قبل الاصطفاف للجولة الثالثة (2): القيادة للشاب وشعارهم: “الثورة بدت يا داب”  .. بقلم: عزالدين صغيرون


قلنا في حديثنا السابق بأن الثوار توصلوا منذ وقت ليس بالقصير إلى قناعة مؤكدة بفشل جميع مكونات السلطة الانتقالية وعجزها عن تحقيق الحد الأدنى من أهداف الثورة. وأن الأصوات التي تنادي بالاصطفاف لخوض الجولة الثالثة في مواجهة النظام الإسلاموي أخذت تتعالى، وأعلاها تلك التي تدعو إلى العودة لمنصة تأسيس الثورة والانطلاق منها لتصحيح المسار. وقد أعربت عن رأيي بأن هذه الدعوة تعكس قمة الإفلاس السياسي، ودليل قاطع على عقم الخيال الثوري عند مروجيها، بغض النظر عن طبيعة النوايا.
(2)
والآن، وبعد بيان استقالة عضو المجلس السيادي السيدة عائشة موسى، لم يعد الحديث عن العجز والفشل، بل ومخاطر ومهددات الطريق الذي تسير فيه الفترة الانتقالية بالمرجم، أو هو مجرد تحليلات تخضع للأخذ والرد، فصوت السيدة عائشة يأتي وهو يشِّخص مكامن الداء والأسباب من داخل كابينة قيادة المرحلة الانتقالية. ولا يسعك سوى أن تقدِّر عالياً وطنية وشجاعة وتجرد وأمانة عضو المجلس السيدي وهي تكشف في بيان للشعب السوداني استقالتها بكل شفافية.
ما يخلص إليه المطلع على بيان أسباب الاستقالة واضح ولا يحتاج إلى توضيح. خاصة لمن وجهت إليهم رسالتها، ومن يطلع ما يكتب وينشر في الصحف وفي منصات التواصل الاجتماعي يدرك وعي الجميع بأن المشكلة الرئيسية تكمن في المكون العسكري، وأن ثلة من القيادات العسكرية قد اختطفت و(كاوشت) على  المؤسسات العسكرية والأمنية والشرطية.
لقد تلخصت كل الأسباب في قولها بأن المدنيين في المجلس والحكومة يعانون من تنمر العسكر، وأن المكون المدني ف مجلس السيادة مجرد جهاز تنفيذي لا يشارك في صنع القرار. ورغم شاسع الاختلاف في الرؤية والتفاصيل مع رئيس تحرير “التيار” عثمان ميرغني، إلا أنني أجد نفسي أتفق معه تماماً في التوصيف الموجز لراهن الواقع حيث يصفه قائلاً: ” الدولة السودانية اليوم تواجه المجهول، ثورة بلا قيادة، وحكومة بلا إرادة وسلطة متنازع عليها بلا رؤية ولا خارطة طريق”.
ورغم ما قد فهمه البعض من حديثنا السابق تحت عنوان “العودة لمنصة التأسيس على “مركب على الله” بأننا ندعو إلى إبقاء الحال كما هو عليه خير من أن نركب مغامرة التغيير، إلا أن موقفنا، كما يمكن أن يستشفه أي قارئ للمقال، يرى بأن إطلاق الدعوة بشكلها الفطير هذا لن تقودنا إلى أي مكان. ولذا جعلت العنوان الفرعي للمقال “قبل الاصطفاف للجولة الثالثة”. ذلك بأن الثورة تنتظرها بالضرورة، طالما هذا هو الحال، معركة ثالثة. إذ أن الاطاحة بنظام البشير كان الجولة الأولى. وجاءت الثانية مع تحرك المكون العسكري للانقلاب على الثورة الذي كانت مجزرة فض الاعتصام مقدمته، في محاكاة غبية لفض اعتصام رابعة في مصر وتكريس نظام السيسي العسكري، فكانت المليونيات التي جاءت رداً على المجزرة في 30 أغسطس وأجهضت الانقلاب، هي الجولة الثانية.
وواضح فيما نظن للجميع الآن أنه: لا الجولة الأولى، ولا الجولة الثانية نجحتا في استئصال شأفة النظام الإسلاموي من تربة السياسة السودانية، وأن المكون العسكري – والذي هو في الأصل مجلس أمن النظام المدحور – ومعه مليشيات الجنجويد، التي قال المخلوع عن قائدها “حميدتي لحمايتي”، يأملان في وراثة عرش مخدمهما الذي أطيح به.
(3)
فإذا كان على قوى الثورة الحيَّة أن تخوض الجولة الثالثة لاستخلاص ثورتها من أيدي لصوصها، الذين أغراهم ضعف المكون المدني وتشرذمه. فإن ذلك لا يمكن أن يتم بـالعودة إلى الوراء. فكل عودة إلى ما سبق هي نكوص ورجعة. وبالتالي فإن العودة إلى منصة التأسيس لا يمكن أن تحقق خطوة للأمام. لأن الظروف التي انطلقت في ظل معطياتها شرارة الثورة لم تعد قائمة اليوم. فقد جرت مياهاً كثيرة تحت الجسر خلال عامين. وأصبحنا الآن في مواجهة واقع مختلف ومعطيات جديدة تحتاج لرؤية جديدة، وخطط ووسائل وأساليب جديدة.
