الفصل الخامس من كتاب “ما وراء السودان الحديث” بعض مشاكل الإدارة .. بقلم: هنري سيسيل جاكسون .. ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي


الفصل الخامس من كتاب “ما وراء السودان الحديث”
Some Problems of administration بعض مشاكل الإدارة
Henry Cecil Jackson هنري سيسيل جاكسون
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
مقدمة: هذه ترجمة للفصل الخامس لكتاب “ما وراء السودان الحديث Beyond the Modern Sudan”، للإداري البريطاني هنري سيسيل جاكسون (1883 – 1962م). نشرت دار نشر ماكميلان الكتاب في لندن عام 1955م.
عمل جاكسون في مجال الإدارة بالسودان لأربعة وعشرين عاما متصلة، وحكم مديريتي بربر وحلفا، ولخص تجربته في الحكم والإدارة في عدد من المقالات والكتب التي وصف في بعضها عادات السودانيين وأمثالهم في مختلف المديريات التي عمل فيها، وأرخ في بعضها الآخر لبعض الشخصيات السودانية مثل عثمان دقنة والزبير باشا رحمة. وقد ترجمنا من قبل بعض فصول هذا الكتاب، ومقتطفات من بعض كتب ومقالات مختلفة لهذا الإداري الكاتب.
المترجم
****** ***
عندما زار الراحل الفريد إي. دبليو. ميسون (1) سنجة قبل أكثر من أربعين عاما صادف في طريقه عصر أحد الأيام جماعة منا في طريقها إلى صيد البط. سألنا: “وماذا تفعلون في باقي وقتكم يا شباب؟”. تعجب الرجل من وجود أي نوع من العمل في هذه المنطقة المتخلفة التي ليس بها سوى أكواخ من القش. حاولنا، ونحن في طريق العودة، أن نشرح له بعض المشاكل التي تواجهنا في المكتب وفي أثناء طوافنا على المناطق المحيطة. تحدثنا عن الكثير من القضايا الجنائية والمدينة التي علينا سماعها، ومنازعات (ملكية) الأراضي التي نفصل فيها، وعن الحفاظ على الأمن والنظام، وبناء المخازن ونقاط الشرطة، وتطوير الفرص الاقتصادية في البلاد، وإصدار الرخص لمختلف الأعمال التجارية، وألف واجب وواجب يتعلق بإدارة منطقة واسعة ومتخلفة. وسعينا لتوضيح أن عملية تعزيز السلام (وهي بنفسها مهمة ليست بالسهلة) تغدو أكثر تعقيدا بسبب صعوبات ومشاكل عديدة لا يمكن التقليل منها إلا بمرور الزمن والعمل الشاق، أو أن تتغلب مسيرة المدنية البطيئة. حدثناه عن نوبات الحمى المستمرة، والجو الوخيم، والمسافات البعيدة التي ينبغي علينا قطعها، وما لدينا من وسائل نقل بطيئة وغير كافية. وكلمناه عن اللغات العديدة التي ما زال ينبغي علينا تعلمها، والعادات والخصائص القبلية التي ما زلنا نجاهد كي نفهمها. ثم انتقلنا للحديث عن روح العداء والشك عند الأهالي تجاهنا – نتيجة لسوء الإدارة في الماضي – وعن سعينا الآن لتحييدها وكسب صداقتهم، وعن مساحات شاسعة من الأرضي لا تزال تنتظر التخطيط، ونأمل أن نقوم ذات يوم باستكشافها وإدارتها. وأضفنا لتلك المعلومات حقيقة مذهلة هي أنه لا توجد لدينا عمليا أي موارد مالية لتمويل ما نقوم به من جهود.
وأخشى أن نكون قد تركنا الأديب في حيرة وارتباك من كبر حجم ومدى وتنوع الأعمال التي ينغي علينا أدائها.
كان الأمراض من أكبر العوائق التي تعيق عملنا – فهنالك على سبيل المثال الإصابات المستمرة بالملاريا أو الزُّحَار (الدُوسِنطاريَا) وحُمَّى الدَّنْك (Dengue) والحمى التي تسببها الذبابة الرملية (الذي ينقل داء اللِّيشْمانِيَّاتِ leishmaniasis بنوعيه الأحشائي – الكلازار – والجِلْدِيّ. المترجم)، وأدواء مميتة أخرى مثل حمى الماء الأسود (إحدى مضاعفات الملاريا الوخيمة بسبب انحلال الدم داخل الأوعية الدموية، مما يجعل لون البول بنيا أو أسودا المترجم) والحمى الراجعة (التي تسببها باكتيريا معينة تنقل عن طريق القراد أو القمل. المترجم). وهذا يعني أن الموظف الذي يصاب بأي من هذه الأمراض ويعجز عن الاستمرار في عمله بالمنطقة كثيرا ما يُنْقَلُ إلى منطقة أخرى (ربما تبعد ألف ميل) ذات طقس أفضل. وبمجرد أن يلم الباشمفتش في الجنوب ببعض أساسيات اللغة المستخدمة في منطقة معينة، فإنه يُنْقَلُ لمنطقة أخرى لا يتحدث أهلها تلك اللغة، ويضيع كل ما بذله الرجل من جهد سُدًى. والأدهى من ذلك أن من يأتي بعده يجب عليه أن يستعيد ببطء وصعوبة – الثقة التي كان الأهالي يولونها للباشمفتش السابق. لم تكن إنجلترا أو مصر أو الإمبراطورية البريطانية تعني شيئا لكثير من سكان السودان الذين كان كثير منهم لا يعرفون ولا يعترفون إلا بباشمفتش أو مفتش منطقتهم. كان بالنسبة لهم هو الحكومة.
