الرأسمالية الطفيلية السودانية!!! .. بقلم: بشير عبدالقادر


نشرت أول أمس مقال بعنوان “اغنى اغنياء العالم واغنياء السودان”؛ وفوجئت بردود الفعل الغاضبة، وخاصة من بعض ممن يعتقد انه من المميزين ماديا مقارنة بالغالبية من أهل السودان. وهذه الفئة تشمل كثير من المغتربين والعاملين بالشركات الخاصة والبنوك والضرائب وكل الجهات التي تتعامل بالمال النقدي اي بالسيولة المالية والجهات ذات السلطة المباشرة على المواطن بالشارع العام مثل العاملين بالأجهزة الامنية والشرطية وغيرها.

هاجمني كل هؤلاء لأنهم يعتقدون انهم بفسادهم المقنن او استغلالهم لمناصبهم التي توفر لهم مخصصات مادية او سلطوية تجعلهم أكثر “راحة” مقارنة بالمواطن العادي، نعم يعتقدون انهم في طريقهم نحو “رفاهية” الاكتفاء في الحاجيات الاساسية من مأكل ومشرب ومسكن وسيارة ولربما تحقيق أحلام صغيرة مثل امكانية السفر للقاهرة ودبي وتركيا …الخ.

أي أن هناك من لا يهمه ان يعيش الجميع في وضع مادي معقول ولكن يهمه ان يكون هو اقل معاناة من العامة. مما يجعله يشعر بالتميز. لكنه ينسى ان تميزه على حساب الاخرين، قد يجعل الاخرين في سعي دؤوب للاقتراب من وضع التميز بصورة شرعية او غيرها، وأقلها محاولة الحصول على ما يغطي تكاليف الحياة اليومية. فيزيد التاجر في الاسعار. ويقلل الموظف من ساعات عمله الرسمية او يتغيب ليعمل في مكان اخر بمرتب ثاني. ويصبح الكثيرون “سماسرة” وغير منتجين، ويضارب اخرون في العملة، ويهرب اخرون المواد التموينية والمواد البترولية، ويرتشي الغالبية. مما يجعل كل منهم يصعب الحياة على مواطنه السوداني الأخر من العامة. والمستفيد الوحيد هي طبقة تجار الجملة او رجال الاعمال واصحاب السلطة، لأن هؤلاء أمورهم كلها مقضية بالواسطة ودون أدنى مجهود من جانبهم. بل لعله من العجائب أن تجد هذه الطبقة شيء من التجلة والاحترام من المواطن العادي بل قد يقوم بالتزلف لهم “كسير تلج” رغم قناعته في دواخله بأنها طبقة فاسدة ومفسدة!!!
إذن انتبهت طبقة رجال الأعمال الطفيليين لضرورة تعاونهم مع أصحاب السلطة الفاسدين من الرؤساء والوزراء والمدراء والضباط في الشرطة والاستخبارات، بل قاموا بتعيين بعضهم مسؤولين في تلك الشركات!!! كمثال تعيين المهندس أسامة السد – سد مروي- كمدير في شركة الراجحي التي تقوم بالاستثمار في زراعة القمح في الإقليم الشمالي!!! من ناحية أخرى انتبهت طبقة الطفيليين وخاصة المستوردين أن رفع أسعار البترول والوقود يمكن أن يرفع الأسعار أو “يجير” كل دورة الاقتصاد لصالحهم!!! كتب الخبير الهادي هباني (.. اصبحت الحكومة بعيدة كل البعد عما يدور في كل دورة ا لوقود التشغيلية والتجارية وأصبح المتحكمين الرئيسين فيها هم أعضاء محفظة السلع الاستراتيجية من بنوك وتجار وشركات توزيع البترول المعروفة للجميع بأنها مملوكة لتجار المؤتمر الوطني المحلول وطفيلية النظام البائد وحلفائهم حتى تاريخ اليوم كالنحلة، بشائر، نبتة، الكريميت، غازبيرو، الرضوان، قادرة، الواجهة، ماثيو، وادي السندس المتحدة، نوافل، الطريفي).
إذن طبقة المستوردين والمضاربين في العملة هم أهم أسباب لغلاء الحياة.
بالطبع، طبقة الاغنياء الجدد الطفيلية هذه تريد العيش في ابراج عاجية بعيدا ممن يستنزفونهم من المستهلكين من الشعب المسكين. لذلك تجد هؤلاء “المتميزين” ماليا وسلطويا لا يساكنون عامة المواطنين في أحياءهم وهو ما ادى لظهور احياء سكنية للأغنياء الجدد مثل كافوري والصافية والنزهة والدوحة والمنشية وغيرها بالخرطوم «كرش الفيل”. وهي حالة عكسية لما كان يحدث في الماضي، سبق ان كتبت ان المرحوم محمد فتحي مدير الأراضي في الثمانينات كان يسكن في بيت ارضي عادي في حي الصحافة شرق وهو من احياء من الدرجة الثالثة، وهو نفس الحي الذي كان يسكنه المحامي علي عثمان قبل ان “يفجر” في كوزنته!!! . أما المرحوم الفريق عباس مدني كان يسكن أشلاق البوليس في الخرطوم غرب وهو المدير العام للشرطة. كذلك نجد أن وزير الداخلية الأسبق المرحوم سيداحمد الحسين كان يسكن الخرطوم 2 في بيت ارضي، ويكاد يكون باب الشارع فيه مفتوح لعامة المواطنين والمارة 24/24 ساعة ولا أذكر ان رأيت باب بيته يوما ما مغلق.