أقلها، أن الثورة عندما انطلقت كانت تواجه عدو واحد يتمثل في سلطة حزب المؤتمر الوطني وحلفاؤه. وبالتالي كان الهدف واحد وهو الإطاحة بهذا النظام، الأمر الذي يعني أن الشارع كان متحداً في هدفه ومتوحداً في إرادته. كان الشعب كله كتلة واحدة في مواجهة سلطة واحدة.
ولم يعد الأمر كذلك الآن، فهناك عدد لا يكاد أحد يعرفه من الشوارع والقيادات والأهداف والبرامج المختلفة، بل والمتناقضة في كثير منها، وكل واحد من هذه اللافتات يسعى بكل ما يملك وما لا يملك للاستئثار بالسلطة والانفراد بها، بل أن بعضها وثَّق تحالفاته مع دول أجنبية مستنصراً بها في صراعه على السلطة، مقدماً الوطن وثرواته واستقلال إرادته لها “عربوناً”، مقابل ما يتلقى من دعم هذه القوى الأجنبية في صراعاته الداخلية.
ومشكلة هؤلاء أنهم يلعبون لعبتهم هذه “على المكشوف”. ولا يبذلون أدنى جهدا لتغطية أوراقهم، وكأن الشعب في غيبوبة لا يعي ولا يرى ولا يسمع !.
(3)
والأمر كذلك يبدو وكأننا نغلق الآفاق أمام كل محاولة لاسترداد الثورة التي دفع الشباب ثمنها خالصاً بكل نبل من دمائهم. بينما الأمر على اعكس من ذلك تماماً، إذ أن ما يتوجب فعله الآن، ونسميَّه الجولة الثالثة، تأسيساً من أن الجولة الأولى انتهت بإزالة الصف الأول من قيادة النظام الإسلاموي. بينما انتهت الجولة الثانية بإجهاض انقلاب المجلس العسكري، “حرس” النظام المندحر، بفض الاعتصام.
ومن الواضح أن اللجنة الأمنية، وهي الرحم الذي تتناسل منه قوى وخطط الثورة المضادة، لا زال ينبض بالحياة، ويعمل جهد طاقته لإعادة إنتاج النظام القديم، مستغلاً ضعف المكون المدني في السلطة، وانشغال قيادات الأحزاب في صراعاتهم التقليدية على السلطة.
ولأن العسكر ولجنتهم الأمنية هم الذين يسيطرون عمليَّاً على السلطات السيادية والتشريعية والتنفيذية منفردين، رغم أنف الوثيقة الدستورية التي أعطتهم سلطة سيادية “شرفية”، صارت لهم اليد العليا في اتخاذ القرارات الاستراتيجية العليا بما فيها إعلان الحرب وعقد التحالفات، وملء فراغات مؤسسات الدولة بمن يواليهم.
(4)
الأهداف التي ينبغي أن يضع تنفيذها نصب عينية حراك 3 يونيو و30 يونيو لا تبدو عصية على التحديد، وهي بشكل عام، كما لخصها الأستاذ السر عثمان بابو القيادي بالحزب الشيوعي تتمثل في: قيام الحكم المدني الديمقراطي ،وتحقيق التحول الديمقراطي، وتحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وتغيير العملة ، وعودة كل شركات الذهب والبترول والجيش والأمن والدعم السريع وشركات الماشية والمحاصيل النقدية والاتصالات لولاية المالية، ودعم الإنتاج الزراعي والصناعي والخدمي بما يقوي الصادر والجنية السوداني وتوفير العمل للعاطلين من الشباب، ورفض السير في السياسة الاقتصادية للنظام البائد في رفع الدعم وتخفيض العملة والخصخصة، وإلغاء قانون الشراكة بين القطاع العام والخاص، وقانوني الاستثمار والتعدين الهادفين لتقنين نهب ثروات البلاد.
السؤال هو: من سيكون في مقدمة هذه الجولة الثالثة؟.
أخشى أن تسارع نفس النخب والقوى السياسية التي قادت الجولة الثانية ووقعَّت على الوثيقة الدستورية، ثم شاركت في السلطة الانتقالية، بتزكية نفسها – بغضها وغضيضها – لتحتل موقع القيادة للجولة الثالثة أيضاً. لأن هذا لن يقودنا سوى إلى المربع ما قبل الأول، وإلى إعادة إنتاج الأزمة، طالما ظلت على مواقفها هذه القوى ولم تجرؤ على نقد ذاتها حتى اللحظة وهي تدعو الشباب ليخوضوا غمار معركة، هم يدركون قبل غيرهم، مدى شراستها وتكلفتها العالية. ولكن، لا أرواح الشهداء، ولا أنين الجرحى، ولا ذل الاغتصاب يدخل ضمن حساباتهم في سعيهم المجنون للسلطة والمال والجاه.