كان أخذ الموظف البريطاني لعطلته السنوية يمثل مشكلة إدارية أخرى. فحتى لو لم يقع ذلك الموظف فريسة للمرض، فقد كان الجو في كثير من المناطق شديد الوخامة. فالحرارة الجافة متعبة ولكنها محتملة حتى وإن بلغت في الظل 120 درجة فهرنهايت (قرابة درجة 49 مئوية. المترجم). غير أن الحرارة المشبعة بالرطوبة، كما هو الحال في بورتسودان في شهر أغسطس، أو الحرارة التي تسبق أو تعقب مباشرة هطول الأمطار الغزيرة في أجزاء أخرى من البلاد، كثيرا ما تصيب الرجل الأبيض بالوهن وتهدد صحته ورفاهه. أما العواصف الرعدية التي تصاحب الأمطار فهي مزعجة بصورة لا توصف، خاصة في مديرية بحر الغزال.
ورغم أن هنالك الكثير مما يمكن قوله في ذم الجو في السودان – وهنالك بالفعل الكثير مما يقال عن المفتشين الذين تُرِكُوا ليعملوا في شهر يوليو وتفوح من أجسادهم رائحة العرق، بينما ينعم زملائهم الأسعد حظا بالسفر لبلادهم لقضاء العطلة السنوية، إلا أن الجو في السودان، على الأقل، يمكن الاعتماد على ثباته بصورة معقولة. فيمكن للمرء أن يحدد موعد رحلة الشتاء قبل شهور من مقدم ذلك الفصل بثقة كبيرة في أحوال الطقس. وقد تكون درجة حرارة اليوم المختار أقل أو أكثر قليلا من المعتاد، إلا أنه، على كل حال، ليس هناك داعٍ للخروج في الرحلة وأنت مثقل بالكثير من الأدوات مثل الشمسيات والمعاطف الواقية من المطر، وملابس السباحة، والمعاطف الثقيلة، مما يفسد الخروج في الاجازة بإنجلترا. وتكاد فرصة هطول الأمطار بين شهري نوفمبر ويونيو تنعدم في شمال السودان. وحتى في الجنوب، حيث يبدأ موسم الأمطار مبكرا وينتهي متأخرا (عن الشمال)، هنالك فرصة جيدة لعدم هطول أمطار في اليوم المختار للرحلة إبان شهور الشتاء.
*******
وفي في أحد تقاريره الباكرة، علق لورد كرومر – باختصار كدأبه دوما – على بعض التدابير العقابية التي اُتُّخِذَتْ نتيجة للسلوك العدواني عند بعض القبائل الآكلة للبشر في جنوب مديرية بحر الغزال بالقول: “لم تخض القوة الاستكشافية أي قتال عنيف، ولكنها تعرضت لمصاعب ومتاعب جمة، واُضْطُرَّتْ إلى المسير دون زاد كافٍ في طقس بالغ السوء، وتحت ظروف (قاسية) أخرى”. كانت تلك الدورية التي أشار إليها كرومر موجهة ضد سلطان يامبيو (وهي منطقة تقطنها قبيلة الزاندي). وكان ذلك السلطان من زعماء الافنغارا (Avungara) الذين ينحدرون من عرق غريب (مختلف) استعمروا الزاندي منذ زمن طويل، وكونوا طبقةً حاكمة قاسية ومستبدة. وكانوا قوما يحبون الفخر بأنفسهم والاستقلال عن غيرهم، ولا يحبون أن يتدخل أحد في شؤون قيادة قبيلتهم العليا. وجمع سلطان يامبيو كل تلك الخصال، فلم يكتف بتحدي الحكومة بنفسه، بل حرض جيرانه على المقاومة والتمرد. وكان عهده في حكم الزاندي عهد إرعاب شديد. وأبى في عناد شديد التخلي عن حقه – بحسبانه سلطانا – في فرض قوانينه على القبيلة. وكانت تلك السلطة (المطلقة) تتيح له الحكم على رعاياه البؤساء بالتعذيب والقتل لأتفه الأسباب التي تثير غضبه. وكان مُوَلَّعا بابتكار أفظع الوسائل وأشدها نكارةً لتنفيذ أحكامه. وكانت من وسائل التعذيب البالغة القسوة الأثيرة عنده هي مسح جسد المسجون من أعلى رأسه لأخمص قدميه بالعسل ثم ربطه في الغابة وهو باسط لذراعيه ورجليه. وتنجذب لرائحة العسل الحلوة حشود من نوع من النمل يُسمى النمل المحارب أو الزاحف (driver ants) تتسلق فوق جسد الضحية المغلوب على أمره وتلتهمه. (لم نعثر فيما أعقب ذلك الجزء على صفحتى 62 و63 من الكتاب. المترجم).
