الفصل الخامس عشر من كتاب: “ما وراء السودان” في الآونة الأخيرة .. بقلم: هنري سيسيل جاكسون .. ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي  

عاد السلام مرة أخرى للسودان بعد إجلاء القوات المصرية عنه. ولا يرغب السودانيون في شيء أكثر من الحصول على فرصة العمل بهدوء وسكينة في أعمالهم الزراعية. واُفْتُتِحَ في عام 1925م سد عظيم في مكوار، دخل به السودان فترة ازدهار غير مسبوق استمر حتى اليوم، خلا القليل



 

 

الفصل الخامس عشر من كتاب: “ما وراء السودان”
In Recent Times في الآونة الأخيرة
Henry Cecil Jackson هنري سيسيل جاكسون
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
مقدمة: هذه ترجمة للفصل الخامس عشر لكتاب “ما وراء السودان Beyond the Sudan”، للإداري البريطاني هنري سيسيل جاكسون. نشرت دار نشر ماكميلان الكتاب في لندن عام 1955م.
عمل جاكسون في مجال الإدارة بالسودان لأربعة وعشرين عاما متصلة، وحكم مديريتي بربر وحلفا، ولخص تجربته في الحكم والإدارة في عدد من المقالات والكتب التي وصف في بعضها عادات السودانيين وأمثالهم في مختلف المديريات التي عمل فيها، وأرخ في بعضها الآخر لبعض الشخصيات السودانية مثل عثمان دقنة والزبير باشا رحمة. وقد ترجمنا من قبل بعض فصول هذا الكتاب، ومقتطفات من بعض كتب ومقالات مختلفة لهذا الإداري الكاتب.
المترجم
********** *********
عاد السلام مرة أخرى للسودان بعد إجلاء القوات المصرية عنه. ولا يرغب السودانيون في شيء أكثر من الحصول على فرصة العمل بهدوء وسكينة في أعمالهم الزراعية. واُفْتُتِحَ في عام 1925م سد عظيم في مكوار، دخل به السودان فترة ازدهار غير مسبوق استمر حتى اليوم، خلا القليل من السنوات التي تأثرت فيها البلاد بالركود الاقتصادي العالمي الذي اكتسح العالم بأسره في الثلاثينات. وتقدم السودانيون بسرعة، تحت إشراف البريطانيين والهامهم، لنيل الحكم الذاتي. ثم عقدت في 26 أغسطس من عام 1936م معاهدة صداقة بين مصر وبريطانيا العظمى سمحت للقوات البريطانية بالبقاء في منطقة قناة السويس. وكبادرة لحسن النوايا سُمح لكتيبة قوات مصرية بالعودة للسودان (1). وعاوَدَ المصريون على الفور ذات المؤامرات التي أفضت للاضطرابات في عام 1924م.
وفي غضون السنوات القليلة التالية أنفقت مصر مالا جَمّا في السودان لبناء المساجد، وشيدت في عام 1943م مدرسةً بالخرطوم أسمتها “مدرسة الملك فاروق” وأنفقت بسخاء على منشئاتها. ودأبت مصر على منح الطلاب السودانيين تصاريح سفر مجانية لمصر، حيث كانت تقدم لهم تعليما مجانيا ومَصْرُوف جَيْبِ قدره خمسة جنيهات شهريا. وظل الطلاب السودانيون في السودان وخارجه يتعرضون لسيل متواصل من الدعاية السياسية. ولم يجد بعض السودانيين أي غضاضة في ذلك الاهتمام المصري المتأخر ببلادهم، وأبدوا بعض الترحيب به. وكان ذلك الترحيب سيكون أشد حرارة عند أعداد أكبر من السودانيين لو كانت تلك الهدايا المصاحبة لذلك الاهتمام قد قُدمت بروح متجرّدة خاليةً من الغرض. غير أن الكثير من السودانيين أدركوا أن رغبة المصريين كانت هي تَقَلّد مسؤولية حكم السودان، وإخراج البريطانيين من البلاد – وكان قصد المصريين معلنا وصريحا بشكل سافر، كما ذُكِرَ ذلك ذات مرة في نادي الضباط بأم درمان.