فمن يقود قاطرة الجولة الثالثة لاستعادة الثورة والمضي بها لتحقيق اهدافها؟.
(5)
يكاد يكون هذا السؤال لبديهية إجابته أغبى الأسئلة، إلا أن المنطقة الضبابية الرمادية التي أدخلتنا فيها السلطة الانتقالية بكل مكوناتها واتفاقياتها وتحالفاتها أعشتهم، وأعشت منَّا معهم الرؤية الواضحة.
لأن من فجر الثورة (أول تبادي) وأكتوى وصبر على حرّ نارها، واستشهد منهم من استشهد، وعذب وأغتصب وجُرح، هم أولى بـ(جتتها وراسها) و(بجلدها كمان) من غيرهم.
طالما هم في الصف الأول من صفوف مواجهة التتار هؤلاء، فينبغي أن تكون القيادة لهم.
وإلا فليتفضل من يريد أن يتصدر المواجهة معهم، وعلى شروطهم في تنفيذ أجندة الثورة وفق الأولويات التي يحدونها، ويأنس في نفسه الصبر والكفاءة لتحمل كلفة التغيير، عدا ذلك ينبغي أن يتراجع الجميع، أعني جميع القوى التي تشاركت قيادة دفة السلطة منذ توقيع الوثيقة الدستورية.
وعلى الشباب تنظيم أنفسهم، بذات الروح التي أداروا بها اعتصامهم الميمون في ساحة القيادة العامة حيث تم الغدر بهم، وبذات الشجاعة والإصرار اللذين خرجوا بهما في 30 يونيو واسقطوا انقلاب العسكر بقيادة البرهان واللجنة الأمنية. بنفس تلك الروح والشجاعة والإصرار والثقة بالنفس، عليهم أن ينظموا صفوفهم ويفرضوا إرادتهم ويتولوا قيادة الجولة الثالثة، بعد أن فشلت كل القوى السياسية والنخب في تحقيق أي شيء من أهداف الثورة بل – قصدوا بوعي أم يقصدوا – أعادوا عقارب الساعة إلى ما قبل الثورة، وهم جديرون بفعل ذلك.
وليكن البيان الذي عممته تنسيقيات لجان المقاومة بولاية الخرطوم (13 تنسيقية) يوم 14 مايو نقطة البداية التي يتوسع في تفاصيلها جهد التنسيقيات الأخرى في كل السودان. والتركيز على الفقرات الأولى منها كنقاط توافق، والذي جاء فيه، (وأنقله حرفياً):
(6)
نحن في تنسيقيات لجان المقاومة بولاية الخرطوم نعلن الآتي :-
1/ نوجه اتهامنا لمن فض اعتصام القيادة العامة بصريح العبارة للمجلس العسكري وقتها جميعاً بكل تشكيلاته وسنعمل علي عزلهم و إسقاطهم تمهيداً لتقديمهم للعدالة جزاءً لحمامات الدم التي أسالوها و ينكرونها حتي الآن.
2/ نلتزم بترتيب صفوفنا قاعدياً لبداية معركة طويلة و شاقة لإسقاط شراكة الدم و التنسيق مع كل القوي الثورية و النقابية وصولاً للإضراب السياسي و عصيان مدني شامل و جداول تصعيدية مستمرة حتي القصاص لشهدائنا.
3/ تحديد 3 يونيو القادم كأقصي موعد لإعلان نتائج التحقيق في فض اعتصام القيادة العامة و اعتصامات الولايات.
4/ نقدم الدعوة لكل القوي الثورية للإتفاق علي ميثاق ثوري بين لجان المقاومة بالأحياء و الأجسام النقابية و القوي الثورية وصولاً لأكبر كتلة ثورية قادرة علي قيادة معركة إسقاط شراكة الدم و صياغة البديل الثوري لمرحلة ما بعد إسقاط القتلة.
5/ سنعلن خطواتنا الثورية تباعاً لضمان أكبر تنسيق و تشبيك بين القوي الثورية و لترتيب أكبر لصفوف الثورة و الثوار.
6/ الثالث من يونيو معركة نخوضها في حرب لن يكسبها غير الشعب.
معركتنا لم تنتهي.
الثورة بدت يا داب.
هذا هو الشعار:
“الثورة بدت يا داب”.
:::::::::::::::::::::::::::
إذا الشعب يوماً أراد الحياة               فلا بُدّ أن يستجيب القدر
ولا بدَّ   لليل  أن    ينجلي               ولا  بُدّ  للقيد أن   ينكسر
                                   أبو القاسم الشابي
izzeddin9@gmail.com

أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!