ولماذا نذهب بعيدا. فلقد استمر وزير المالية بولاية الخرطوم عادل عثمان يسكن الصحافة غرب مربع 16. في حين رحل بعض اصدقائنا المقربين من نظام الانقاذ المخلوع من مدراء البنوك او كبار الموظفين او الضباط من حي الصحافة الى احياء سكنية راقية.

كتب هشام عباس (… ان أخطر واسوء ما زرعه الكيزان في السودان ليس الانهيار الاقتصادي ولا الجهل والتخلف ولا سوء الخدمات ولا المشاكل الامنية والسياسية … أخطر تركة وارث لتلك السنوات هي ما حدث من تغيير في عقلية وضمير وسلوك المجتمع السوداني…. هذا الوطن يعاني في انسانه وعلاج انسان هذا الوطن هو الاهم الان. ان ضميرنا السوداني ليس فقط في اجازة بل مات).

يبقى أن يعلم الجميع أن دوامة الفساد أصبحت تدور حول كل مواطن من قريب او من بعيد وأحيانا تأخذه في دوامتها وتطحنه فيبرر ذلك بأنه مضطر وأن الأمور لا تسير إلا بهذه الطريقة. وهكذا يصبح الفساد قاعدة اعتاد عليها الجميع ولا يستنكروها بل يشاركون فيها مصلحة او رهبة.

لا يمكن لكل قوانين الكون أن تصلح المواطن إذا كان فاسد الضمير والأخلاق؛ كما أنه لا يوجد فساد بسيط وفساد كبير؛ فجمع الاوساخ من المنزل ورميها في الشارع فساد؛ استخدام سيارات المصالح الحكومية والشركات في المشاوير الخاصة فساد. عدم العمل بتفاني واخلاص فساد. فالفساد ينتشر كالسرطان من كذبة بيضاء ويتكاثر مع الاعتياد عليه حتى يصل مرحلة القتل والاغتيال. يقولون المثل الفرنسي “من يسرق بيضة يمكن ان يسرق بقرة”!!!
عندما نطلب من كل شخص أن يمتنع عن ممارسة الفساد؛ تجده يقول بأن الاخرين هم الفاسدين وبذلك لن ينصلح الحال ولن تنصلح البلد!!! نعم عزيزي القارئ، فليبدأ كل منا الاصلاح انطلاقا من نفسه. ثم يسعى لمحاصرة الفساد حوله وتقليم اظافره بدأ بالنظرة المريبة للطبقة الطفيلية وإعلان عدم احترامها لها؛ بل كشف إجرامها في حق المواطن وفضحها، بطرح الأسئلة على كل غني طفيلي في وسائل التواصل الاجتماعية من اين لك هذا ونحن نعرف اصلك وفصلك!!!
كتب الفيلسوف نيتشة (بعض الناس لا يحبون سماع الحقيقة لأنهم لا يريدون ان تتحطم تخيلاتهم)!!!

أنشد الشاعر ابراهيم ابو شورة في رثاء الشهيد ود عكر
“تشبه بلادك بالاسم
شاريها بي فيض المعزات
من عدم
راويها من دم الصحاب
ساقياك من ضهب الرهاب
لا نمت لا صادك رخم
يوماتي فوق كتفك شهيد
يوماتي تشرق بالنشيد
***
ياالله من فوق لي سماك
سميت بلاد المعدمين
ناداها من صف الكجر
مرقت تتبن في الصغار
تنده تحصن بالخضر
ياالله
آخر ود عكر”.
wadrawda@hotmail.fr


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!