وكان هنالك في ذلك الوقت العديد من السودانيين، خاصة في شمال السودان ووسطه، الذين صاهروا المصريين. وكان هؤلاء يأملون في حدوث ارتباط أقوى مع المصريين. وكان هنالك أيضا من السودانيين من يرون أن التحالف مع جيرانهم في الشمال سيسهل عليهم إخراج البريطانيين من بلادهم، والظفر (لاحقا) بثمرات المناصب. وكان هناك أيضا من تأثر بمد الوطنية الصاعد في أرجاء العالم، ويؤمن حقّا بأن الوقت قد حان كي يحكم أبناء السودان بلادهم. وفي ذات الوقت كان هناك الكثير من السودانيين – خاصة في الجنوب – الذين لا يرغبون في تغيير حكامهم الحاليين. وحكى فرانك. آشتون – قواتكن Frank Ashton-Gwatkin (2) في مقابلة له مع هيئة الإذاعة البريطانية في نوفمبر 1952م، قصة أرملة أحد قادة المهدية، وكانت متقدمة جدا في العمر، عندما جادلها ولدها (الذي كان شديد الحماس لاستقلال السودان ) حول ضرورة التخلص من البريطانيين، فردت عليه وقالت له: “ولكن لماذا؟ لم يسبق أن حُكِمَتْ بلادنا بصورة أفضل”. وهنالك الكثيرون ممن يشاركون تلك المرأة رأيها، ولا يريدون أن تشيع الرشوة ويعم الفساد في السودان كما هو الحال في مصر.
ولم تتوقف حملات المؤامرات والدعايات المصرية تلك إلا لفترة قصيرة كان السودانيون في غضونها يحاربون بشجاعة منقطعة النظير عددا كبيرا من القوات الإيطالية على حدودهم. وغطى صخب تلك المعارك على أصوات الساسة. وجلبت حرب الحدود تلك السلام للسكان في مناطق الحدود. غير أن توقف حملات المؤامرات والدعايات المصرية لم يستمر طويلا، إذ أن “مؤتمر الخريجين”، الذي كان قد كُوِّنَ ظاهريا كمنظمة اجتماعية وثقافية في عام 1937م، تقدم في عام 1942م بمذكرة للحكومة يطالب فيها بتنفيذ مطالب من أهمها “نيل حق تقرير المصير بعد انتهاء الحرب مباشرة”. ولم يقع ذلك المطلب وقعا حسنا (عند الحكومة) إذ أنه قد أتى من مجموعة صغيرة من الأفراد، ليس بمقدورهم التحدث باسم كل (شعب) السودان.
وشجعت الزيارة التي قام بها علي ماهر باشا رئيس الوزارة المصرية للسودان قبل بدء العدائيات (على الحدود السودانية – الاثيوبية) بعض السودانيين لتكوين حزب أسموه “الأشقاء”، كان شعاره هو “وحدة وادي النيل”، وهدفه هو توثيق العلاقة مع مصر.
إن العقيدة الإسلامية تَحَكم بصورة كاملة حَيَوات الناس في البلدان المحمدية المتخلفة، وليس عند المزارعين في الأرياف والعرب الرُحل أدنى اهتمام بالسياسة. لذا لجأ حزب الأشقاء المتكون حديثا منذ البداية للارتباط بجماعة دينية مُعتَمَدة للحصول على تأييد عدد كبير من السودانيين. ورغم أن بالسودان العديد من الطرق (الدينية)، إلا أن طائفتي “الختمية”، بقيادة السيد سير على الميرغني، و”الأنصار” بقيادة السيد سير عبد الرحمن المهدي كان لهما أكبر عدد من الأتباع، مقارنة بالطرق الأخرى. ولذا اتخذ حزب الأشقاء من السيد سير على الميرغني (الذي كان يُعَدُّ “وليا صالحا holy man” ليس له الكثير من الاهتمامات السياسية) قائدا اسميا وراعيا له. وبذا كسب حزب الأشقاء تأييد أفراد طائفة الختمية.
كان السيد سير على الميرغني قد نشأ وترعرع في مصر. وعندما قامت قوات المهدي بتهديد مدينة كسلا هرب به من كان يقوم برعايته إلى مصر، حيث تولى البريطانيون أمره، وأسندوا رعايته للرائد (اللواء لاحقا) سير ريجيلاند وينجت. وكانت عائلة الميرغني وأتباعها من أشد معارضي المهدي، وغدوا أصدقاءً أوفياء للبريطانيين. وكان لمساعدتهم، هم ووكلائهم، بالغ الأثر في جعل استعادة (إعادة احتلال) السودان أمرا ممكنا (3).
وساور الشك الكثير من السودانيين في المرامي السياسية لحزب الأشقاء. وكان القبول بعون مصر لإخراج البريطانيين من السودان عند هؤلاء المتشككين يعني القبول بوضع السودان مرة أخرى تحت الحكم المصري. ودفعت تلك المخاوف بعض السودانيين لتكوين الحزب الاستقلالي المعروف بـ “حزب الأمة”، وهو حزب يطالب بقيام حكومة ذاتية ونيل السودان لاستقلاله التام من أي قوة أجنبية.
وكان من الطبيعي أن يختار “حزب الأمة” السيد سير عبد الرحمن المهدي كقائد له، إذ أنه يقود طائفة الأنصار التي تعارض بشدة وعنف عودة الهيمنة المصرية على السودان، تلك التي أفلح والده قبل ستين عاما في تحرير السودان منها.
