تقديم لكتاب هنري سيسيل جاكسون: “ما وراء السودان الحديث”Sir Harold McMichael سير هارولد ماكمايكل .. ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي


مقدمة: هذه ترجمة لما سطره سير هارولد ماكمايكل في مقدمته لكتاب “ما وراء السودان Beyond the Modern Sudan”، للإداري البريطاني هنري سيسيل جاكسون (1883 – 1962م). نشرت دار نشر ماكميلان الكتاب في لندن عام 1955م. ويلي ذلك ترجمة لما صدَّر وقَدمَ المُؤلِّفُ به كتابه.
أما هارولد ماكمايكل (1882 – 1969م) فقد عمل في القسم السياسي لحكومة السودان في مديريتي كردفان والنيل الأزرق حتى عام 1915م، حين عاد للخرطوم للعمل في وظيفة باشمفتش مديرية الخرطوم، ثم شغل منصب السكرتير الإداري بين عامي 1925 و1934م. ونقل بعد ذلك ليحكم تنجانيقا حتى عام 1937م. وفي عام 1938م نُقِلَ إلى فلسطين للعمل في وظيفة المندوب السامي البريطاني (حيث تعرض هناك لمحاولة اغتيال فاشلة)، ونقل بعدها للملايو. ألف الرجل عددا من المقالات ومقدمات كتب آخرين (1) والكتب المهمة عن السودان وتاريخه، منها مثلا كتاب “A History of the Arabs in the Sudan. تاريخ العرب في السودان” (الذي ترجمه للعربية سيد علي محمد ديدان)، وكتاب “The Sudan. السودان” (الذي ترجمه محمود صالح عثمان صالح)، وكتاب “The Tribes of Northern and Central Kordofán. قبائل شمال ووسط كردفان” (الذي ترجمه سيف الدين عبد الحميد)، وجميعها من إصدارات مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي. وله أيضا كتاب بعنوان “The Arabs of the Egyptian Sudan.عرب السودان المصري” صدر عام 1924م، بحسب ما نشرته عنه مجلة “Nature.الطبيعة” – أشهر المجلات العلمية في العالم طُرًّا – في مقال صدر في 11 ديسمبر من عام 1937م، عدته فيه ” خبيرنا الأول في إثنولوجية وتاريخ القبائل السودانية” (2).
عمل جاكسون في مجال الإدارة بالسودان لأربعة وعشرين عاما متصلة، وحكم مديريتي بربر وحلفا، ولخص تجربته في الحكم والإدارة في عدد من المقالات والكتب التي وصف في بعضها عادات السودانيين وأمثالهم في مختلف المديريات التي عمل فيها، وأرخ في بعضها الآخر لبعض الشخصيات السودانية مثل عثمان دقنة والزبير باشا رحمة. وقد ترجمنا من قبل بعض فصول هذا الكتاب، ومقتطفات من بعض كتب ومقالات مختلفة لهذا الإداري الكاتب.
المترجم
******
يصادف كاتب المذكرات مزلقين في طريقه. فإن قام فقط بتسجيل التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ونحو ذلك، وأتبعها بتحليلات معمقة عن الأسباب والتأثيرات، فهو سيجلب (للقارئ) إما الملل أو السخط. أما إذا أكتفى بترديد النَمائم والشائعات والقيل والقال وسَرْد الحكايات والنوادر، فقد يُسَلّي القارئ لفترة وجيزة – ولكن، ذلك هو كل شيء. وقد أفلح السيد جاكسون في كتابه هذا في تحاشي المزلقين بمهارة ونجاح فائِقين. وساهم في إلقاء أضواء جانبيّة على دراسات تاريخ السودان (مثل ما أورده في الفصلين 13 و14)، وقدم لطلبة الاجتماع وعلماء الأنثروبولوجيا مادة جديرة بالتأمل وإعادة النظر في الفصول التي تناولت جنوب السودان، خاصة في الفصلين المعنونين “شعب الأحراش” و”التضحيات”. بل ذهب المؤلف لأكثر من ذلك بكثير، إذ سرد قصة مؤثرة عن المصاعب العديدة التي جابهت العسكريين والمدنيين، على حَدٍّ سواء، في الأيام الباكرة (للحكم الثنائي)، بما فيها من معاناة وبطولة، ووحدة وتحمل. ورغم ذلك يقرأ المرء دوما ما بين سطور الكتاب مَسَحات سعيدة لا تخفى. وتظل روح الدعابة حاضرة، كما يبقى الانطباع الأخير دوما هو انطباع يتصف بالسعادة – السعادة المتأتية من الوعي بعمل يجدر القيام به وإنجازه بصورة جيدة.