**** *****
درجتِ العادةُ عند الزاندي دوما بعد موت زعيم الافنغارا ودفنه أن يكثروا من العويل وإظهار علامات جامحة للحزن والأسى. غير أن شيئا من ذلك لم يحدث عند نقل سلطان بامبيو لقبره. ودهش ضابط إنجليزي من غرابة تلك اللامبالاة، وسأل أحد رجال الزاندي من المتفرجين عن سبب صمت المشيعين. أجابه الرجل بالقول: “حسنا يا سعادتك. الأمر هكذا. في الماضي عند موت السلطان كان الناس يبكون ويصيحون بصوت مرتفع، ويضربون الطبول لطرد الأرواح الشريرة. وتتم التضحية بثلاثمائة من أفراد القبيلة كي يلحقوا بالسلطان الميت ليحموه ويقفوا على خدمته في حياة ما بعد القبر. أما الآن، فبفضل الإنجليز، ليس علينا تقديم مثل تلك التضحيات”.
وأفلحت الدورية في إنجاز مهمتها في وضع سلطان يامبيو تحت السيطرة. ولم يبق للدورية بعد ذلك إلا أن تبدأ مسيرتها الشاقة الطويلة نحو واو. وفي أثناء تلك الرحلة المضنية هاجم فهد أحد الضباط البريطانيين (واسمه النقيب دريك Drake) وأصابه بجروح خطيرة.
وبقي الملازم فيل Fell في منطقة الزاندي. ولاحقا (عام 1905م)، وبينما كان الرجل يحزم امتعته استعدادا للسفر في عطلته السنوية والزواج في بريطانيا، أصيب بحمى الماء الأسودـ وتوفي في (طمبرة). وكان هذا بريطاني آخر – من ضمن كثيرين – يقع ضحية لجو السودان في تلك الأيام الباكرة. ولم تكن تلك الدورية التي سيرَتْ ضد الزاندي، قبل نحو خمسين عاما، سوى عرض جانبي صغير، تم تسجيله باختصار شديد، ونُسِّيَ الآن. غير أنه مثال نموذجي لحملات ودوريات كثيرة سيرت قبل أن يستتب الأمن والسلام.
ولم يبق على قيد الحياة من الذين شاركوا في تلك الحملة سوى عدد قليل. وعلى الرغم من ذلك، فالنسبة لهم وللآخرين الذين ساروا على دربهم، لم يكن متيسرا لهم – كما هو الحال الآن – أن يقوموا بذات الرحلة في أمان بدراجات هوائية، أو في راحة أعظم وهم في سيارة. لقد مهد هؤلاء وأمثالهم لنا الطريق، وساعدوا في القضاء على الأخطار وبُعْد الشُّقة.
وفي أيامنا الباكرة كانت المسافات التي تفصل مسؤولا عن المدنية، وحتى من أقرب جيرانه (الذي يكون عادة على بعد مسيرة أيام كثيرة، وفي كثير من الحالات أسابيع عديدة) هي من العوامل التي تقرر مصيرنا. فقد سببت لنا صعوبة الاتصالات الكثير من المتاعب الشخصية. غير أن ذلك كان أمرا هينا جدا بالمقارنة بالمشاكل الإدارية التي حدثت بسبب صعوبة الاتصالات. فإن حدثت اضطرابات في جزء من منطقة ما، فلن يبلغ المفتش ذلك الجزء المضطرب إلا بعد أيام من وقوع الأحداث. وقد تمر أسابيع قبل أن يصل لذلك المفتش أي عون فعال. وفي حالة حدوث طارئ ما، لا تتعدى سلطة المفتش الإدارية المكان الذي هو فيه في تلك الساعة. ولم يكن من السهل سياسيا إدارة شؤون أناس يقطنون بمناطق متباعدة في رقعة جغرافية شاسعة. وكان من العسير اقتصاديا اقناع سكان بدائيين وتقليديين بتنمية وتطوير نوع أفضل من المحاصيل الغذائية، أو زراعة محصول نقدي، أو انتاج بضاعة تجد لها سوقا حاضرا في مكان ما. وكان من ضمن الصعوبات الأخرى هي استحالة الحديث مع الأهالي بلسانهم.
ويتحدث معظم سكان شمال السودان نوعا من اللغة العربية، وفي كثير من الحالات يتحدثون بلغاتهم الخاصة ويستخدمون اللغة العربية كبديل لها. وهنالك قرابة مائة ألف من البرابرة الذين يتحدثون بلغة لا صلة لها باللغة العربية، وللغتهم لهجات مختلفة. ولسكان “الشلال” (ذلك الجزء المصري الذي يجاور السودان) وأهالي دنقلا (على بعد حوالي 200 ميلا إلى الجنوب) لغة مشتركة تختلف عن لغة أهالي وادي حلفا، الواقعة بينهما. وفي مناطق تلال البحر الأحمر يتحدث البجا (الهدندوة والبني عامر وآخرون) لغة حامية.
وعندما يبلغ المرء جنوب السودان، يبدأ الارتباك الحقيقي: فعلى سبيل المثال توجد في جبال النوبة وحدها ثلاثين لغة ولهجة مختلفة. وتضيف كل مديرية نصيبها في زيادة الالتباس (اللغوي). أما في السودان فربما هنالك أكثر من مائة لغة مختلفة، إذ أن بعض اللهجات تختلف عن بعضها البعض بحيث تشكل عمليا لغات مستقلة عن بعضها.
