في البحث عن السلام في السُّودان.. ومساعي الوفد الحكومي لخلط الأوراق .. بقلم: الدكتور قندول إبراهيم قندول


Gandul1@msn.com

البحث عن السلام أصعب من الحرب نفسها. لا يختلف اثنان في ذلك. وللسلام أربعة أركان الإرادة السياسيَّة لتحقيقه، والإدارة الفاعلة لتنفيذ استحقاقاته والحكم الرشيد للمراقبة والمحاسبة والاحتكام بالقوانين وتنفيذها بحزم على الكل دون استثناء. بيد أنَّ رد ورفع المظالم ليس “عطاءً مِمَن لا يملك لِمَن لا يستحق” ولا فرض القوة على الآخر تنفيذاً للمبدأ “مَن لا يملك “قُوَتَه” لا يملك قراره”، وهذا القول مردود، لا محالة. لسنا بصدد الاسترسال في قضية الحرب والسلام فلقد تناولناها في مقالات تفصيليَّة سابقة تحت عنوان: “ديناميات الحرب والسلام في السُّودان: دور العولمة والحداثة”. لكن ما وقفنا عنده كثيراً وتأملنا فيه طويلاً هو ما ورد في وسائل التواصل الاجتماعي من أمورٍ ثلاثة ارتأينا التعليق عليها وهي: مذكرة التضامن العالمي للحقوق المدنيَّة لشعب جبال النُّوبة الصادرة باللغتين العربيَّة والإنجليزيَّة بواسطة ثلاث منظمات تابعة لأبناء النُّوبة (الشبكة الدوليَّة لمنظمات المجتمع المدني، منظمة النُّوبة للازدهار ومنظمة جبال النُّوبة لحماية المرأة والطفل)؛ تظاهر أشخاص من أبناء النُّوبة خارج قاعة الجلسة الافتتاحيَّة لانطلاق المفاوضات بين حكومة السُّودان الانتقاليَّة والحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان – شمال، بمدينة جوبا، وكذلك تلك التي جرت في الخرطوم بواسطة جماعة قليلة ولنفس الغرض. أما الموضوع الثالث والأخير هو اجتماع الفريق أول/ركن شمس الدين الكباشي، عضو مجلس السيادة ورئيس الوفد الحكومي ب “مجموعة الأجندة النسويَّة” بفندق كراون بجوبا. لا شك أنَّ هذا الاجتماع وتوقيته مجرُّد استهبال ويُعد واحدة من ألاعيب الوفد الحكومي ومسرحياته السمجة والمثيرة للضحك!! فكيف يغادر الكباشي وأخواته وإخوته والوفود التي وصلت إلى جوبا (وهم عيال دنقر واحد وإن اختلفت مسمياتهم وواجهاتهم) من الخرطوم وهم يتخاصمون عند الوصول إلى جوبا، أو يتظاهرون بذلك ليفاوضوا بعضهم في جوبا حول رفع نسبة تمثيل المرأة في اللجان الفنيَّة في المفاوضات؟!!
إنَّ توقيت صدور المذكرة غير مناسب إذا كان في يوم ٢١/٥/٢٠٢١م، أي قبل ٣ أيام فقط من تاريخ افتتاح المفاوضات الرسميَّة المحدَّد له يوم ٢٤/٥/٢٠٢١م؛ أو قبل ٥ أيام بعد التأجيل ليوم ٢٦/٥/٢٠٢١م. المعلوم أنَّ المنظمات الثلاث المذكورة موجودة وفاعلة منذ وقت ليس بالقصير، إلا أنَّها لم تُظهِر معارضتها للمفاوضات التي خاضتها الحركة الشعبيَّة لتحرير السودان – شمال مع نظام الإنقاذ، وكذلك بعد القرارات التصحيحيَّة التي جرت داخل الحركة الشعبيَّة – شمال عام ٢٠١٧م، وأثناء المفاوضات التي جرت قبيل خلع رأس نظام المؤتمر الوطني. والمتابع أيضاً لم يلاحظ معارضة من هذه المنظمات فردية أو مجتمعة عندما كانت الحكومة الانتقالية تفاوض “حركات الكفاح المسلَّح” بما فيهم “حركة عقار/عرمان-الجبهة الثوريَّة”. الغريب في الأمر أنَّ الأخيرة كانت تفاوض زوراً باسم، أو نيابة، عن “النُّوبة وجنوب الفونج”. أما الأغرب هو أنَّها لا تزال تجنِّد أفراداً لحمل السلاح بعدما ادعت تخليها عن “الكفاح المسلَّح”، فضد مَن يا ترى ستوجه سلاحها وفي أرض مَن؟ إذن، التضامن العالمي بموقفه يمارس التشويش بدراية ضد النُّوبة وقضيتهم لإضعاف الموقف التفاوضي للحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان – شمال كما حدث في مفاوضات السلام الشامل التي أفضت في النهاية لانفصال جنوب السُّودان. وحتى لا نلقى القول على عواهنه عقد “مؤتمر كمبالا” بتخطيط وتمويل من المؤتمر الوطني آنذاك لغرض الإضعاف، وها هو التضامن العالمي يستخدم ذاك المؤتمر كمرجعية له (أنظر المرجع رقم ١١ ضمن المراجع في ذيل المذكرة).