إن كتاب “ما وراء السودان” هو مواصلة للقصص النابضة بالحياة التي نشرها المؤلف في كتابه “Sudan Days and Ways السودان: أيام وعادات”. لقد راودت أذهان الكثيرين ممن عملوا في خدمة حكومة السودان – من أمثالنا – فكرة تسجيل تلك “الأشياء القديمة المنسية”، إلا أنهم أحسوا بأنهم ليسوا على قدر أداء تلك المهمة. ونسعد الآن بأن تلك المهمة قد أنجزت، بنجاح وتوفيق كبيرين.
ينبغي أن نُعْطِيَ التاريخ الجاد (لأكاديمي؟ المترجم) والبحث مكانهما، غير أن الكتابة عن السودان (الذي نَعُدُّ – بكل فخر – سنوات حكمنا له هو عهده الذهبي، كما أكد لي ذلك العام الماضي ابن صديق سوداني قديم في خطاب أرسله لي) لن تكتمل لنا أبدا دون تلك الذكريات الشخصية، والإضاءات الشخصية العرضية. فإن كان علينا الوعي بأوقات الشدة والدموع – كما ينبغي علينا – فيمكن لنا أيضا أن نتذكر أيام الحبور والضحك. فقد استمتعت – كما سيفعل كثير من القراء – بقراءة بعض حكايات المؤلف الطريفة مثل تلك التي حكى فيها عن موظف السكة حديد السوداني الذي كان يخطب في الناس بمناسبة وداع مدير بريطاني للحركة كان قد أبدى شجاعة كبيرة إبان “تمرد” 1924م. أثنى الرجل مُتَشَدِّقا فِي كَلاَمِهِ على المدير البريطاني وأشاد برباطة جأشه والرصاص ينهمر عليه. والتفت لرفاقه في الحفل، وقد قادته حماسته الشديدة للإشادة المفرطة بشجاعة الرجل فقال: “كان السيد بيلي الشجاع خلال أيام التمرد يصول ويجول في محطة الخرطوم والرصاصات تتطاير من حوله وهو لا يأبه بها وكأنها مجرد بعوض. ولكن أنتم، يا كلاب أولاد الكلاب، أين كنتم؟ بالطبع اِخْتَبَأْتُمْ تحت أسرتكم!”. وصمت قليلا قبل أن يواصل خطبته: “وماذا عني؟ والله كنت مختبأ أنا أيضا تحت سريري!”
إن شعبا يمتلك مثل ذلك الحس الفكاهي المبهج، وبمقدوره أن يسخر من نفسه ومن الآخرين، لن يعدم أصدقاء أبدا. ولا ريب أن السيد جاكسون صديق جيد للسودانيين كما يبدو ذلك جليا في كل كتبه البديعة التي تناول فيها مختلف شؤونهم.
إنني أزكي بشدة كتاب جاكسون الأخير هذا لكل محبي الإنسانية (الإنسانيين) ولكل للطلاب الجادين. وسيجد هؤلاء الكثير الامتاع والفائدة فيه. ولا بد لي في جانب “الامتاع” هذا أن أذكر هنا استثناءً واحدا. كنت قد لاحظت وأنا أقرأ استعراضا لكتاب سابق لجاكسون ما وصفت به صحيفة مصرية ذلك الكتاب من أنه “كتاب ممتع”. لا شك أن ذلك التوصيف ينطبق على كتاب “ما وراء السودان ” أيضا، إلا أنه توصيف لا يكفي. ولا أتوقع أن تغامر صحيفة تُنشر في مصر على تكرر مثل ذلك المدح في حالة هذا الكتاب. فالحقيقة المخزية عن أن مصر لم تتوقف قط عن تَآمُرَها، مذكورة (في هذا الكتاب) بصورة جلية لا لبس فيها – وهذا ما جاء مؤخرا في كتاب محمد نجيب المعنون “Egypt’s Destiny”.
