عثمان أحمد بدر الدين يوسف: إنهم يقتلون الأساسق (الأحفاد) .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم


أقرأ، وقد بلغت الهرم، أسماء أبناء هذا الجيل من آخرها لأنها فرصتي النادرة لأعرف إن كان جده من معارفي. ولما عرض على اسم الشهيد عثمان أحمد بدر الدين يوسف لم يخالطني سوى نذر شك إنهم قتلوا حفيدي. وصحت: إنهم يقتلون الأساسق (الأحفاد) الآن.
فجده بدر الدين صديق عمر منذ بدء دراستنا بجامعة الخرطوم ١٩٦٠. واختار بدر الدين كار أهله سنييّ مدني السني فشارك في تجارة خاله محمد أحمد عباس، تاجر الأقمشة المعروف بأم درمان، وبنى ببنته. وظل على ولائه لأصدقائه من مدرسة مدني الثانوية بالجامعة. وعرفته عن طريق صديقه الشيخ (حسب الرسول) رحمة الله. ومع هجران بدرالدين للجامعة ظل بيننا يدفع ضريبة صداقة طلاب يساريين مفلسين ذوي مطالب كثيرة من ليل الخرطوم الحزين. وأذكر إلى يومنا رحلة بسيارته المرسيدس من الخرطوم إلى سنار التقاطع نزور أهل حسب الرسول. ولا أظنهم اخترعوا الزلط وقتها. فكان سفرنا على حواف ترع الجزيرة. وتوطدت علاقتي معه حين لجأ إلى كندا فكان بيننا، وقد انتاشه المرض حتى غادرنا قبل نحو ثلاث سنوات، أنس أسبوعي وقفت فيه على جلده على التضييق في الرزق، والغربة، والمرض. كان سمح النفس و”ضي وطن”.
لا يمازجني أدنى شك أن عثمان خرج في يوم مصرعه على يد قتلة الأساسق من تاريخ أسري تكسرت فيه نصال الاستبداد فيه على جسدها. ولابد أن افتتانه بالعدالة لم يكن على إطلاقها بل لأن الظلم غشى بيته وبنى وفرخ. ولابد أن والده كلمه ربما بندامة يوم دخل ينزف دماً من رأسه على جده بدر الدين تتبعه أخته الكبرى باكية محتجة في وجهه: “الظاهر إنك حرامي فعلاً. لقد فتشوك وقبضوك وحققوا معك ولم تدافع عن نفسك. وها نحن ندفع الثمن”.
وللعبارة العصيبة قصة. فقد صادر نظام مايو في أوله أعمال محمد أحمد عباس وبدر الدين كعقوبة سياسية لوسوسته إنهما ممولان للحزب الوطني الاتحادي. وشاع في إثر ذلك أن المصادرين كنزوا المال الحرام. وحاصر أطفال الحي أبناءه بالاتهامات. وأصابوا أحدهم في رأسه. فاقتحم الديوان على أبيه الذي كان يزوره محمد عثمان عباس أب راس وإبراهيم عبد الله، المهاجران بالخليج، للمؤاساة في المصادرة. وما سمع بدر الدين عبارة بنته الغليظة حتى التفت إلى إبراهيم واب راس فوجدهما قد أجهشا بالبكاء معاً وفي وقت واحد. وقالا له، بعد تجفيف الدموع، سنأخذك معنا الي الخليج فبقاؤك هنا مستحيل بعد هذا الذي رأيناه. وصدقا وعدهما. وقضي بدرالدين نحو عام وأكثر في أبو ظبي في خدمة الديوان الأميري. وعاد لمزاولة التجارة بعد تعويض نميري المبخوس له.
ولم يسلم بدر الدين الجد من الإنقاذ. فدخلت قططها سوق التأمين الذي استثمر فيه. وكانت شركته، شركة التأمين الأفريقية، طليعة فيه. فقامت شركة شيكان للتأمين بالإنقاذ. واستأثرت بعصب سوق التأمين: السكة حديد، البحرية، مدابغ الجلود وغيرها. وتركت لمثل الأفريقية تأمين السوق العام الذي لا يساوي شيئاً. ورافق ذلك بالنتيجة تحول شركات التأمين الأخرى إلى وكيلة لشيكان والرزق تلاقيط. فأغلقت الأفريقية أبوابها في 1992. كما احتالت قطط الإنقاذ بأسلمة التأمين عرضت لها من قبل أسلمة مكنت لهم دون الآخرين. وغادر بدر الدين إلى كندا.
وربما سمع عثمان كيف درأت أسرته الظلم بالعدل. فحكى لي بدر الدين أنه جاء إلى خاله محمد أحمد عباس يوماً مستبشراً بصفقة ربيحة. فكانت عرضت عليه أسر عطل نظام مايو رزقها وراح يعوضها برخص تجارية تبيعها في السوق شيئاً من تلك الرخص. فاشتراها بثمن زهيد وربح البيع. وتوقع من خاله أن يربت على كتفه لشطارته. غير أنه رأى وجه خاله منقبضاً كأنه يسمع هول الحشر. وقال له: “من دربك دا ترجع الرخص لأسيادها ولا تسترد أي مال سبق لك دفعه فيها. التجارة كسب وخلق”.
اتحد ظلم عهود الديكتاتورية في خاطر عثمان الشهيد في حين تفكك هذا الظلم على أقلام الصفوة. فغلب عليهم العزل بينها مما سميته نهج “الحكمداريات”. فكتشنر حكمدارية، وعبود حكمدارية. ونميري حكمدارية. والبشير حكمدارية. ومتى ابتلت الصفوة بظلم الحكمدارية الحاضرة شقت الجيوب ندما على ما مضى، وغفرت له ما تقدم منه وما تأخر على أنغام: “ضيعناك وضعنا (ضع اسم الحكمدار المناسب)”. فخرج بفضل هذا النهج كتشنر صديقاً مسيحاً. وخرج عبود صديقاً نبيا. وخرج نميري صديقاً نبيا. ومنهم من ينتظر.
قلت لنفسي يوم قيام الإنقاذ، كإنسان يعتني بوخط العمر، ما خطتك لملاقاتها وأنت في بدء شيخوختك. لقد نهضت بوجه عبود الذي جاءك في صورة أب. ونهضت بوجه نميرى الذي جاءك في صورة أخ أكبر. وها جاءك مثل شمس الدين الذي هو بمثابة ابن لك. فدورة احتجاجي قد اكتملت. وجاء من يملك هذا الحق أكثر مني وإن اختلفت معه. وكانت هذه الخاطرة مما اعتبرتُ في علاقتي مع الإنقاذ.
وقتل “الناس القصر” القرشي في ١٩٦٤ وهو بمثابة الأخ. وقتلوا مشاعر محمد عبد الله (عام ونصف) في ١٩٨٥ وهي بمثابة الابنة. وقتلوا عثمان أحمد يوسف عامر وهو إسق. حتاما.
إنهم يقتلون الأحفاد.

IbrahimA@missouri.edu


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!