وغدت في الآونة الأخيرة التنافسات الدينية (الطائفية) والاختلافات السياسة متشابكة بشكل بالغ التعقيد.
ونحن نستعرض سياق قيام تلك الحركات المعقدة في شمال السودان، ينبغي علينا ألا ننسى مصالح ورفاه القبائل الجنوبية غير المسلمة المنتشرة في أرجاء واسعة من البلاد (وهم يمثلون تقريبا ثلث سكان البلاد). فالمسيحيين والوثنين من أولئك السكان هم رجال قبائل بدائيين، وهم في مرحلة تطور سياسي مختلف كليا عن جيرانهم في شمال البلاد، ولا يتعدى أفقهم حدود شؤون قبيلتهم أو عَشِيرَتهم. ولا تهتم جديا بالسياسة الوطنية إلا قلة قليلة من جيلهم الصاعد المتعلم. وكثير من سكان الجنوب يجهلون تماما حتى وجودهم. وكان كل ما يرجونه من حكامهم هو السلام والأمان لممارسة ما ألفوه من طريقة عيش تليدة لا يقيدها خوف.
ومع نهاية الحرب العالمية (الثانية) كان في السودان حزبان رئيسان هما “الأشقاء” و”الأمة”، وبعض مجموعات منشقة مختلقة. وكان للحزبين الكبيرين أهدافا مختلفة كلية عن بعضهما فيما يتعلق بمستقبل السودان. وكانت العلاقة بين الحزبين سيئة جدا، وزادها سوءًا الخلافات الدينية العميقة بينهما. غير أن الحزبين المتصارعين قاما بعمل ما يجب عليهما عمله لمصلحة شعب السودان – كل بحسب رؤيته من زاوية مختلفة – حين عقدا مُساومة حصيفة بينهما، خشية من أن يقوم المصريون بخداع البريطانيين (وقد فعلوا ذلك بالفعل لاحقا)، فلاعب البوكر الأمين دائما ما يكون في موقف أضعف عندما يواجه لاعبا غشاشا. وتوجه وفد إلى القاهرة في مارس عام 1946م ليقترح صيغة وافق عليها الحزبان بعد مناقشات مطولة (4). وجاء في وثيقة الاتفاق، ضمن أمور أخرى، أن تقام حكومة ديمقراطية، تتحد مع مصر، وتتحالف مع بريطانيا العظمى، وأن تختار حكومة السودان لاحقا شكل الاتحاد المقترح مع مصر، ونوع التحالف مع بريطانيا العظمى. غير أن مصر رفضت – للأسف – ذلك النهج الحصيف في حل المسألة السودانية، وأصرت على أن يقبل السودانيون بوحدة دائمة (غير محددة ولا معرّفة) تحت التاج المصري (5). وكان ذلك الموقف المتعنت الأناني الذي اتخذته الحكومة المصرية هو وحده الذي كان سببا لكثير من الأحداث التي وقعت بعد ذلك بالخرطوم، وبلغت ذروتها في أحداث دموية في الأول من مارس 1954م (6)، ذلك اليوم الذي كان يُفترض أن يفتتح فيه أول برلمان سوداني (يجب تذكر أن الدماء التي سالت في ذلك اليوم كانت دماءً سودانية وبريطانية وليس مصرية، تماما كما حدث في 1924م). وهنا ينبغي إلقاء اللوم على مصر عند سفك أي دماء في المستقبل كنتيجة لطموحاتها الامبريالية التي وضحت بجلاء في ربيع عام 1946م. وصدق سير هارولد ماكمايكل فيما ذكره في كتابه المعنون “السودان”: “لقد ظلت مصر مصدر أَذَى (bane) للسودان لأكثر من قرن”.
***** *****
بعد نحو ثمانية أشهر من ذهاب ذلك الوفد لمصر، كنت أقيم ذات يوم أحد من شهر نوفمبر 1946م مع اللواء سير ريجيلاند وينجت في إيلينغ Ealing حيث كان يقضي فصل الشتاء. أتته يومها رسالة هاتفية عاجلة من وزارة الخارجية تطلب منه مقابلة لورد استانسقيت Stansgateعلى الفور. ودعاني وينجت لأكون بجانبه في تلك المقابلة. اقترحت عليه أن يدعوا أيضا السيد ان. آر. اودال Udal لحضور تلك المناقشات. كان وينجت مُلِمّا بغالب الشخصيات المصرية المهمة منذ أن التحق بالجيش المصري في عام 1883م. وفي غضون سنوات عمله في مصر والسودان، التي امتدت لستة وثلاثين عاما، فهم عقلياتهم، ربما بأفضل مما فعل أي بريطاني آخر. وكنت قد عملت في السودان بين عامي 1907 و1931م وسافرت في غالب أرجائه، بينما كان اودال قد عمل عميدا لكلية غردون لسنوات عديدة، وله معرفة لصيقة بالجيل الجديد من السودانيين، وكان في ذات الوقت صديقا لعدد من الزعماء الدينين وشيوخ القبائل.