إحالات مرجعية
(1). كتب هارولد ماكمايكل مقدمة كتاب انتوني إيركل المعنون “تاريخ السودان منذ أقدم العصور إلى 1921م”. https://bit.ly/3eUyDVF
(2). نص مقال مجلة Nature في الرابط: https://www.nature.com/articles/1401003c0
******** ********** ***********

تصدير المؤلف
لقد نُشِرَتْ في غضون السنوات الأخيرة عدد من الكتب الممتازة عن السودان. وكان من أهم تلك المؤلفات كتاب مكي عباس المعنون ” The Sudan Question.المسألة السودانية”، وكتاب جي. اس. دينكان المعنون: “The Sudan: A Record of Achievement. السودان: سجل انجاز”، وكتاب هارولد ماكمايكل، الذي صدر بعنوان “The Sudan. السودان”. ولم تكتف تلك الكتب برسم صور زاهية للتقدم الذي حدث في السودان في خلال الخمسين عاما الماضية، بل سجلت – بصورة دائمة – تفاصيل المسائل الدستورية المتعلقة بنظام الحكم الثنائي – تلك التجربة الفريدة التي حكمت فيها قوتان أجنبيان بلدا أخر.
لقد تم التغلب على الكثير من المشاكل، وما زالت هناك أيضا الكثير منها تنتظر الحل. غير أني أعتقد أنه لا يمكن حل تلك المشاكل المعلقة بنجاح إلا بتقدير واعتراف صريح من المصريين والسودانيين – على حَدٍّ سواء – بما تم إنجازه حتى الآن، وبما ينتظر الإنجاز.
إن المصريين، بل وكثير من شباب السودانيين، ينسون ما قدمه البريطانيون من تضحيات في سبيل جلب السلام للسودان، والاستقلال للسودانيين. وهم ينسون أيضا العوائق التي كان على البريطانيين التغلب عليها قبل أن يصبح الطريق معبدا للازدهار الذي ينعم به السودان الآن. وسيتطلب تسجيل حتى أقل التفاصيل عن الدوريات العديدة التي بُعث بها لحفظ الأمن العام (الذي رَعَى ذلك الازدهار الذي نراه اليوم) الكثير من الكتب، بعدد صفحات تفوق بكثير عدد صفحات هذا الكتاب. وسيتطلب الأمر أيضا كتبا عديدة لتحكي عن سنوات إعادة التعمير الطويلة والعديدة التي كَدَحَنا فيها بشدة لنيل ثقة القبائل التي عانت من العيش في ظروف قاسية تحت إدارة حكام قساة فاسدين.
لقد قمت في كتابي هذا بتقديم عرض قصير لبعض المشاكل التي كان على إداريي السودان الحديث مجابهتها في غضون تلك السنوات الباكرة. غير أن الحصول على المعلومات المباشرة لم يكن سهلا، إذ أن غالب الرجال الذين عملوا بالسودان في سنوات هذا القرن الباكرة كانوا قد توفوا. ولم نعثر في السجلات المختصرة لتلك الأيام إلا على ملخصات للتقارير التي كتبت عن الأعمال الرسمية في مختلف المناطق، إذ أن المفتش (البريطاني) كان يعيش حياة بالغة النشاط، وكان العمل المفرط يحول بينه وبين الاسهاب في الكتابة. وكذلك كان تواضعه الجم يمنعه من تسجيل قصص الأخطار التي تعرض لها والمغامرات التي خاضها. ولا شك أن الواحد منا كان سيجد في قراءتها اليوم فائدة ومتعة، وهو ينعم بالدعة في مسكنه منتعلا شبشبا وهو جالس على كرسي مريح أمام المدفأة.
كم من التغيرات قد حدثت بالسودان منذ تلك الأيام المَنْكُودة التي ما يزال يذكرها الكثير من السودانيين الذين يخطون لسنوات متقدمة من أعمارهم! كنت قد سمعت منهم من قبل ثلاثين أو أربعين سنة قصصا عن البؤس والجوع وسفك الدماء الذي كابده السودانيون في أجيال سابقة. وكان المسنون منهم يتذكرون جيدا فظائع حكم التركية (بين 1821 و1885م)، ومُقتَضَيات الحياة القاسية إبان عهد المهدية (بين 1885 و1898م).
وبحلول عام 1955م انتهى عهد آخر (عهد الإدارة “الإنجليزية”)، الذي بدأ في 1898م، واستمر حتى الآن. وسيفتتح هذه السنة عهد رابع في تاريخ السودان الحديث هو العهد “السوداني”، عندما تتسلم السلطة من البريطانيين حكومة سودانية (لحكم شعب يحكم نفسه بنفسه).