ولم تكن في أيامنا الباكرة أي معاجم بالمفردات أو القواعد الأولية، وهذا ما استلزم أن يقوم كل مسؤول بجمع ما يتيسر له من ذلك، غالبا عبر طرف ثالث له دراية بقليل من اللغة العربية وشيئا يسيرا من اللغة التي يريد المسؤول تعلمها، إضافة إلى لغته الأصلية.
ورغم أن تعدد اللغات كان يمثل عقبة إدارية كبيرة، ألا أنها لم تمنع القيام بمحادثة معقولة بين أناس لا يتوقع احتمال وجودهم في ذات المكان، وتحت ظروف غير واعدة. أتذكر أنني كنت في عام 1915م في دورية على ظهور الجمال مع جنود الفرقة السابعة مانشستر (7th Manchester)، وأرسلت الرقيب (الشاويش) السوداني العربي الذي يعمل معي لمساعدة الرقيب أول (باشْجاوِيش) البريطاني في مقدمة الرتل. ولما عاد الرقيب لي في المساء ليتلقى تعليمات اليوم التالي وجدته ممتلئا بالحماس الشديد من ذكاء الباشْجاوِيش البريطاني الذي أعطاه وصفا دقيقا عن مصانع الغزل والنسيج في لانكشير، وأخبره عن زوجته وطفله الذي يبلغ من العمر ستة أعوام وطفلته الصغيرة. ومن جانبه، تحدث الشاويش السوداني عن عائلته المكونة من زوجتين وسبعة أطفال (الأمر الذي فاجأ الباشْجاوِيش البريطاني المقترن بزوجة واحدة فقط وأصابه بدهشة عارمة!). وظلا يتبادلان لنحو ساعتين الحديث بصورة حركية مفعمة بالحيوية رغم أن الشاويش السوداني كان لا يعرف كلمة واحدة في اللغة الإنجليزية (سوى كلمتي ” damn” و “blast”، وكان قد التقطتهما بمجرد أن انصرفت الدورية). وكان الباشْجاوِيش البريطاني يجهل اللغة العربية إلا من بعض عبارات الإساءة (البذيئة) التي كان من الأفضل له ألا يتعلمها. يا له من سفير صداقة رائع ذلك الجندي البريطاني (يُسمى في اللغة الدارجة “تومي البريطاني British Tommy”)! وحتى بعد انتهاء عمل تلك الدورية بوقت طويل، ظل الشاويش السوداني يتحدث عن الأسابيع الثلاثة السعيدة التي قضاها مع الفرقة السابعة مانشستر.
ومع نهاية الحملة السنوسية في 1916م (2) تقاطر البدو الجوعى إلى “الضبعة ” و”العامرية”، ورأيت جنودنا يتقاسمون حصصهم الغذائية (القليلة في تلك الأيام) مع أولئك البدو الذين كانوا يقاتلونهم منذ وقت قصير، ويعطون كل ما بمقدورهم إعطائه للنساء والأطفال، تماما كما فعلوا بعد ذلك بعامين ونصف في الكنغو. فالجندي البريطاني (تومي) يجيد خلق علاقة صداقة مع أناس يتحدثون بلغات لا يتكلمها، ولهم عادات يراها عصيةً على الفهم، وكثيرا ما يستلطفها، ولكن يعدها مصدرا للتسلية (البذيئة نوعا ما).
حكى لي صديق سوداني شاب أنه كان يتَفَرَّجَ ذات يوم على النصب التذكاري للكاميرون هايلاندرز Cameron highlanders (3) في مدينة إنفرنيس (الاسكتلندية) ويبحث عن أسماء المعارك التي حارب فيها ذلك الفوج بالسودان، عندما تقدم منه شيخ كبير وقال له: “المعذرة يا ولد (laddie)، ولكن هل أنت من أولئك الدراويش الشياطين؟”. ابتسم السوداني لتلك التحية الغريبة ورد عليه بالقول إنه في الواقع سوداني. عندها مد له الشيخ الأسكتلندي يده مصافحا وقال له (بلهجة أسكتلندية قُحّة): “أوه … يا رجل … أعطني يدك. كثيرا ما حاربت ضد رجال بلدك، وكانوا مقاتلين شجعان”.
ثم أخرج الشيخ ذراعه العارية وأَرَى السوداني ندبة خشنة وقال له: “هذا ما فعله بي أحد أصدقائك الدراويش. تعال معي للبيت لتناول كوب من الشاي بينما نتحدث عن تلك الأيام السالفة”.
أصطحب الشيخ الأسكتلندي الشاب السوداني الذي تعرف مصادفةً عليه للتو لبيته المتواضع. وبعد تناول الشاي، أخذ ذلك الأسكتلندي الكريم ضيفه السوداني لعدد من الحانات ليقدمه لأصدقائه. وأخيرا ودعه بهدية كانت قارورة ويسكي أسكتلندي. وسيظل صديقي السوداني يذكر ذلك اللقاء السعيد في انفرنيس لزمن طويل (ويذكر معه المعاملة الرقيقة والكريمة التي لقيها على يد رجال شرطة لندن)، حتى بعد أن نسى الكثير من محاضراته في كمبردج، ومنطقة الباكس (4)، وتجمعنا لتناول القهوة فيThe Whim (4)، ومشاركاته في مختلف الأنشطة والاهتمامات المختلفة في أيام دراسته الجامعية.