وفي أكتوبر من عام 1946م بادر ارينست بيفن Bevin، وزير الخارجية البريطاني في حكومة حزب العمال، وصدقي باشا، رئيس الوزراء المصري بعقد اتفاق عرف فيما بعد بـ “بروتكول صدقي – بيفن”. ووردت في مشروع تلك المعاهدة بين مصر وبريطانيا هذه الفقرة: “ستكون الأهداف السياسية الأساسية التي يتعهد الطرفان الساميان المتعاقدان باتباعها في السودان في نطاق وحدة مصر والسودان تحت تاج مصر المشترك هي تحقيق رفاهية السودانيين وتنمية مصالحهم وإعدادهم إعدادا فعليا للحكم الذاتي، وتبعا لذلك ممارسة حق اختيار النظام المستقبل للسودان” (7).
وكان التوقيع بالأحرف الأولى على ذلك البروتكول الذي يقر بـ “وحدة مصر والسودان تحت تاج مصر المشترك” قد أثار موجة من الغضب العميق في السودان، إذ عد كثير من الناس أن بيفن قد تراجع عن تعهداته التي أعلن عنها في مارس من ذات العام، التي ذكر فيها أنه لن يتغير وضع السودان قبل أن تتم مشاورة السودانيين في أمرهم “عبر القنوات الدستورية”. ونتيجة لذلك تدفق آلاف من أنصار السيد سير عبد الرحمن الى أم درمان رِجَالًا، أو بالقطار أو الباخرة، أو على ظهور الجمال والخيول. وفي وقت من الأوقات جاب شوارع المدينة نحو 35,000 مقاتلا من غرب السودان وغيره من المناطق وهم يحملون الرماح ذات النصال العريضة والفؤوس. وكان ذلك وضعا ينذر بتهديدات خطيرة ذكَّرَت بعض شباب الجيل الجديد الذين يتوددون لمصر بالأخطار التي أنقذتهم منها القوات البريطانية والسودانية قبل خمسين عاما.
وعندما التقى وينجت واودال وشخصي باللورد استانسقيت، أصررنا على أن مثل تلك المعاهدة لا ينبغي أن تُوقع إلا إذا تمت مشاورة السودانيين أنفسهم فيها، وقبلوا بها. ومهما كانت مصالح مصر الاقتصادية في السودان، فلا يحق لمصر، في مثل هذا الأيام الأكثر استنارة، أن تدعي السيادة عليه نتيجة لقيامها باحتلاله – حتى إذا قُبل مثل ذلك الادعاء بناءً على أسباب إمبريالية. لقد أخرج السودانيون بأنفسهم مصر من السودان، ولم تعد مصر للسودان إلا بعون من البريطانيين والجنود السودانيين، وليس لها أي مسوغ قانوني لما تدعيه (من سيادة على السودان)، إذ أن السلطات المصرية نفسها قد أقرت في “المحاكم المختلطة Mixed Courts” بالإسكندرية بأن السودان، قانونا، ليس جزءًا من مصر، بل بلد مستقل عنها (كان هذا قد حدث قبل سنوات قليلة في الدعوى التي رُفعت ضد شركة مصرية في بورتسودان، وتم تأييد ذلك في المحاكم) (7).
وسافر السيد سير عبد الرحمن المهدي في ديسمبر من عام 1946م في رفقة بعض معاونيه ومستشاريه إلى لندن، وأتيحت له فرص للقاء رئيس الوزراء وونستون شيرشل وأخرين. وعبر في تلك اللقاءات عن احتجاجه على ذلك البروتكول وتم قبول احتجاجاته. وبُذلت مزيد من الجهود للوصول لصيغة ترضي تطلعات السودانيين من دون أن تتعارض مع تطلعات مصر. غير أن تلك الجهود لم تكلل بالنجاح، وقامت مصر بعرض المسألة على مجلس الأمن بالأمم المتحدة. واستغرقت مناقشات المجلس لتلك المسألة نحو شهرين كاملين، وشهدها ممثلو حزبي “الأشقاء” و”الأمة”، ولم يقم المجلس باتخاذ أي قرار (عملي) في المسألة أبعد من مجرد الموافقة على توصية (حكيمة) لأطراف النزاع الثلاثة ليحاولوا الوصول إلى “تسويات ودية”. ولكن على الرغم من ذلك كان هنالك تأييد عام لوجهة النظر البريطانية التي تذهب إلى أن السودانيين أنفسهم هم من يجب أن يكون لهم الحق في تقرير مستقبلهم.
وجاء في عرض الوفد المصري لدعواه أمام الأمم المتحدة أنه يتهم بريطانيا العظمى بمحاولة إبقاء السودانيين خارج دائرة النقاش حول مستقبلهم، وبتأجيل منحهم حق تقرير المصير إلى أجل غير مسمى. وأكد الوفد بأن مصر، على عكس ما قيل، ترغب في مشاورة السودانيين في كل مستويات التفاوض، ولا تتدخل بأي حال في شأن حقوقهم الوطنية.