وسيُنزل العلم البريطاني الذي ظل يرفرف من على سارية القصر في المستقبل القريب (والمستقبل القريب جدا، بأكثر مما يجب، في رأي البريطانيين والسودانيين على حدٍ سواء). وسيطوى للمرة الأخيرة ذلك العلم الذي ظل يرمز للأمل والسلام والحرية (؟ّ!. المترجم) لأكثر من خمسين عاما. وفي مراسم الاحتفال بإنزال ذلك العلم سيحس السودانيون المتقدمون في السن (الذين يتذكرون ما قاسوه قبل قدوم البريطانيين) بالحزن على الأقل، إن لم نقل بالاستياء والفَزَعِ وَالْخَوْفِ. لقد كان “سلام بريطانيا” (Pax Britannica) الذي امتد طويلا يعني لهم الكثير، فقد ضمن لهم لما يزيد عن نصف قرن الحريات الأربع الكبرى: التحرر من الخوف، وحرية التعبير، وحرية التعبد، والتحرر من العوز والفاقة. وليس هناك من سِجِلّ بأسماء أبناء وطني الذين قصرت أعمارهم وخامة المناخ وقسوة الحياة التي كُتِبَ عليهم مكابدتها في السودان. غير أني أوردت في ملحق واحد قائمة لبعض المقابر البريطانيين بالسودان وأعداد قبورها. وأعلم جيدا أن هذه القائمة ليست مكتملة، غير أنها “جَهْد الْمُقِل” إذ كانت تلك المعلومات هي كل ما استطعت استخلاصه من السجلات الشحيحة المتوفرة. وتبعثرت تلك القبور في مناطق واسعة من جوبا وقامبيلا ومنقلا في الجنوب، ووادي حلفا في الشمال، وبورتسودان وجبيت في الشرق، إلى أم كدادة وزالنجي في الغرب.
أثق في أن من سيأتون بعدي سوف يقومون بإكمال الواجب الذي بدأت تنفيذه. وستكون خيانة لموتانا، وعار مستدام لمن سيخلفوننا أن نسوا الماضي والتقاليد والسنن النبيلة للتضحيات والتفاني في أداء الواجب، تلك التي اشعناها، ليس فقط في كل أفرع الحكومة، بل في سائر المراكز بالمناطق البعيدة والمنعزلة بالبلاد. إن تقليد وسُنّة النزاهة هي أقيم كنز ورثته عنا حكومة السودان الجديدة. ونأمل أن يحرس السودانيون تلك السُنّة ويحفظونها من أن تشوبها شائبة.
هنري س. جاكسون
5 شارع بارو، كمبردج
أبريل 1955م.
********** ******** *************

مقدمة المؤلف
وقفت قبل ستة وعشرين عاما في وسط سوق صغير بشمال السودان، وأنا أراقب سحابة غبار في الأفق الجنوبي. وفجأة هبت ريح أزاحت للحظات قليلة الغبار لتكشف لنا عن عربة قادمة عبر الصحراء نحونا. وبعد دقائق وقفت بجانبي عربة فورد عتيقة ذات أربعة مقاعد وهي تترنح وتدمدم وأصدرت صريرا حادا عندما ضغط السائق على كوابحها. كان ذلك السوق هو المحطة الأخيرة لتلك العربة، بعد رحلة وعرة طولها مائتي ميلا عبر أراضٍ يابسة لا ماء فيها تقريبا. وأخرج السائق السوداني المُتَيَبِّس نفسه بصعوبة من العربة وهو يجر خلفه معزة كانت ترقد مربوطة على حجره طوال النهار، وبدأ في إفراغ محتويات العربة. ورمى السائق بكوم من الأسِرَّة “العناقريب” التي كانت قد رُبِطَتْ دون ثبات إلى بقايا غطاء محرك السيارة المتهالك، مع عدد من المراتب التي لُفَّتْ ووضعت على جانبي غطاء محرك السيارة، مع قفص من الخوص به دجاج يحتج بأصوات عالية كان مربوطا على لوحة قدم (running board) السيارة. وبدأت ضجة عارمة أخرى داخل العربة عندما حاول رجلان مع زوجتيهما (كانوا يتشاركون المقاعد المتبقية مع كَبْش ومعزة أخرى يجلب منظرهما الكآبة) الزحف خارج العربة مع بهيمتيهما. وكان وجوههم مغطاة بطبقة رقيقة من الغبار كست أيضا ملابسهم وصوف حيواناتهم الأَشْعَث، وبذا اُخْتَصَرَ كل شيء في لون واحد رتيب.