قد تساعد مثل تلك الأفعال الودية الصغيرة في تغير مجرى التاريخ.
*******
كان الفهم الجيد لعادات الناس ومعتقداتهم أمرا بالغ الأهمية في سبيل تنفيذ سياسة الحكومة للبناء على كل ما هو حسن في قوانين وعادات الأهالي وتقاليدهم القبلية، وتعدليها بما يتوافق مع الممارسات الغربية التي تناسب مدنية آخذة في التشكل والتطور. ولم يكن من السهل الحصول على مثل ذلك الفهم وتلك المعرفة، إذ أننا كنا مضطرين لتقديم اسئلتنا (للأهالي) عبر مترجمين فوريين، كانوا كثيرا ما لا يدركون أي نوع من المعلومات نرغب في الحصول عليها، أو كانوا لا يفهمون أو يقدرون الحكمة والغرض من مقاربتنا ومنهجنا غير المباشر، فيقومون بمحاولة اختصار الطريق للحصول على المعلومات بتوجيههم بعض الأسئلة التي يجدها الفرد السوداني مسيئة له، وينهي المحادثة على الفور.
ولدي مثال نموذجي لذلك النوع من فقدان اللباقة – رغم أنه لا يتعلق في هذه الحالة بمترجم فوري – حدث في شتاء عام 1914م عندما أجريت مقابلة مع عثمان دقنة في وادي حلفا (5). قد لا يكون اسم “عثمان دقنة” اسما مشهورا اليوم (في بريطانيا غالبا. المترجم)، غير أنه كان قبل ستين أو سبعين سنة على لسان كل فرد في الإمبراطورية البريطانية له اهتمام بالسودان. وكان رجاله (الفيزي ويزي) قد خاضوا لسنوات طويلة حربا متكافئة ضد البريطانيين والهنود وقوات إمبريالية أخرى حول سواكن. واكتسب الرجل شهرة وتميزا بكسره لمربع قوات بريطاني في (تاماي). وجُرِحَ كتشنر نفسه في واحدة من المناوشات العديدة التي حدثت بين قواته والبريطانيين في منطقة تلال البحر الأحمر. كان عثمان دقنة من الدراويش الشديدي التعصب، وسبق له أن رفض عرضا بالعفو، وآثر أن يظل حبيسا في وادي حلفا (6) حيث كان يقضي وقته في الصلاة والتسبيح بسُّبْحَة، متفكرا – بلا ريب – في انتصاراته السابقة وفي تغير حظوظه حاليا. وكان لا يكلم أحدا من الناس. لذا ذهبت – للمبنى الأبيض الذي كان محبوسا فيه دون أن أعلق أملا كبيرا على جعله يتكلم معي. ولكني كنت قد عكفت على دراسة تاريخ الرجل، وأَسْهَبت في ذكر انتصاراته مما مكنني – أخيرا – من حثه على الكلام معي عن بعض جوانب حياته. وكنت ذات مرة على وشك الانتهاء من حديث شيق مع الشيخ الكبير وأنا أتتطلع لمزيد من المقابلات معه عندما تدخل سجانه (الذي لم يكن يتدخل حتى تلك اللحظة في مناقشاتي مع الشيخ، ولكنه أراد أن يثبت هذه المرة أني لست بالشخص الوحيد الذي يعلم بتاريخ السجين الشهير) فسأله فجأة عن جروحه وكيف أصيب بها. وبما أن تلك الجروح كانت في ظهره (وقد حدثت في واحدة من معاركه التي كان قد أفلح فيها من الهرب باكرا) فلم يكن هنالك من سؤال يمكن أن يقدم للشيخ ويكون أقل لباقةً من ذلك السؤال. أحس عثمان دقنة بالإهانة والامتعاض وعاد لصمته المعتاد. ومنذ تلك اللحظة وإلى نهاية حياته لم يوافق قط على الحديث معي مرة أخرى. يَا تُرَى كم من التاريخ المثير قد ذهب مع صاحبه للقبر بسبب ذلك السؤال الطائش.
*** *** ***
وكان علينا قبل أن إقامة علاقة متعاطفة وودية مع السودانيين أن نقوم أولا باكتشاف، أو على الأقل، فهم عاداتهم وتقاليدهم. وكان ذلك أمرا عسيرا بصورة خاصة عندما تكون تلك العادات والتقاليد مؤسسة على مخاوف خرافية أو احتفالات دينية غريبة، مثلما هو حادث في المجتمعات السرية عند الزاندي، والأنظمة الطوطمية (المتعلقة بالرموز الروحية المقدسة) عند النوير والدينكا.