ولم يجد سير الكساندر كادوقان (ممثل المملكة المتحدة في ليك سكسيس Lake Success (8)) عسرا في الرد على اتهامات مصر لبريطانيا العظمى، فذكر أن الحكومة البريطانية التزمت بما جاء في البرتوكول من ضمان حق السودانيين في اختيار وضعهم في الوقت المناسب. وأضاف بأن ممثلي مصر هم من رفضوا ذلك. ولتوضيح البون الشاسع بين الموقفين البريطاني والمصري استشهد سير الكساندر بما قاله رئيس الوزراء المصري أمام البرلمان المصري: “يجب أن يعلم كل واحد بأني عندما أقول بوحدة مصر والسودان تحت التاج المصري، فإني أعني وحدةً دائمة”، وبما قاله في مناسبة أخرى: “يجب أن يرتبط السودانيون بمصر، وإلى الأبد، سواء أرغبوا في ذلك أم لم يرغبوا”. وهو في ذلك يكرر ادعاءات رئيس الوزراء السابق سعد باشا زغلول الذي قال إن “السودان ينتمي لمصر، ويجب علينا أن نحتفظ به. وسنستغني عنه مثلما كما يستغني أي مالك عن (واحدة من) ممتلكاته” (9).
وللأسف لم يحدث الآن أي تغيير حقيقي في موقف المصريين (أي في بدايات الخمسينيات. المترجم) حيال السودانيين فقد أشار محمد نجيب في كتابه الذي صدر حديثا (1955) بعنوان (Egypt’s Destiny) إلى “حقوق مصر في السودان”.
وكانت السياسة التي ذُكرت ضمنا قي مقولات ممثل مصر في ليك سكسيس (بالأمم المتحدة) قد ذُكرت من قبل بوضوح في البرلمان المصري عندما نُصِبَ ملك مصر ملكاً على مصر والسودان. وهذا يعني أن الجيش السوداني سيكون تحت قيادة الجيش المصري، واقتصاده تحت سيطرة وزير المالية المصري، وسيكون من حق الملك أن يعين ويفصل الوزراء السودانيين، وأن يحل البرلمان السوداني.
أي نوع من الحرية هذه؟ وكيف لقوة دفاع السودان، التي دافعت بشجاعة في الحرب العالمية الثانية، بينما لم يحرك المصريون أصبعا واحدا دفاعا عن البلاد التي يتوقون لحكمها، أن يُتَوَقَّع منها أن تعمل تحت قيادة قائد عام مصري؟ وإذا قُدر لانتخابات عامة أن تقام في ذلك الوقت، فسوف تصوَّت الأغلبية الساحقة ضد الاتحاد مع مصر.
****** ***** ** *******
ستبدأ المرحلة الثانية في الصراع في ليلة الثانية والعشرين من يوليو عام 1952م، عندما قام اللواء محمد نجيب، بتأييد من الجيش، بالاستيلاء على السلطة، وبإجبار الملك فاروق بعد أربعة أيام على التنحي عن العرش ومغادرة البلاد. كان نجيب قد ولد لأب مصري وأم سودانية (10)، ودرس لعامين في كلية غردون التذكارية. وأدرك نجيب أنه ما من أمل في أن يرضى السودانيون بالتبعية لمصر تحت تاج ملك مصري. وعندما أعنت عن قيام جمهورية مصر في 18 يونيو 1953م تم الغاء لقب “ملك مصر والسودان”.
وفي غضون ذلك، ولرغبتها الحميمة في اقناع مصر بالاعتراف بحق السودانيين في تقرير مستقبلهم، وقع زعماء أربعة أحزاب سودانية رئيسة يوم 10 يناير، وفي حضور الرائد المصري صلاح سالم، على ما سماه ماكمايكل “حِلْفا غير مقدس”. وتجسدت تلك الوثيقة لاحقا في اتفاقية بين بريطانيا العظمى ومصر في 12 فبراير 1953م تضمنت بنودها معظم ما طالب به المصريون، ولكنها أقرت مبدأ منح السودانيين الحق في تقرير مستقبلهم – وهو حق ظل المصريون ينكرونه عليهم لنحو ثلاثين عاما.
وكان إنهاء السلطات الخاصة التي كان يتمتع بها الحاكم العام لحماية شعب جنوب السودان من المعايب الجسيمة لتلك الاتفاقية. وتمت الاستعاضة عن تلك السلطات الخاصة بصيغة غامضة تسمح له بإحالة التشريعات التي قد تُعد ظالمة لبعض قطاعات المجتمع إلى بريطانيا العظمى ومصر. ولم يكن لرجال القبائل الجنوبية أدنى تعاطف مع المصريين، وكانوا يخشون من موقف الشماليين تجاههم بعد انتهاء الحكم البريطاني. ولم ينسوا قط أن كثيرا من أسلافهم كانوا قد قتلوا أو استعبدوا بالتجار المحمديين (أي المسلمين. المترجم)، وأحسوا بأنهم قد خدعوا وتعرضوا للخيانة.