• وكان مقدم سيارة من الصحراء قبل شهور قليلة سيقابل بصيحات فرح عالية من سكان البلدة. غير أن مَجِيء
مثل تلك العربة لم يعد شيئا جديدا يلفت النظر، إذ لم تلق جموع المشترين والبائعين وهم يتساومون في الأسعار أكثر من نظرة عابرة على القادمين. أما بالنسبة لي فقد مثلت عودة عربة الأجرة المفزعة تلك ما يشبه المعجزة لعلمي بأن سائقي عربات الأجرة السودانيين قدريون، وعادةً ما لا يهتمون بإضافة الماء والزيت لعرباتهم، ويعدون كل ما يحدث لها من أعطال ميكانيكية “قدر من الله”.
وبقيت أتجول في السوق وأراقب مناظره الصغيرة، فإذا بي أرى راكبا آخرا في تلك السيارة كان فيما يبدو يحاول طوال ذلك الوقت أن يخرج من السيارة، ولكنه كان مُتيبِّسا لا يستطيع الحراك. كان يجلس مُتَرَبِّعاً على جوال من الذرة مربوطا فوق لوحة قدم السيارة، وكان مُتشبَّثٌا بيده على الواجهة الأمامية المتهالكة للعربة. جذب الرجل انتباهي، فهو لم يكن سودانيا كما كان واضحا لي. راقبت الرجل وهو ينزل ظالعا مترنحا من مقعده غير المريح الذين كان قد ظل جاثما عليه خلال رحلته المغبرة عبر الصحراء. تقدمت نحوه لتحيته. كان رجلا فقيرا من حجاج ساحل أفريقيا الغربي (يسمي السودانيون الواحد من هؤلاء “فلاتي”) حالفه الحظ بجمع ما يكفي من المال في آخر مكان عمل فيه ليدفع أجرة نقله في “المقعد الخارجي” لتلك العربة. كان الرجل قد ربط قروشه القليلة في أحد أركان قميصه الوحيد، وكانت أملاكه في العالم في تلك الرحلة لا تتعدى حربةً ذات نصل صغير، ورمحا بدائيا مع جعبة سهام. أخبرني بأنه كان قد غادر موطنه قبل خمسة أعوام، وظل يعمل في القرى التي يتوقف فيها لأسابيع، وأحيانا لأشهر ليجمع بعض المال لكل مراحل رحلته للحج. وكان قد عبر في غضون مسيرته الطويلة الكثير من المستنقعات الاستوائية والغابات الكثيفة التي ليست بها مسارات ولا ينفذ إليها ضوء الشمس الذي يشرق فوقها. وكان عليه أيضا عبور مسارات شاسعة من الصحراء. كانت الحياة قاسية، وكثيرا ما كان يتساءل وهو يرتجف من البرد، وليس عليه سوى قميصه الخفيف، إن كان بمقدوره إكمال تلك الرحلة. وكان أمله الوحيد في هذه الدنيا أن يحقق أكبر طموحاته ويصلي – أخيرا – في مكة المكرمة. كان ذلك هو ما منحه القوة والعزيمة ليمضي قدما في رحلته.
وبعد أن حكى لي الحاج الصغير قصته، ودعني بتهذيب ومضى في طريقه لأكشاك السوق – كان رجلا قصيرا نحيلا بائس الهيئة ولكنه بالغ الشجاعة. كان خلو مظهره من أي قدر من الأهمية يؤكد بالفعل عظمة ما أنجزه ذلك الرجل. مشى ببعض التهيب والخجل عبر زقاق ضيق بين الأكشاك وهو يجول بطرفه من جانب لجانب ناظرا للبضائع المعروضة للبيع: التمور والخضروات والحبوب واللحم والشاي ومخاريط (رؤوس) السكر والحناء والكحل وكل أنواع بهارات الشرق العطرية. وعندما توقف “الفلاتي” أمام كشك امرأة عجوز تبيع أطباقا من السعف المصبوغ بألوان زاهية نظر المارة ببعض الفضول إلى قوسه وسهامه، وترك كثير منهم تبادل بضائعهم وأقبلوا عليه مرددين التحية التليدة التي كان المسيح نفسه يستخدمها: “السلام عليكم”. كان الرجل يحني رأسه وهو يرد عليهم بـ “وعليكم السلام”.