أما مضمون أو مطالب المذكرة الخمس فلا تختلف كثيراً عما تتفاوض من أجله الحركة الشعبيَّة بشروطها، ولكن السؤال لماذا لم تبذل هذه التنظيمات جهداً قليلاً أو كثيراً للوقوف مع ومساندة الحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان – شمال، أو التزام الصمت وتركها تمضي فيما بدأته دون ضجيج أو ضوضاء أو إرسال إشارات سالبة للطرف الآخر بأنَّ “النُّوبة” مختلفين فيما بينهم في هذا المنعطف الخطير من تاريخهم. لقد اختتم التضامن مذكرته بدعوة القائمين على الأمر بجبال النُّوبة، “بتنفيذ على ما يبدو من الصياغة”، نقطتين هامتين. أولها المطالبة بتجميد التفاوض الحالي وإعلان العفو العام (دون تحديد مَن يعفو عن مَن، ولماذا؟!)، وعودة الجميع بمن فيهم القادة وتوحيد دفة القيادة! ثانيهما، ضرورة عقد مؤتمر عام لكل النُّوبة في أعجل ما يمكن وما إلى ذلك. لا تعليق أكثر من القول إنَّهما مطلبين تعجيزيين ويدعوان للسخرية والسذاجة وأنُّ فاقد الشيء لا يعطيه، ويظهران أنَّ التضامن العالمي غير جاد للمساهمة لإحلال السلام في السُّودان. فما نراه أنَّ التضامن بذل جهداً كبيراً لإيصال رؤيته المخالفة والمناهضة لقضية النُّوبة الأساسيَّة إلى أكثر من ثمان عشرة حكومة، فضلاً عن الأمين العام للأمم المتحدة وللرئيسين الأمريكي والروسي؛ الاتحاد الأفريقي، والأوروبي ومنظمة الإيقاد. كان الأجدر به استغلال علاقاته الدوليَّة الوطيدة هذه لتأصيل قضية النُّوبة وحلها.
لا غرو في أنَّه قد رفعت قلة قليلة من أبناء النُّوبة في كلٍ من الخرطوم وجوبا شعارات مندِّدة بانطلاق الجلسة الافتتاحيَّة لمفاوضات السلام. كانت الهتافات والشعارات متسقة وموحَّدة في مضمونها مع ما ورد في مذكرة التضامن، كأنَّ جهة معينة قامت بهذا التنسيق. لقد أشار بعضها إلى سرقة قضية جبال النُّوبة وإلى عدم تفويض النُّوبة للحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان – شمال للتفاوض نيابة عنهم، وكأنَّ النُّوبة قد فوَّضوهم. لقد فوَّض كل النُّوبة وغيرهم في المناطق المحرَّرة بجبال النُّوبة والفونج الجديد، والأغلبية خارج تلك المناطق وبدول المهجر، فوَّضت الحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان تفويضاً كاملاً للتفاوض نيابة عنهم. أضف إلى هؤلاء أعضاء الحركة في كل بقاع السُّودان والخارج. وللذين لا يعلمون أو الذين يلوون عنق الحقيقة نقول لقد شهدت شاهدة عدل أنَّ “كل الشعب في المناطق المحررَّة أعلن وبصوت واحد أنَّ المطالب التي تنادى بها الحركة الشعبيَّة هي مطالبهم وليست مطالب القائد عبد العزيز آدم الحلو، وأنَّه ورفاقه مفوَّضون للحديث بلسانهم”.