وعقب توقيع ذلك الاتفاق كتب إلى صديق من شباب السودان، وقال لي أنه جد حزين لأن المصريين تمكنوا من خداع البريطانيين. وهو محق فيما ذهب إليه. لقد بعنا الحقوق المكتسبة لكثير من السودانيين بثمن بخس.
وتضمنت تلك الاتفاقية بندا ينص على إقامة انتخابات للسودانيين بالسودان في خلال فترة لا تتجاوز ثلاثة أعوام، ومن ثم يختارون بحرية الحكومة التي يرغبون فيها، ويقررون في شأن العلاقات مع القوى الخارجية. ولضمان أن يقوم السودانيون بإجراء انتخاباتهم دون أي تدخلات خارجية تعوقها، اتفق البريطانيون والمصريون على ألا يؤثر عليهم أحد من الأطراف السامية المتعاقدة (أي مصر وبريطانيا. المترجم) بأي وسيلة من الوسائل.
وأقدم المصريون على خرق تلك الاتفاقية ولما يجف حبرها. ففي ذات اليوم الذي تم فيه التوقيع على تلك الاتفاقية أذاع محمد نجيب للسودانيين أنه هدفه الأسمى هو “نيل الحرية وتخليص أنفسنا من نير الاستعمار والعبودية”. وأغدق المصريون الكثير من الرَشَاوَى المالية على (بعض) سكان الشمال، وابتاعوا كميات كبيرة من البيرة في الجنوب، وبعثوا برسل من مصر للقيام بالتأثير على السودانيين، ولإذاعة فيض متواصل من الدعايات من أم درمان. وقبل بدء تلك الحملة قام الرائد صلاح سالم (وزير الارشاد القومي الحالي) بزيارة جنوب السودان، وحاول (ضمن مواقف طريفة أخرى) كسب ود الدينكا العراة بالمشاركة في رقصهم وهو متجرد من الملابس سوى سروال داخلي قصير. واكتسب ذلك الرائد (الراقص المتعري) شهرة غير حميدة سيتطلب مسحها من ذاكرة الناس وقتا طويلا جدا (11).
****** ********* *********
لا تتمنى مصر بالطبع أن يكون لها أعداء على حدودها الجنوبية. ولكنها ستخلق لها أعداءً لا محالة إن حاولت إخضاع شعب شجاع يعارض الكثيرون من أفراده بشدة أن يحكموا مرة أخرى بإدارة فاسدة قاسية مثل تلك مثلت الحكم المصري في القرن الماضي. وتم تحذيرها مرتين في غضون الأعوام الثمانية الماضية عما يمكن أن يحدث لو واصلت في سعيها لتحقيق طموحاتها الامبريالية. كانت المرة الأولى في ديسمبر 1946م، وكانت الثانية في الأول من مارس 1954م، حين قامت مظاهرات معادية ضد محمد نجيب عندما قدم للخرطوم ليشهد افتتاح أول برلمان سوداني.
لا شك أن قيام علاقات ودية بين مصر والسودان أمر مفيد لكليهما. فللقطرين مصلحة حيوية في توزيع عادل لمياه النيل، وسيستفيدان معا من تدفق حر للتجارة بينهما.
وإن بَدَوْتُ هنا مفرط الانتقاد للمصريين بلا داع، فلا ينبغي أن أنسى أن كثيرا منهم كانوا يدينون بالولاء والتأييد للبريطانيين في أيام الإدارة (البريطانية) الباكرة. ولا بد أن أخذ الضباط المصريين الكبار للأوامر من ناشئة الإداريين البريطانيين حديثي التخرج في كمبردج أو أكسفورد كان أمرا يصعب تقبله. ولكن على الرغم من ذلك وضع المصريون بكل أريحية معرفتهم وخبرتهم تحت تصرفنا، وجنبنا ذلك الوقوع في أخطاء (عديدة). ولا غرو، فقد كانت معرفتهم باللغة العربية والعادات المحمدية وأنماط التفكير مهمة جدا لمن عمل مثلنا معهم. ولا بد أن الذين عملوا في الإدارة بالسودان لسنوات طويلة من أمثالنا يدينون لهم بالامتنان لتعاونهم ونصائحهم. وإلى حين تعلم وتدريب (عدد كافٍ) من السودانيين للقيام بإدارة بلادهم، فإن إدارة السودان بدون مساعدتهم كانت ستكون جد عسيرة. وأتمنى أن تساعد ذكرى تلك العلاقات الأكثر ودية في الماضي على إزالة بعض الاختلافات والخصومات التي تزايدت مؤخرا بين البريطانيين والمصريين!