وعدت إلى داري راجلا وأنا لا أزال أتفكر في القصة التي سمعتها للتو. كان حال ذلك الراكب الصغير جاثما على لوحة قدم سيارة فورد مُهَلهَلة يمثل عندي أمرا مهما يدل على تأثير التمدن على الأفريقي البدائي. وشرعت في التفكر والتفكير حول رحلة الرجل هذه الأيام في الأراضي السودانية التي بدأت منذ بضعة شهور مضت.
يجد الحاج في البلاد الإسلامية دوما مكانا يؤويه في الليل. وسيجد هذا الرجل عند السودانيين بكرمهم المعروف للغرباء ترحيبا زائدا في بيوتهم، حتى بعد أن تغيب نجمة المساء (“نجمة الضيف” كما كانت تُسمى). وقد يستضاف الضيف القادم في بيت رجل ثري، أو قد يبيت ليلته في كوخ خالٍ لمزارع فقير. سيجد بيتا مختلفا يستضيفه في كل ليلة. غير أنه لا بد أن يجد دوما ذات الكرم عند مستضيفيه وهو يتجه صوب الشمال. أتخيله قد قدم ذات ليلة لقرية، ويسلم على مجموعة من الرجال اسْتَوْقَدَوا نَاراً وتحلقوا حولها طلبا للدِّفْء وهم ينتظرون عشاءهم. سيطلبون منه البقاء لمشاركتهم الطعام، وسيقدم له أحد الصبية في الحال كوبا من القهوة السوداء القوية. وسيجلس رجال القرية وهم في حالة استرخاء حول النار بعد عمل يوم طويل، وهم يشربون قهوتهم ويتحدثون مع الرجل الغريب ويسالونه عن رحلته التي أتت به إلى قريتهم. وسيحكون له قصص حجاج آخرين مروا على قريتهم، وسيستطرد الشيوخ الكبار في الحديث عن أيام مضت. وسيتشقق كلام الجميع عن مقارنات سودانهم في أيامهم السعيدة بأيام البؤس والخوف في تاريخهم القريب، الذي يذكرونه جيدا. ولا عجب، إذ أنه كانت رحلة مثل رحلة ضيفهم قبل سنوات قليلة تعد مغامرة مليئة بالأخطار في كل خطوة. وكان عبور أفريقيا مشيا على الأقدام (كما فعل ذلك الحاج) يعرض المرء لموت بطيء ومؤلم من “مرض النوم”، أو للقتل في وسط معارك قبلية محتدمة في كل مكان. وكان أكل لحوم البشر ما يزال شائعا في أفريقيا الوسطى، وهنالك دوما اخْتِطار (risk) الموت ببطء عطشا أو جوعا. وعند دخوله لجنوب السودان كان الحاج عرضة للوقوع في أيدي تجار الرقيق الذين كانوا يثيرون الرعب والذعر في البلاد. غير أن بإمكانه الآن يكمل رحلته شمالا في أمان، وهو مطمئن لعلمه أن العدل والانصاف ولإصلاح متاح له مجانا، وأنه سيجد في كل نقطة حكومية صغيرة من يتعاطف معه ويساعده ويرشده للطريق الذي يجب أن يسلكه.
وعند الصباح الباكر سيودع رجال القرية ضيفهم بقولهم “مع السلامة!”، وسيغادرهم منتقلا – في أمان – لقرية أخرى ثم أخرى. فليس هنالك ما يخيف الذين يسافرون من مكان لآخر لأداء أعمالهم القانونية. هل تُرَى يعلم ذلك الحاج عن الأيام الجديدة (في السودان)، حيث المستشفيات والعيادات جيدة البناء، والأطباء يتنقلون من منطقة لأخرى لعلاج المرضى وتضميد جراحهم، والطرق التي أقيمت، والآبار الجديدة التي حًفرت، والمدارس التي اُفْتُتِحَت في كثير من القرى الصغيرة. قد يكون الرجل قد سمع عن سنة 1913م وعسرها، حيث انحبس المطر مرة أخرى، وتفادت الحكومة مجاعة محققة كانت ستحيق بالبلاد وذلك باستيرادها للذرة من الهند. وسيكون بعض مضيفيه قد أخبروه عن قصة ابن أو ابن أخت أو أخ درس في واحدة من المدارس الفنية التي أقامتها الحكومة وتدرب ليغدو مهندسا أو مساحا أو عامل بناء أو فنيا، وعن أخرين يتعلمون كي يصبحوا قضاةً أو مدرسين أو أطباء أو مفتشين بيطريين أو كتبة أو إداريين. وتم تدريب زعماء القبائل على حكم أهاليهم بحسب قوانين محددة بصورة دقيقة لتضمن العدالة والانصاف. وفوق كل ذلك، هناك الآن التحرر من الخوف – الخوف من استبداد زعماء القبائل، ومن التعرض للأسر على أيدي تجار الرقيق، ومن سوء المعاملة في المحاكم.
