حمدوك ومبادراته  .. بقلم: عمـر العمـر


مالم تغادر نخبنا السياسية مخاتلة الذات إلى مواجهة الذات لن ينصلح حال الشعب. أول خطوة جادة على درب التحول تتمثل في استبدال  جلد الذات  بإجراءات عملية تستهدف  العمل بروح الفريق بغية صناعة مستقبل وطني مجيد. تلك نخب مخادعة حتى أزاء تسمية الأشياء باسمائها. في سياق مخاتلة الذات يتوغل الشعب كل صباح في متاهة بلا نهاية  مرئية أوقاع مرتقب. باسم شراكة زائفة مزيّفة مفترىً عليها ارتكبنا خطايا بلقاء مفتريات بها على الثورة النبيلة. خداع الذات بدأ بتوصيف جنرالات كبار شركاء في دولة الثورة. تلك الخديعة الكبرى صنعها بعض من نخب الثورة واستسلم لها بعض آخر، من منطلقات متعددة،  وهم يخادعون أنفسهم حتى ولو زعموا مخاتلة الآخرين.
***     ***     ***
من الطبيعي أن ينتج هذا الزيف سلطة واهنة مفككة لا تعبر عن روح الثورة أو شعاراتها. باسم شراكة مطبوعة بختال الذات وخيانة الجماهير واصلنا التزييف المتعمد فارتضينا ” شراكة ” زائفة مع  أشخاص- بدلاً عن مؤسسات- حملتهم رياح غير ثورية إلى هرم سلطة زخم الثورة العارم. كل القوى السياسية  لا تدرك منذ الوهلة الأولى فقط خطأ التوصيف والقبول المذل بل خطورتهما على مستقبل العملية الثورية برمتها.. ثمة من كان على بصيرة بالأمر لكنه راهن على خداع الآخرين دون إدراك  تورطه أكثر في مخاتلة النفس. ربما نتفق كثيراً مع رؤى الرفاق الشيوعيين أزاء رفض تلك الممارسات لكنا لا نتفق حتماً معهم في مغادرة حلبة النضال الجماعي. ” العمل الدؤوب الصبور وسط الجماهير ” إحدى أبرز متلازمات أدبيات الحزب طوال عهد القيادة التاريخية للحزب.
***     ***     ***
  نبض شارع الثورة اتسم بشفافية نافذة تجاوزت قراءات نخب صالات التفاوض.
الشارع رفض ما أطلق عليه المزيفون غير الثوريين انحياز الجيش إلى الجماهير. فالشارع استبان تماما البون بين حال المؤسسة العسكرية عشية ثورة اكتوبر وضحى ثورة إبريل وواقعها إبان عهد الإنقاذ. فبينما رفض شباب الثورة تلك الشراكة المفترى بها إنساقت عناصر التفاوض الرخوة  مع ذلك الإفتراء . وقتئذٍ فُتحت أبواب الخداع على الذات ، جماهير الثورة ، الشعب والوطن على مصراعيها. القوى السياسية لا تزال مصرة على خداع نفسها فبدلاً عن البناء على المذكرة الموسومة بـ”العودة إلى منصة التأسيس ” آثرت التركيز على نقد المذكرة وهي فرصة ليس فقط لنقد الذات بل للخروج من نفق الأزمة الراهنة.
***    ***     ***
  رغم الجدل المثار حول شخصية عبدالله حمدوك  منذ بروز اسمحه مرشحا مفضلا لرئاسة الوزراء إلا ان ذلك الجدل لم ينأى في أ يٍ من منعرجاته العديدة عن مخاتلة الذات إلا إلى جلد الذات. فالثابت أن حمدوك لم يكن يملك برنامج عمل لقيادة حكومة الثورة ،إذ طال به التلكؤ في إنتظار ذلك البرنامج من “الحاضنة السياسية” ،تلك هي اكذوبة ختالنا الكبرى .كما لم يكن حمدوك موقلبا أيديولوجياً فهو لم يكن نتاج بيئتنا السياسية المتماسكة أو المتصدعة. لذلك نأى بنفسه عن معترك تلك القوى –ربما يكون محقاً لدى البعض – لكنه أخطأ باجماع حينما أخفق في الفرز بين لقوى السياسية المتهالكة وقوى الثورة الفتية، فتوارى محجماً حتى عن مخاطبة أحد مواكبها.
***     ***    ***
  بما أن حمدوك  ابن المؤسسات عابرة الحدود فقد جاء أداؤه نتاجاً لتلك التجربة ،إذ لجأ إلى الإستعانة بتلك المؤسسات من وراء القوى السياسية الوطنية أحيانا وفوقها أحايين. في غياب أي برنامج عمل متكامل بين يديه تبنى الدكتور حمدوك منهج المبادرات الذاتية. لذلك ليس بالغريب إنزلاقه إلى فخاخ الإرتباك . من ثم تعرض الرجل إلى انتقادات مكثفة – بغض النظر عن موضوعيتها – فالمبادرات الفردية لا تشكل استراتيجية عمل متكاملة . فهي لا تتسم بالضرورة  بالتماسك المنطقي كما يغلب عليها التقافز. مع ذلك ساد  في سياق مخاتلة الذات النقد الشخصاني لكل تلك المبادرات على الإنتقاد الموضوعي لمجمل أداء  الرجل . عديد من قدح في مؤتمر باريس – مثلا- فقالوا رغم بهائه في فتح قنوات الإستدانة لن يفكك منفرداً الإختناقات الحياتية اليومية الضاغطة على الشعب !