على أية حال، ثمة أسئلة كثيرة تُطرح: أين كان هؤلاء وأولئك عندما فاوضت الجبهة الثوريَّة الحكومة الانتقالية في نفس المكان قبل أكثر من عام وأفضت تلك المحادثات إلى اتفاقية جوبا التي لم تنفَّذ حتى الآن؟ هل هم راضون عنها وهل لبَّت طموحات أهالي جبال النُّوبة، على الأقل؟ لماذا يلجأ بعض أبناء النُّوبة إلى الخصومة المفرطة ضد بنى جلدتهم في الحركة الشعبيَّة كلما لاح في الأفق البعيد بصيص أمل بإحلال السلام عبر مفاوضات جادة؟ لماذا تقود هذه الخصومة إلى الحسد البغيض الذي يستعيذ منه المسلم وغيره؟ لماذا الغيرة الشديدة؟ أخيراً وليس آخراً، هل هذا شعور بائس ويأس من بعضنا ليخلق لنفسه بطولة لم يبذل في تحقيقها جهداً مقدَّراً دون أن ينال منه نصب؟ أجل إنَّه لأمرٍ جلل في أنَّ بعض الذين يقومون بمثل هذه التظاهرات الاحتجاجية أُناس وأفراد خاضوا الحرب وضحوا كثيراً من أجل الحرية والحياة الكريمة. لعلَّ الذين يدفعونهم إلى هذه الأفعال كانوا قادة مرموقين في الحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان قبل وبعد انفصال جنوب السُّودان لهم إسهاماتهم التاريخيَّة. الحيرة من أمر هؤلاء تقود إلى التفكير في أنَّ هناك لاعبين آخرين يجرونهم وجهات أخرى تشجِّعهم إلى هذا العمل المجافي. بيد أنَّ أصابع الاتهام تشير إلى قصر الخرطوم وألاعيبه. وهذه الإشارة تقودنا مباشرة للحديث عما تقوم به حكومة السُّودان الانتقالية خاصة الجانب العسكري الآمر والناهي في أمور البلاد كلها.
يُعتقد أنَّ التئام مفاوضات السلام في جمهورية جنوب السُّودان بين الحكومة الانتقالية من جانب والحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان من جانب آخر سيفضى إلى سلام شامل وعادل وذلك بمخاطبة جذور المشكلة السُّودانيَّة السياسيَّة كونها المسألة الرئيسة، غير أنَّ الواقع وقرائن الأحوال تنبئ بغير ذلك، لعدة أسبابها أهمها تربُّع اللجنة الأمنيَّة للنظام السابق على الرئاسة واعتبار القضية السُّودانيَّة شأن أمنى ينبغي حله عسكريُّاً. بالطبع هذا الخط والمفهوم دأبت عليه كل الأنظمة التي مرَّت على حكم السُّودان، عسكريَّة كانت أم مدنيَّة طائفيَّة. كان ينبغي على رئيس مجلس الوزراء الدكتور عبد الله حمدوك أخذ زمام أمر المفاوضات بحسب الوثيقة الدستوريَّة إلا أنَّ الثورة قد اختطفت وتم إيلاء مسؤولية ملف السلام للجنة الأمنيَّة. على أية حال، شهد الكل محاولات وجهود الدكتور حمدوك الرامية لتحقيق السلام في السُّودان بالتوقيع على إعلان مبادئ ست في اتفاق أديس أبابا (سبتمبر ٢٠٢٠م). الاتفاق الذي مهَّد لعقد ورشة غير مباشرة بين الحكومة الانتقالية والحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان- شمال، غير أنَّ الفريق أول/ركن شمس الدين الكباشى رفض التوقيع على مخرجات تلك الورشة في نوفمبر ٢٠٢١م. وقد برَّر الفريق الكباشى رفضه لتلك النتائج بمقولته المشهورة “عطاء من لا يملك لمن لا يستحق” وما تبع ذلك من التصريحات الغاضبة من الدكتور عبد الله حمدوك رئيس مجلس وزراء الحكومة الانتقالية.