وفي إحدى المرات أنقذت حياتي عندما اكتشفت حقيقة عن النوير مفادها أن كل فرد في القبيلة له ثور أثير عنده، ويفترض أن لديه نوعا من الأُلْفَة الروحية معه. وكنت أجمع ضرائب الماشية من مكان غير مشهور في مناطق النوير بين بحر الزراف وبحيرة نو. وقُوبِلْتُ في أول معسكر للأبقار أزوره بعدائية شديدة من مجموعة من النوير رفضت تماما تسليم أي حيوان من حيواناتهم.، وتحدوني أن أحاول إجبارهم على فعل ذلك. لذا دلفت إلى داخل المعسكر وقدت ثورين من القطيع. وبدا رجال النوير لعيني القلقة وهم يشدون من قبضتهم على حرابهم. والتفت لرجلي الشرطة الذين كانا معي فرأيت أنهما لم يكونا سعداء بما يجري. لذا سألت رجال النوير إن كان واحدا من الحيوانات التي اخترتها هو حيوان مفضل لأحد منهم. ولما أُخْبِرْتُ بأن ذلك هو ما حدث، أمرت صاحب الحيوان بأخذه وجلب حيوان آخر مكانه. استجاب الرجل لأمري ولكنه أحضر حيوانا عددته – ولست خبيرا بالماشية – حيوانا هزيلا. وقبلت به لأني كنت مهتما بتثبيت حق الحكومة في جمع الضرائب منهم أكثر من حرصي على قيمة الحيوانات. وعلى الفور تلاشى التوتر وحل الانبساط – ربما لأنني قهقهت ضاحكا وأنا أمرر يدي على أَضْلُع الحيوان الهزيل. وعلى كل حال لم أصادف بعد تلك المواجهة أي صعوبات في جمع الضرائب على الماشية، بل كنت أجدها دوما في انتظاري خارج المعسكر.
****** ****** ********
ومر زمن طويل قبل أن نكتشف مدى أهمية الدور الذي يؤديه الخوف من إثارة الحسد (في الأصل حسد الآلهة The Envy of Gods) في حياة السودانيين، الذين يشعرون دوما بوجود قوى خبيثة بالقرب منهم، ويحاولون حماية أنفسهم منها بالتمائم والرقي والتعاويذ. ولفت نظري ذات مرة في مديرية النيل الأزرق منظر عَظْم مبيّض لجمل ميت مغروزا في الأرض بجانب حقل بديع الزرع. وأُخْبِرْتُ بأن الهدف من وضع ذلك العظم هو درء عين الحاسد لذلك المحصول الممتاز. ولذات السبب تُعْلَقُ على أعناق البنات والفتيات الصغار لُوَيحاتٌ فِضَّية. وكان أول درس تعلمته هو ألا تقدم أبدا على مدح جمال أو كمال صحة طفل رضيع إذ أن ذلك سيثير الحسد. أقصى ما يمكنني قوله في هذه الحالة هو: “ما شاء الله”، وهو قول يحتمل تفسيرات مختلفة.
لقد نُشر في مجلة “السودان في مذكرات ومدونات” الكثير عن الأهالي وعاداتهم. غير أن تلك المقالات والمذكرات كانت في الغالب بأقلام باشمفتشين لم يتلقوا أي نوع من التدريب الأنثروبولوجي. لم يكن هنالك الكثير من المال لينفق، إلا على الاحتياجات الملحة مثل الطرق والاتصالات والشرطة والإسكان والمباني الإدارية. وكان حتى على التعليم أن ينتظر. ومرت سنوات طويلة قبل أن يتوفر المال للخبراء لإجراء البحوث. وكانت العقبات أمام تلك البحوث كثيرة لا تحصى. ولا شك عندي بأنه لو كان عالم أنثروبولوجي واحد فقط قد عمل معنا بالسودان في تلك الأيام الباكرة لتحاشينا الكثير من الأخطاء في تعاملنا مع الجنوبيين، ولحفظنا أرواح الكثيرين.
وبما أن المشاكل الإدارية التي كان على الإداريين حلها كانت كثيرة ومتنوعة، فلم يكن أمام معظمهم سوى الاكتفاء بكتابة مذكرات مختصرة عن الممارسات والمعتقدات الغريبة التي صادفوها في غضون سنوات عملهم، على أمل أن يأتي يوم يستفيد فيه عالم متخصص ومحايد مما سجلوه (من ملاحظات أولية). لقد كنا في غاية الحيرة والعجب والتعجب مما سمعنا ورأينا، إذ لم يكن من اليسير علينا فهم عقلية رجل يؤمن بأنه من نسل تمساح أو حيّة خبيثة من النوع الذي يبصق سمه – كان على الواحد منا أن يدرك حقيقة أن البعض كان يؤمن أشد الإيمان بذلك الاعتقاد، وأن يحترم وجهة نظرهم تلك.
وفي الواقع فإنه كان سيكون من الحمق أن نهزأ أو نسخر من بعض ممارسات الأهالي العجيبة، ففيها الكثير مما يبدو أنهم يفيدهم بطريق أو بآخر – رغم أن العقل الغربي قد لا يستوعب ذلك. فللنوير والدينكا وآخرين تأثير (سِحريّ) مبهم على عالم الزواحف. فعلى سبيل المثال هناك من بعض أفخاذ قبيلة الدينكا من يشجعون الأفاعي النفاثة والأصلات على العيش معهم في أكواخهم، من غير أن تصيب من يشاركهم السكن من الكبار والصغار بسوء. وكان هناك رجل في مديرية بحر الغزال بمقدوره أن يغري التمساح بالخروج من النهر والمجيء معه لداره لتناول الطعام.