***     ***     ***
  الملاحظة الأخيرة لا تستهدف تبرئة حمدوك من ممارسات ختال الذات .فهو أحد اركان خديعة الشراكة المفترى بها على الثورة. للرجل باع طولى في تسويق  مفهوم” الشراكة النموذجية” المفترى بها على الثورة البازخة.هومسؤول  أمام التاريخ عن التفريط في مرشد عمل الثورة وتواقيت تنفيذه. لكن الأهم من ذلك  تفريطه الفاضح  في الإلتزام بميثاق الثورة.
كلاهما جريمتان  يندرجان تحت مخاتلة الذات تحتى غبار وهن الحاضنة السياسية. فتحت ذلك الغبار ساهم حمدوك في هتك الميثاق في جوبا باسم السلام المفترى عليه وعلى البناء الثوري . تلك الفرية أدت إلى ما بات يُعرّف بـ” مجلس الشراكة” . كلاهما يفضحان منهج مخاتلة الذات ، الثورة والشعب.
***     ***     ***
  حمدوك أحد صناع خداع الذات الأساسيين. فرئيس الحكومة مستسلم لكل تيارات الإخفاق المشاكسة ؛ يجاريها يركبها لكنه لا يحاول البتة مقاومتها. قد بسعى للإختباء والبعد عن مساراتها.  ربما بجتهد الرجل ليكون رجل دولة لكنه لم يحاول قط  فرض نفسه رجل المرحلة، دعك عن قائد ثورة.الرجل يتحمل مسؤولية أخلاقية ازاء السكوت مقابل إختطاف العسكر باسم مجلس السيادة سلطات تنفيذية عرقلت مسيرة التقدم لجهة التحول الديمقراطي. المرحلة الإنتقالية لم تكرس دور ” جمهورية برلمانية “بل فرضت كما شدد الأستاذ كمال الجزولي وهو محق نظاما رئاسياً. يل أبعد من ذلك أمسينا تحت نظام دكتاتوري بقبعة عسكرية . لايهم ما إذا تركزت السلطة في بدي جنرال واحد أم ينازعه فيها جنرالات عدة وأمراء حرب.
***     ***     ***
    حمدوك يواجه مساءلة سياسية تاريخية  أشد وطأً. فالتحول الديمقرطي لن يتم إنجازه في ظل سلطة تنفيذية غير كفوءة لاتملك الجرأة على أداء دورها في إعادة البناء. دع عنك الإنحياز إلى جماهير الثورة . أكثر من ذلك لا يستقيم أمر التحول الديمقراطي لحكومة لا تتمتع بالشجاعة على فرض قرارها فقط بل كذلك بسط سلطتها  على أجهزة الشرطة والأمن. بل أهم من ذلك تأمين إستقلال القضاء وبناء المجلس الرقابي التشريعي  المغيّب عمدا مع سبق الإصرار. أسوأ من ذلك رتق الفضاء السياسي بـ “مجلس الشركاء” وهوتخليق من جبهة  بينها خصوم للثورة ومن ثم لنقل خصوم حمدوك حتى لا ننقل الرجل إلى الربوة المقابلة.فالإصلاح في أبسط أشكاله هوكما يقول استاذنا الراحل منصورخالد عملية إعادة تشكيل الواقع وفق إجراءات تستهدف علاج اختلالات في النظام الإجتماعي.
***     ***     ****
لكل ذلك يوصّف البعض مبادرات حمدوك  المرتبطة بالصعيد الإقليمي والدولي بمثابة هروب من قبل الرجل إلى الخارج بغية مواجهة استحقاقات داخلية واجبة التنفيذ عبؤها الأثقل على رجل الدولة حينما لايوجد رجل المرحلة. في كل خطابات حمدوك سمعنا بشارات لم تأت قطافها بعد كما سمعنا إنتقادات للقوى
السياسية- هو محقٌ –  لكنا لم نسمع منه البتة نقدا ذاتيا. تلك فضيلة في العمل السياسي لا يؤديها إلا حملة الأمانة الوطنية. فالنقد الذاتي “حوار مع الذات ” كما يقول البير كامو المفكر الفرنسي صاحب ” اسطورة سيزيف”. من لا يحاور ذاته لن يفلح في إدارة حوار مع الآخرين.
aloomar@gmail.com

أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

2 shares