إن علاقات الصداقة بين بريطانيا العظمى ومصر من الأمور المهمة للسلم في العالم بالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية لوادي النيل وقناة السويس. فمصر هي بوابة يلتقي بها الشرق مع الغرب في علاقات صداقة ورِفَاء، وبإمكانها أيضا – عندما تدعو الحاجة – قفل تلك البوابة أمام تسرب الشيوعية إلى مصر والسودان وأفريقيا. وهل لها أن تتحكم في تلك البوابة من دون عوننا؟ (12).
وبالإضافة إلى ذلك، شرعت مصر في الآونة الأخيرة في مشروعات إصلاحات اجتماعية جديرة بالثناء. وستحتاج مصر للوقت وللسلم والمال لتنفيذ تلك المشروعات. وسيكون من الصعب، إن لم نقل المستحيل، عليها أن تقوم بتنفيذ تلك المشروعات الاصلاحية الداخلية إن كانت تواجه في ذات الوقت مشاكل خارجية. ولا بد أنها ستواجه مشاكل خارجية إن واصل ذلك الرائد الراقص (المقصود هو صلاح سالم كما تقدم. المترجم) في إثارة الفتن والخلافات. وليس لمصر من صديق حقيقي مثل البريطانيين، فقد أنقذها كرومر من الإفلاس الذي سببه لها الخديوي إسماعيل باشا بصرفه البذخي المزمن، وحمتها قواتنا – بمساعدة القوات السودانية – من الغزو في معركة توشكي عام 1889م. وأنقذناها من الهزيمة في حربين عالميتين، الأولى من ألمانيا وتركيا، والثانية بالألمان والإيطاليين. وظلت مياه النيل، وهي تحت السيطرة البريطانية، تتدفق دون عوائق نحوها لتروي أراضيها المكتظة بالسكان. وما الذي كان سيحدث في 1898م لو سيطر الفرنسيون على أعالي النيل لولا الوقفة الصلدة التي وقفها كتشنر في فشودة، وكادت أن تضع بريطانيا وفرنسا على شفا الحرب؟ وإن كان عون وتعاون البريطانيين قد عنى شيئا كبيرا لمصر، فانهما سيكونان أمرا حيويا لها في المستقبل، خاصة بعد اكمال إنشاء أوغندا (المحمية البريطانية) سدا ضخما. وعندما اشْتَجَرَت الحبشة وإيطاليا في عام 1936م، كان المصريون سعداء بعقد تحالف معنا مدته عشرين عاما – وهو تحالف لقي حينها ترحيبا حماسيا من جميع الأحزاب المصرية. ولكن ما أن زال الخطر حتى آثر الكثير من تلك الأحزاب التنصل من ذلك التحالف. يا للسرعة التي تُنْسَى بها ما أسديناه لمصر من منافع. ولخص سير الان هيربرت Alan Herbert (الشاعر والكاتب والنائب بالبرلمان البريطاني) ذلك الموقف المصري في أبيات نشرها في صحيفة Sunday Graphic عام 1951م (أورد الكاتب نص تلك الأبيات التي ذَمَّ الشاعر في بعض أبياتها مصر لنكرانها لتصدي بريطانيا لهجوم نابليون والدراويش والأتراك والألمان على مصر، واِمْتَدَحَ السودانيين وأكد على استحقاقهم لحق تقرير المصير).
وأَهالَ المصريون علينا – لدوافع سياسية في الغالب – اساءات لا حصر لها. وتهجم بعضهم على العديد من المدنيين البريطانيين المسالمين وقتلوهم، خاصة في يوم 26 يناير 1952م، ويوم الذكرى السنوية لمقتل غردون في الخرطوم. وقُتِلَ عشرة بريطانيون، وأحدثت خسائر مادية قدرها 40 مليونا من الجنيهات الإسترلينية على يد الذين أحرقوا المباني عمدا وغيرهم من مثيري الشغب. ولكن على الرغم من كل ذلك فينبغي ألا ننسى أن كثيرا من المصريين كانوا يحسنون التصرف معنا. لقد كان السلطان حسين كامل (سلطان مصر بين 19 ديسمبر 1914 وحتى 9 أكتوبر 1917م. المترجم) صديقا مخلصا لبريطانيا، غير أن وفاته الباكرة مثلت ضربة موجعة للبلدين. وكتب منصور باشا إسماعيل (نائب سابق للمحكمة المصرية العليا) مقالا قال فيه: “لا يمكننا تحمل المزيد من الصراعات مع البريطانيين، وتقتضي مصالحنا الحالية والمستقبلية أن نتوصل إلى تفاهمات معهم”.