وفي هذا الكتاب أؤَمِّلُ أَنْ أوضح كيف تأتى لصديقنا “الفلاتي” أن يسافر عبر السودان بأمن وأمان في رحلته القاصدة لمكة. وسنزور – كما فعل صديقنا – الكثير من الأماكن في هذا القطر الشاسع ونقابل أناسا كثيرين. وسنرى من خلال زيارتنا لتك الأماكن ومن يقطنونها أحوال أولئك السكان من قبل 40 أو 50 سنة خلت، وعلى ضوء التغيرات السريعة التي حدثت في السنوات الأخيرة. ذاكرة الناس قصيرة الأمد، ويميل الناس لنسيان المصاعب التي عليهم التغلب عليها، عندما سقط حكم الدراويش (المهدية) وتكون نظام حكم جديد. يأخذ الناس الآن الحرية والازدهار كأمر مسلم به، وينسون أن تحقيقهما أتى بتَكلِفة عالية في الأرواح والعمل الشاق. لن يتأتى لنا فهم الحاضر وتقديره على وجه صحيح والتخطيط للمستقبل إلا بفهم الماضي وتقديره جيدا.

******************
ودع الحاج المرأة التي تربعت بجانب بضائعها القليلة المعدة للبيع قائلا: “وعليكم السلام”. كان السلام شيئا لم يعرفه الرجل ولا آباؤه من قبل دخول البريطانيين للبلاد. حينها تساءلت في نفسي – وما انفككت أتساءل حتى الآن – إلى متى سيستمر ذلك السلام بعد أن تُبعد يد بريطانيا الموجهة. تدين بريطانيا بالكثير لأفريقيا، كما تدين أفريقيا لها أيضا بالكثير. كل قطر لديه الكثير ليعطيه للقطر الآخر. وربما يكون أفضل هدية نقدمها في مقابل ثمرات تربتها الخصبة هو إيقاظ التوق عند أهلها للأشياء التي نعدها نحن ثمينة القيمة: حرية الروح، واحترام حقوق وشخصيات الآخرين. ومهما يكن من أمر المستقبل وما يحمله للمتعلمين المسلمين في شمال السودان، فإن الكثيرين يؤمنون بأن القبائل البدائية في الجنوب –مسيحيين ووثنيين وأرواحيين، على حدٍ سواء – لن تطالب، لسنوات عديدة قادمة، سوى بحكومة صالحة وكريمة وغير قابلة للفساد. كل ما سيحتاجونه (وهم في ذلك مثلهم مثل غيرهم) هو قيام حكومة تعمل على حمايتهم من البطش والاضطهاد والمجاعة والمرض، وتحسين محاصيلهم وحيواناتهم، وهذا ما من شأنه تمكينهم من عيش حياتهم البسيطة في أمن وطمأنينة وسلام.

************ **********
ملحق
قبور البريطانيين في السودان
أ‌) قبور، أغلبها لعسكريين، قبل ديسمبر 1898م ………………………………625
ب‌) قبور عسكريين ومدنيين (عدا قبور الحرب المذكورة
في الفقرة التالية (ج) بين عامي 1899 و1926م………………………….. 316
ج) قبور العسكريين من 4.8.1914 إلى 31.8.1921 ………………………….. 76
د) قبور البريطانيين من العسكريين والمدنيين (بين1.1927 و12.1944) ………..63
المجموع = 1080
مُلاَحَظَة: إن سجلات الحكومة ليست مكتملة، ونظام التسجيل أبعد ما يكون عن الجودة. فعلى سبيل المثال فالعدد (316) المأخوذ من كتاب مقبرة السودان الدولية “Sudan International Cemetery Book”، المحفوظ في مديرية البحر الأحمر، قد يتضمن القليل من مقابر غير البريطانيين. غير أن المجموع الكلي (1080) سيعطي فكرة عن عدد البريطانيين الين ماتوا في السودان. وقد يكون العدد أكبر من ذلك بكثير، إذ أنه مات أو قُتِلَ 124 من الضباط البريطانيين وهو يعملون بالسودان، في الفترة بين فبراير 1884 وأكتوبر 1899م. ولا يشمل ذلك العدد البريطانيين الذين أصيبوا بعاهات معيقة أثناء عملهم بالبلاد، وماتوا في بريطانيا.