إنَّ الخطوة الشجاعة التي اتخذها رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان في نهاية مارس ٢٠٢١م بالتوقيع على إعلان المبادئ مع القائد عبد العزيز آدم الحلو تعد الفرصة الحقيقيَّة للمفاوضات الجادة من أجل إحلال السلام. وبما أنَّ هذا الإعلان لا يختلف كثيراً عن إعلان أديس أبابا، إلا أنَّه جاء من قمة هرم السلطة في السُّودان ومن الرئيس المباشر للفريق أول الكباشى، مما يعطيه نسبة من النجاح، ولكن ستكشف الأيام مالات ذلك. ومن المفارقات المثيرة والعجيبة أنَّ المؤسسة العسكريَّة والمجلس السيادي وافقا على إبقاء الفريق الكباشى ليترأس وفد الحكومة للمفاوضات الجارية، وهذا من حقهما، بينما لم ترفض أو تعترض الحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان – شمال على هذا الترتيب من القائمين بأمر المحادثات من جانب الحكومة الانتقالية. إنَّ المراقب الحصيف يدرك ويتساءل عن دور مفوضية السلام.
مهما يكن من هذا الأمر كله، فبحسب التراتبية العسكرية يجب ألا يخالف الفريق الكباشى رئيسه أمراً، ولكن يبقى السؤال المشروع هل سيقوم الكباشى بتنفيذ أوامر البرهان للموافقة على موضوع قد يستعصي فكه أثناء المفاوضات؟ سيكون هذا هو المحك الحقيقي لمصداقية العسكر وحسن نواياهم لتذليل العقبات التي تقف أمام الحل الشامل والعادل في السُّودان. نعتقد أنَّ المطلوب من الكباشى أن يبدى جدية واضحة ويؤكد على المصداقية وحسن النية بقيادته لوفد الحكومة المفاوض حتى تتحسَّن صورته، ليس فقط في نظر كل السُّودانيين وأهله النُّوبة، بل للعالم أجمع، مما قد يمحو ما عُلِّق في أذهان الناس بسبب أقواله عن جريمة فض الاعتصام: “حدث ما حدث” و”عطاء مِن لا يملك لمَن لا يستحق”. أكيد إذا فشل أو سبَّب فيه الفريق الكباشى، فقد يكون ذلك وبالاً على السُّودان وسجلاً أسوداً في تاريخه، وإحباطاً للشعوب المحبة للسلام والتي تراقب الجانبين عن كثب، خاصة الجانب الحكومي الذي عُرِف بألاعيبه التفاوضية منذ عهد الإنقاذ.
على أية حال، إنَّ سيناريو ما حدث في محادثات نيفاشا يجرى الإعداد له هنا بدقة لخلط الأوراق وإفشال جولة المفاوضات هذه حيث تلاحظ كثرة الوفود إلى جوبا، فلا ندرى هل من أجل دعم أجندة الحكومة أم لا. ولكن ما يهم في هذا الجانب اجتماع الفريق/ركن الكباشى ب “مجموعة الأجندة النسويَّة” يوم الجمعة ٢٧/٥/٢٠٢١١م بفندق كراون بجوبا لمناقشة قضايا المرأة وضرورة مشاركتها في المفاوضات. مشاركة المرأة في مثل هذه المحادثات تشجِّعها الحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان – شمال بحسبها هي المتضرِّرة الأولى من الحرب لذلك كان تمثيلها معتبر وبمستوى عالي في وفدها المفاوض (٤ نساء) في الوفد الرئيسي وفى اللجان الفنيَّة المتخصصِّة، فضلاً عن مشاركتها في إدارة الإقليمين (جبال النُّوبة وجنوب الفونج) بنسبة كبيرة. إنَّ ما حدث من خلافات وخصام بيِّن بين وزيرة الحكم الاتحادي السيدة بثينة دينار ووزيرة الدولة مها النوراني والنساء الأخريات في أمر تمثيلهن لأمرٍ معيب ويكشف استهتار الحكومة الانتقالية بأمر المرأة وقضاياها. إن إظهار خلاف ما حدث في الطائرة لشيء عجيب ولا يتماشى مع روح المصداقية التي تتطلبها المفاوضات بيد أنَّ حقوق المرأة في مناطق سيطرة الحكومة خاصة في الخرطوم مهضومة مما جعلها مواطنة من الدرجة الثانية.


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!