وربما تفسر تلك العلاقة الحميمة بين البشر ومختلف أنواع الحيوانات (التي تظهر في المعتقدات الطوطمية عند كثير من رجال القبائل) حقيقة أن بعض السودانيين يؤمنون بأن بمقدور بعض الرجال والنساء تحويل أنفسهم إلى أنواع مختلفة من الحيوانات المفترسة. وهذا الايمان بـ “الايكانثروبي lycanthropy” من الأمور النادرة (7). ولا أزال أذكر قصة صبي من دينكا بور أشتهر جده بأنه “أسد”، وبأن بمقدوره (أي الصبي) أن يتحول لأسد أيضا. ويحكي الأهالي بكل جدية عن أن ذلك الصبي كان يذهب إلى كَثِيبُ نِّمَال (anthill) وينحني ليدفعه برأسه. حينها يبدأ ذيل في الظهور خلفه، وينمو الشعر في كل أجزاء جسمه، ويتحول الصبي إلى أسد.
ويزعم رجال قبائل اللاتوكا والاشولي واللكويا أن بمقدورهم تحويل أنفسهم إلى حيوانات. وكان هذا الاعتقاد راسخا عندهم لدرجة أن رجلا من اللاتوكا كان قد حُكم عليه في محكمته الأهلية بغرامة كبيرة لقيامه ليلا بتحويل نفسه لمجموعة من الفهود والهجوم ليلا على قطيع من الماشية يملكه بعض الذين أبوا أن يقدموا له رشاوى. ويجب القول بأنه لم يكن كل الناس في جنوب السودان يؤمنون بتلك الآراء. بل كان بعضهم يسخر من قبيلة ماكراكا Makraka التي يأكل أفرادها لحوم البشر، ويقولون بأنه لا حاجة لهؤلاء بالتحول إلى حيوانات مفترسة، إذ أنهم يأكلون لحوم البشر على أي حال.
يبدو أن الأحداث التي تؤيد مثل تلك الأفكار (الخرافية) تفقد سرها عندما يتولى أمرها مسؤول عملي وحازم ومفطور على الشك. كان علي بيه يعمل نائبا للمأمور في الروصيرص عندما أثارت مجموعة من رجال قبيلة الهمج المسلحين بالحراب والسيوف اضطرابا بسبب اتهام صبية صغيرة إحدى النساء المتقدمات في السن بالتحول إلى ضبع ومحاولة التهامها. وطالب الهمج، وهم قوم يؤمنون أشد الإيمان بالايكانثروبي (7)، بقتل تلك المرأة العجوز. قام علي بيه على الفور بإخفاء المتهمة وخرج ليتقصى حقيقة الأمر في صحبة اثنين من قصاصي الأثر. وتتبع هؤلاء المسارات حتى وجدوا بقايا من جسد غزال تم التهامه جزئيا، وبجانبها آثار أقدام ضبع. وواصلوا تتبع المسارات حتى بلغوا لمكان وجدوا فيه آثار جلوس الصبية الصغيرة على العشب ثم جريها من بعد ذلك. وعثروا في الغابة على المكان الذي لا بد أن تكون المرأة العجوز قد جلست فيه لتستريح، وقد تخففت من ثيابها لتبرد قليلا. ووجدوا أيضا آثارا لامرأتين كانتا تجريان، وكانت آثار المرأة العجوز تمحو أحيانا آثار الصبية الصغيرة.
كانت القصة (المكتوبة على مسارات الطريق) بالغة الوضوح. غير أن الهمج رفضوا بشدة تصديق ما سمعوه من قصاصي الأثر. ولكن – لحسن الحظ – كان هنالك رجل شهد بأنه رأي كل المشهد، وأكد ما خلص إليه من تتبعوا الأثر. وكانت المرأة العجوز قد غادرت القرية في صحبة الصبية الصغيرة، ولكنهما افترقتا، وجلست الصبية على العشب. وبعد برهة لمحت الصبية ضبعا، فارتعبت وسارعت بالعدو، وصاحت – كما قالت هي بنفسها – مرددة “الضبع! الضبع!”. وعندما سمعت العجوز صياح الصبية سارعت من النهوض من دون أن تتوقف لتضع ثيابها، واتجهت صوب الصبية لتنقذها. غير أن الصبية سمعت صوت خطوات خلفها فتملكها الذعر لدرجة أنها لم تنظر من حولها. وواصلت الصبية عدوها مفترضةً أن الضبع الذي رأته ما زال يطاردها حتى بلغت “الروصيرص”. ولولا تدخل علي بيه ومن معه من قصاصي الأثر لأعطيت تلك الحادثة الطبيعية تفسيرا “سحريا، وربما كان مصير تلك العجوز هو الموت.
يمكن أن يتخيل المرء كم من الأبرياء وقعوا ضحايا لتلك المعتقدات الخرافية في الماضي، خاصة في تلك الأجزاء من جنوب السودان التي يؤمن فيها الناس بأن الموت ليس حادثا طبيعيا أبدا، بل هو من عمل السحر والعِرافة.
