هيومن رايتس ووتش تقريرًا في عام 2017 تقول فيه “يجب على عملاء الحكومة الصينية إطلاق سراح الأشخاص المحتجزين في مراكز التعليم السياسي غير القانونية في شينغيانغ، وإغلاق هذه المعسكرات، كما وحددت تلك التقارير مع العديد من وسائل الإعلام أن ما يصل إلى مليون شخص محتجزون في معسكرات إعادة التعليم في هذه المنطقة”. ومنذ نوفمبر من عام ٢٠١٩ تحتجز السلطات فردا واحدا من أصل عشرة من الأويغور في معسكرات إعادة التأهيل القسرية. وقالت غاي ماكدوغل، وهي عضوة في لجنة الأمم المتحدة للقضاء على التمييز العنصري، إنها تشعر بالقلق إزاء تقارير عن تحول منطقة الأويغور ذات الحكم الذاتي إلى “معسكرات اعتقال هائلة”.
لقد شاهدت في سياق التحضير لهذا المقال فيلما وثائقيا تحكي فيه سيّدة أويغوريّة عن أيّام حبسها بهذه المعسكرات، لا حول ولا قوة إلا بالله، فهي أشياء تقشعر لها جلدة البدن، وحوادث فظيعة لا تخطر ببال أحد، منها المنع من ارتياد الماء، ومن استعماله للنظافة خوفًا من أن يقوموا بعمل الوضوء، وتحريم الأكل والشرب عند التعنت وعدم الطاعة، التعرية الجسدية حتى للسيدات أمام الكل، التحرش الجنسي، والقائمة طويلة. ورغم تكتم السلطات الصينيّة على ما يجري في هذه المعسكرات من أعمال ضد الإنسانية إلا أن بعض الناشطين استطاعوا تسريب العديد من المواد الإعلاميّة التي استطاعت توثيق بعض ما يدور بها وماهيّة أهدافها في الأساس. تعمل الصين بدأب واستدامة على احداث تغيير إيديولوجي – كما تزعم السلطات – هام ورئيس لمكافحة التطرّف ودعوات الانفصال. لقد اتهمت المنظمات الحقوقيّة الصين باستغلال التوجّه العالمي لمكافحة الإرهاب باستهداف شعب الأويغور المسلم، بيد أن السلطات تبرّر موقفها بالقول بأنها تواجه الحركات الانفصاليّة التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالحركات والجماعات الإرهابية في أنحاء العالم الإسلامي المختلفة. وتتحدث هذه السيدة في هذه المادة الوثائقية عن إجبار السلطات الصينية نساء الإويغور على تناول حبوب منع الحمل وإخضاعهن لعمليات تعقيم قسرية لحرمانهن من الإنجاب نهائياً. وفسر بعض المحللين فترات العزلة المطولة لرجال الأويغور على أنها أيضًا محاولة من أجل منع إنجاب الأويغور لتغيير التركيبة السكانية العرقية للبلد.
كل ذلك رغم أن الدستور الصينيّ يكفل حريّة المعتقد بما في ذلك ديانة الإسلام. ونجد تشدد السلطات على اخضاع الدين للقوميّة الصينيّة عندما تستهدف الأويغور على وجه التحديد لتردع الدعوات الانفصاليّة، لكنها من جهة أخرى تسمح للمسلمين في مناطق أخرى في نطاقات واسعة بحريّة العبادة والمعتقد؛ مع العلم أن تقارير تفيد بأن السلطات الصينية أمرت الإويغور في أقليم شينغيانغ بتسليم جميع المصاحف وسجّادات الصلاة أو غيرها من المتعلقات الدينية، وإلا سيواجهون “عقوبة”، وذلك بحسب ما نقلته صحيفة الإندبندنت البريطانية عن مصادر أويغورية بالمنفى عام 2017. اظهرت في شهر سبتمبر 2020 دراسة قام بها المعهد الاستراتيجي للسياسة الأسترالي أن السلطات الصينية قد زادت وتيرة احتجاز الأويغور في معسكرات التأهيل القسرية، إذ تبين أن عددها يزيد باضطراد مذهل وهو ما يفند إعلان السلطات الصينية عن تراجع أعداد هذه المعسكرات التي يبلغ عدد المحتجزين فيها ما لا يقل عن مليون رجل وامرأة. وحسب المعهد الاستراتيجي الأسترالي يبلغ عدد هذه المعسكرات حالياً 380 معسكراً وهو ما يزيد بنسبة 40 في المئة عن التقديرات السابقة ولا يزال العمل جار في تأسيس أربعة عشر معسكرا اضافي.

خاتمة:
إنّه وبسبب الممارسات التعسفية القاسية والخارجة عن سياق حقوق الإنسان تجاه الشعب الأويغوري في إقليم شينغيانغ شرع الاتحاد الأوروبي في تنفيذ عقوبات صارمة ضد الصين وما كان من هذه الأخيرة إلا أن بادرت بالتصريح بالمعاملة بالمثل. الجدير بالذكر أنه للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاثين عاماً، يفرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على هذه الدولة العملاقة والتي تجمعه بها علاقات تجارية واقتصادية هامة للغاية، ورغم ذلك لم تبد أي خوف تجاه ما سيحدث من نتائج، وأقدمت على الخطوة الجريئة للتصريح بالعقوبات بسبب الانتهاكات ضد شعب الأويغور ومن قبل وقفت الحكومة الأمريكية تندد بما يحدث في هذه المنطقة من انتهاكات فظيعة لحقوق الإنسان وفرضت هي الأخرى عقوبات اقتصادية على الصين. وفوراً ردت الصين بعقوبات على برلمانيين أوروبيين ومؤسسات من الاتحاد الأوروبي وأيضاً ضد الولايات المتحدة الأمريكيّة. وفي خضم هذه المجابهات السياسية القوية تضامنًا مع الأقلية الأويغويّة المسلمة بإقليم شينغيانغ، أين الأمّة العربية والإسلاميّة وأين صوتها من كل هذه السياسات؟ هل صارت الصين إحدى الدول التي يخافها الآخرون ويعملون لها ألف حساب؟

Mohamed@Badawi.de


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!