وتعد قائمة الخسائر المذكورة فادحة جدا عندما نتذكر أنه لم يكن هنالك وجود لعدد كبير من البريطانيين في السودان، فيما عدا في فترة الحملات العسكرية حول سواكن وحملة النيل بين 1896 و1898م.

***************
تَسَلْسُلُ مختصر للْأَحْدَاثِ
بعض التواريخ المهمة في تاريخ السودان الحديث
1821م. غزو الأتراك والمصريين للسودان.
1881م. ظهور المهدي.
1885م (26 يناير). مقتل غردون في الخرطوم، وطرد المصريين من السودان
1885م (22 يونيو). وفاة المهدي.
1889م (3 أغسطس). معركة توشكي. أنقذ البريطانيون والسودانيون مصر من غزو جيش المهدية.
1889م (2 سبتمبر). معركة أم درمان واستعادة السودان.
1899م (24 نوفمبر) هزيمة ومقتل الخليفة عبد الله في معركة “جديد”.
1900م. تمرد في أم درمان بتحريض من المصريين.
1902م. (8 نوفمبر). افتتاح كلية غردون التذكارية على يد لورد كتشنر.
1915م. السلطان علي دينار يقرر التمرد على حكومة السودان.
افتتاح مدرسة تدريب نواب المآمير لتمكين السودانيين من تولي مسئوليات إدارية أكبر.
1916م. هزيمة ومقتل علي دينار، والسيطرة على دارفور بقوات كان على رأسها المقدم فيليب فاندلور كيلي.
1922م. إجازة قانون سلطات شيوخ الرحل.
1924م. اضطرابات في السودان حرض عليها المصريون.
1924م (19 نوفمبر). اغتيال مصريين لسير لي استاك (حاكم عام السودان وسردار الجيش المصري) بالقاهرة. أعقب ذلك إجبار القوات المصرية على مغادرة السودان.
1925م. افتتاح خزان مكوار.
1927م. إجازة قانون سلطات الشيوخ.
1931م. إجازة قانون محاكم زعماء القبائل، وإجازة قانون المحاكم الأهلية (ورد في أحد المصادر أن قانون محاكم العمد كان قد صدر سنة 1931م، وأن قانون المحاكم الأهلية قد صدر سنة 1932م https://bit.ly/2T53Gpm ).
1936م (26 أغسطس). عقد معاهدة صداقة بين بريطانيا العظمى ومصر.
السماح للقوات المصرية بالعودة للسودان. اكتمال بناء خزان جبل الأولياء.
1937م. تكوين مؤتمر الخريجين.
1940م. (فبراير). زيارة رئيس الوزراء المصري علي ماهر باشا للسودان.
(يونيو). السودان يدخل في حرب مع إيطاليا.
1942م (3 أبريل). مؤتمر الخريجين يطالب بمنح السودان حق تقرير المصير فور انتهاء الحرب.
تكوين حزب الأشقاء (حزب يوالي مصر) برعاية السيد سير علي الميرغني وتأييد أتباعه.
1944م. تكوين المجلس الاستشاري لشمال السودان
1945م. (فبراير). تكوين حزب الأمة (حزب استقلالي) برعاية السيد سير عبد الرحمن المهدي وتأييد أتباعه..
1946م. سفر وفد سوداني إلى مصر.
1947م. مصر تهاجم معاهدة 1936م أمام مجلس الأمن في منظمة الأمم المتحدة.
1948م. (15 ديسمبر) أول جمعية تشريعية منتخبة في السودان تبدأ عملها.
1951م (1 سبتمبر). إنشاء كلية الخرطوم الجامعية.
1952م (22 يوليو). استيلاء محمد نجيب على السلطة في مصر.
(16 يوليو) إجبار الملك فاروق على التخلي عن العرش ومغادرة مصر.
1953م (10 يناير). توقيع الأحزاب السياسية الرئيسية الأكبر بالسودان على اتفاق مشترك في حضور الرائد صلاح سالم.
(نوفمبر). إرجاء أول انتخابات عامة بالسودان. خرق المصريون تعدهم بالامتناع عن التدخل في الانتخابات.
1954 (10 مارس). افتتاح أو برلمان سوداني، بعد تأجيل افتتاحه في 1 مارس بسبب المظاهرات في الخرطوم.

alibadreldin@hotmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!