ويعتقد الناس حتى في شمال السودان بتلك الخرافات أحيانا. ففي مع بداية موسم الأمطار يقوم الأهالي بجمع وأكل أنواع من نبات الملوخية ونباتات برية أخرى تنمو على السهول أو الأراضي الزراعية. وقد يكون من بين ما يتناولونه بعض النباتات السامة، مما يفضي لإصابتهم بمغص معوي عنيف. ويكون الضحية موقنا بأن ما ألم به هو نتيجة قَضَم أحد الناس لأعضائه الحيوية، أو أنه مَسْحُور. لذا يذهب ذلك الرجل إلى (فكي) ليعطيه مادة أو مواد قوية المفعول (تتكون في الأساس من الشطة الحمراء) ليستخدمها. وبعد أن يتناول الرجل أول قبضة منها يجب على المريض أن يصيح باسم أول اسم يخطر على باله وهو يكابد الألم الذي أحدثته تلك القبضة من تلك المادة. وبهذا يُسْتَنْتَجُ أن ذلك الاسم هو اسم العدو الذي سبب ذلك التوعك.
***** ***** *****
أعتقد أن الكثيرين منا كانوا يستمتعون بالحياة في السودان، على الرغم من الكثير من المضايقات والمنغصات. ففي تلك الحياة كان هنالك الكثير من التنوع والإثارة. فقد استكشفنا مناطق لم تكن معروفة، وقابلنا أناسا في الشمال كان يعيشون كما كان أسلافنا يعيشون في القرن الرابع عشر، أو أناسا في الجنوب يعيشون بالكاد في العصر الحديدي الباكر. وكنا نحس بالنشوة عندما نحاول أن نتغلب ما يبدو أنها صعوبات لا يمكن حلها، وعندما نرى صحة الناس وسعادتهم في تقدم متدرج (ولكنه بطيء). لم يكن ذلك عملا سهلا، إذ كان علينا فرض قيود كان الأهالي يرونها سخيفة، ولا يمكن أن تصدر إلا من عقل فَدْم لرجل إنجليزي مجنون. كيف لنا أن نقنعهم بأن حشرة التيسي تيسي هي التي تسبب مرض النوم، ذلك المرض اللعين، وأن كل تلك المخلوقات البالغة الصغر التي تعيش في الماء ستكبر ذات يوم وتكون لها أجنحة وتسبب لهم الملاريا؟ وكيف لنا أن نعلمهم أن القاذورات هي مكان لتوالد الحشرات التي تنقل الأمراض؟
حدث ذات مرة أن تفشى مرض الزُّحَار (الدوسنطاريا) في مديرية دنقلا. وكان المفتش الصحي مهتما بالتأكد من التخلص من الأوساخ والنفايات التي تتكاثر عليها الحشرات، وطلب من باشمفتش المنطقة أن يصدر أمرا بجمع كل النفايات وحرقها. وتم بالفعل تنفيذ ذلك الأمر. وعندما زار الباشمفتش بعد أيام من ذلك القرية القريبة من رئاسة المديرية وجد شيخا كبيرا يعمل بجد واجتهاد في جمع الأوساخ وحرقها. قال له مشجعا: ” عملك جيد يا أبي! أنا سعيد لأنك تتخلص من الأوساخ في القرية. ولكن قل لي: لماذا تفعل ذلك؟”
رد عليه الشيخ الكبير بالقول: “لأن شيخ القرية قال لنا أنه بمجرد أن نرى جنابك يزور قريتنا، فإنه يجب علينا جمع الأوساخ وحرقها”.
سأله الباشمفتش مرة أخرى ليعرف إن كان الشيخ الكبير يفهم سبب إزالة الأوساخ والتخلص منها: “ولكن ما هو السبب في هذا؟”
أجابه الرجل العجوز بالقول: “الله أعلم. اعتقدت أن جنابك يحب الدخان!”

********* *********** *************
إحالات مرجعية
(1) الفريد ميسون Alfred Mason (1865- 1948م) هو سياسي وأديب بريطاني اشتهر برواية “The Four Feathers الريشات الأربع” التي صدرت عام 1902م، تدور أحدثها في زمن الثورة المهدية. حولت الرواية إلى فيلم غدا من كلاسيكيات الأفلام الغربية.
(2) هي حملة خاضتها بريطانيا ضد طائفة السنوبيين في مصر وليبيا الذين كانوا يلقون التأييد من العثمانيين والألمان. للمزيد عن السنوسية انظر الرابط: https://bit.ly/3wz6gSV
(3) الكاميرون هايلاندرز highlanders Cameron هو فوج مشاة في الجيش البريطاني مكون من جنود إسكتلنديين أنشئ عام 1793م.
(4) The Backs منطقة جميلة بها عدد من كليات الجامعة بمدينة كمبرج. و The Whim هو أحد المطاعم التي كان يرتادها طلاب جامعة كمبردج. https://www.flickr.com/photos/angelo_n/3322162875
(5) لكاتب هذا المقال كتاب عن الأمير عثمان دقنة نشرت “دار المصورات” بالخرطوم ترجمة له في عام 2021م. https://www.alttahrer.com/archives/34535
(6) انظر ترجمة مقال حسن دفع الله المعنون “السجناء السياسيون في وادي حلفا” المنشور عام 1966م في مجلة “السودان في مدونات ومذكرات” العدد رقم 47 https://sudaneseonline.com/msg/board/440/msg/1378862294/rn/1.html
(7) الايكانثروبي هو التحول الخارق للإنسان إلى حيوان – غالبا لذئب – كما يروى في الحكايات الشعبية.

alibadreldin@hotmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!