لقد فتحت الاتفاقية الأخيرة المتعلقة بإجلاء القوات البريطانية عهدا جديدا من العلاقات البريطانية المصرية. فلنأمل ألا يُعد استعداد بريطانيا للاعتراف بالتطلعات الوطنية (والطبيعية) للمصريين ضعفا يقودهم لتصديق أنه لم يعد لبريطانيا أي دور لتؤديه مع باقي الدول القائدة التي تدافع عن الحرية. وليس بوسع مصر أن تقف في موقف الحياد إن قامت حرب عالمية، حتى وإن رغبت في ذلك. ولم يعد من المحتمل أن تُحْتَرَمَ مصر في المستقبل إن بقيت على الحياد، كما كانت عليه في الماضي. وبما أن كل البشرية الآن تتعرض لتهديدات وتحديات الشيوعية، فيمكن لعلاقات الصداقة بين مصر وبريطانيا العظمى فعل الكثير لتحاشي مأساة قيام حرب عالمية ثالثة. دعونا نتذكر كلمات ونستن شيرشل المؤثرة: “لقد اختلفنا وتعاركنا في الماضي، غير أن رابطا واحدا يوحدنا معا”.

************ *************
إحالات مرجعية
1. معاهدة سنة 1936م تعرف رسميا باسم “معاهدة التحالف بين صاحب الجلالة، ملك المملكة المتحدة، وصاحب الجلالة، ملك مصر”). انظر الرابط لمزيد من المعلومات عنها: https://bit.ly/3nZA6Np
2. آشتون – قواتكن (1889- 1976م) هو دبلوماسي بريطاني ومسؤول في وزارة الخارجية البريطانية. له العديد من الكتب الأدبية التي نشرها باسم مستعار هو John Paris جون باريس.
3. للمزيد عن حياة السيد علي الميرغني الباكرة يمكن النظر في الفصل الأول من رسالة دكتوراه لظاهر جاسم محمد قدمت عام 1988م لجامعة اكستر البريطانية بعنوان:
The contribution of Sayed Ali Al- Mirghani, leader of the Khatmiyaa, to the political evolution of the Sudan
وتجد هنا مقتطفات من ذلك الفصل https://www.sudaress.com/sudanile/78592
4. جرت بالقاهرة في مارس من عام 1946م المفاوضات بين البريطانيين والمصريين حول السودان.. وكان مؤتمر الخريجين والأحزاب قد أرسلوا وفدا مشتركا لمراقبة تلك المفاوضات.
5. هنا أستشهد الكاتب في الهامش بكتاب مكي عباس المعنون “The Sudanese Question” (المسألة السودانية) – الصفحة رقم 11. وقد صدر عام 1952م.
6. يمكن الاطلاع هنا على مقال من جزيين لفيصل عبد الرحمن علي طه عن أحداث الأول من مارس 1954م https://www.sudaress.com/sudanile/65056 و https://www.sudaress.com/sudanile/65373
وتجد في هذا الرابط صورا لبعض مشاهد ذلك اليوم من مارس 1954م https://rattibha.com/thread/988802308011184128?lang=ar
7. المحاكم المختلطة في مصرMixed Courts of Egypt)) هي محاكم أنشئت في مصر في 28 يونيو 1875م ليتقاضى إليها رعايا الدول الأوروبية، الذين كانت المعاهدات تمنع تعاملهم مع القضاء المصري المحلي. https://bit.ly/3uBfmye
8. ليك سكسيس Lake Success هي بلدة بنيويورك كانت هي المقر المؤقت للأمم المتحدة بين عامي 1946 و1951م. في هذا الرابط صورة لمبنى الأمم المتحدة https://bit.ly/3tx9DIb
9. الترجمة العربية المذكورة هنا لمقولات الزعماء المصريين هي ترجمة لما أتي به الكاتب بالإنجليزية في مؤلفه، وقد لا تطابق حرفيا المقولات الأصلية.
10. كان محمد نجيب قد ولد في الخرطوم لأم وأب مصريان. وقد ذكر في مذكراته أنه “بعد تخرج والده من المدرسة الحربية، التحق بالكتيبة 17 مشاه في السودان، وتزوج أكثر من امرأة، فتزوج بسيدة سودانية “سيدة محمد حمزة”، وأنجب منها عباس، ثم تزوج بوالدة محمد نجيب التي كانت من عائلة مصرية تقطن في أم درمان”. https://bit.ly/3uxhg2R وجاء في موسوعة الويكيبديا أن والدته مصرية من أصل سوداني واسمها زهرة محمد عثمان https://bit.ly/3twHm4K
11. يمكن الاطلاع على العدد 2260 من “المصري اليوم” لقراءة قصة صلاح سالم في جنوب السودان من وجهة النظر المصرية https://bit.ly/3uDFtVg
12. أعلن جمال عبد الناصر عن تأميم قناة السويس في يوليو 1956م (أي بعد عام على من نشر الكتاب)

alibadreldin@hotmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!