حيادية حمدوك المجيدة  .. بقلم: عمـر العمـر


 خطيئتان فاضحتان زلقتانا إلى مستنقع الإرتباك الراهن. الرهان الأعمى على ما اسميناه زورا ” الحاضنة السياسية “ومثله على الدكتور عبد الله حمدوك رئيساً لحكومة الثورة. كلاهما جوادان خاسران لم يفض الرهان عليهما إلا إلى مزيد من إجهاض أحلام الثورة النبيلة. لا سبيل للخروج من مستنقع الإحباط إلا باطلاق رصاصة الرحمة  على الجوادين معا. هما أثبتا فشلا مركبا. بدلاً عن تفكيك خناق الأزمات نكتشف كل صباح أننا توغلنا أعمق في الخسران المبين. في زمن التحولات الكبرى ينجز القادة الحقيقيون أشياء مذهلة تثير الإفتنان لا تطرح تساؤلات الإستنكار . تبرير الإخفاقات المتتالية لحكومة الثورة باسم المرحلة الإنتقالية يفضح محاولات  ترويج دعائي بائسة للهزيمة أكثر من تأكيد حسم الصراع لصالح الثورة. فالمطلوب الولوج التحول الديمقراطي ليس الدخول في “مرحلة إنتقالية”
***     ***     ***
   الحاضنة السياسية رهان خائب لاننا نعلم منذ البدء كم هي القوى السياسية مهترئة فقيرة إذ تعرضت إبان الإنقاذ إلى تجريف وإفقار ممنهجين . ما تبقى في أجسادها العليلة من أراض للحياة أنهكته الطموحات الفردية غير المشروعة. ربما نهض بعض من منظمات المجتمع المدني ببعض ما تبقى لها من قوة وبعض ما استمدت من وهج الجماهير الثائرة. لكنهما؛ الأحزاب والمنظمات يفتقران إلى الكوادر السياسية المسلحة بالتجربة الثرة والوعي اللازم بغية رسم خارطة طريق آمن لجهة غدٍ أفضل. لذلك لم تكن جماهير الثورة على قناعات بقطاف الحاضنة السياسية الهزيل منذ اختطافها مقاعد طاولة التفاوض.
***     ***    ***
   لو كانت مكونات الحاضنة السياسية ممتلئة بالصحو والوعي والصلابة لما ارتضت دكتور حمدوك رئيسا لحكومة الثورة- وهو الهابط من المجهول – لمجرد عدم انتمائه إلى أيٍ من تلك المكونات البئيسة. ذلك الإجماع السوداني النادر جاء تفادياً لسقوط في فخ التنازع المفضي إلى التشقق في جسم هلامي.
هو جسم متورم بكل فيروسات التبعثر أكثر من تمتعه بخلايا التوحد. إذاً حيادية حمدوك شكّلت أكثر أوراق تؤهله للقيادة جاذبية . بل لعلها المؤهل الوحيد. ما من أحد يملك حتى الآن رواية متكاملة مقنعة تفسّر كيفية تسلل حمدوك “مثل النعاس بين الناس” هذا المؤهل نفسه تحول إلى أكثر سوءات الرجل المفضية إلى التوغل في مستنقع الخيبات. ففضيلة حمدوك الوحيدة طوال تسنمه رئاسة الحكومة هي الحيادية المطلقة.
***     ***     ***
  الدكتور حمدوك ظل محايداً بين الدولة والحاضنة السياسية . كما هو محايد بين كل مكونات الثورة . كذلك هو ملتزم الحياد بين الحاضنة السياسية وجماهير الثورة مثلما هو بين مجلس الثورة ومجلس السيادة. تحت شعار الشراكة النموذجية نأى الرجل بنفسه ومنصبه عن التباين بين المكون العسكري وكل قطاعات الثورة على الصعيدين الرسمي والشعبي. حتى عندما بلغ التباين تجاذبات وتصادمات تشرّبت بالدم أحيانا ظل حمدوك مستعصماً بحياديته. بل حتى عندما أصدمت جهات محددة –بينها شلل – بأحد من وزرائه اختبأ الرجل وراء حياديته تاركا وزيره بلا ظهير يواجه مصيره بيديه. الكلام عن إنحياز الجيش للثورة مثلما هو عن شراكة متكافئة مع الجنرالات حديث هراء. القوات المسلحة مؤسسة وطنية ‘نعم لكنها مؤسسة غير ثورية. حياة  كبار الجنرالات قائمة على الإنضباط ‘ الأوامر  والتنفيذ. وحدهم صغار الضباط ينحازون إلى جماهير الثورة أحيانا . ذلك لأن ماكينة الطاعة والخنوع ما غسلت وقتئذ أدمغتهم ووجدانهم بعد.
***     ***     ***
  ثمة تيارات متباينة المنطلقات ، الرؤى والمصالح واصلت ، كلٌ وفق أجندته ، تسويق بقاء حمدوك خياراً وحيداً للحفاظ على سلطة الثورة التنفيذية رغم تآكل تلك السلطة في ظل حيادية حمدوك. بعضٌ من هؤلاء يبثون الرعب تخويفا من إنفراط عقد – هو يالفاجعة – منفرط . هم يجفلون في الواقع من مواجهة الحقيقة أو يخشون المساءلة. بعضٌ آخر يسوّق الرجل في ضوء عودة السودان إلى المجتمع الدولي. هم يعزون ذلك الإنجاز إلى بنات مبادرات حمدوك. هم يغضون الطرف عمداً  أو جهلاً عن لهف تلك القوى في التدافع لجهة السودان بعد نجاح ثورته المجيدة. تلك الدول تفعل ذلك من أجل مصالحها الثنائية ، الإقليمية والدولية المتقاطعة على أرضنا. تلك ليست أسرار فغالبية المواطنين ذوي الوعي السياسي المستنير يدركون طموحات و أطماع كل دولة غمست أصابعها في شأننا. نحن لسنا استثناءاً ، قديما قال شاه إيران “كل يوم يدق الإنجليز والأميركان على بابنا يسألون ما إن كنا بحاجة إلى سلاح أو مفاعل نووي فيلبون ما نتمنى”
***     ***    ***
   مع تصدع قوانا السياسية المنهكة كانت الثورة- لاتزال-  أشد احتياجا إلى سياسي جسور مصادم لا يفتقر إلى الجرأة من أجل إعلان بل إذكاء الإنتماء الشاخص إلى الثورة في جماهيرها واحلامها. سياسي قدرٌ مقتدر على استنهاض الجماهير وإلهاب مشاعرهم بغية الحفاظ على وهج الثورة والمد الجماهيري ظهيرا على درب التحول الديمقراطي. رئيس سلطة الثورة هو رأس قاطرتها القادرعلى سحب كل قواها فوق كل المعابر والمهابط إلى غاياتها العليا. هو رأس بالضرورة لا يعرف البتة الحياد . هو يدرك مليّاً ان انتصار الثوار ليس غير بداية المعارك مع أعداء التغيير كما يعلم حتماً أن سقوط عصابة البشير ليس نهاية الحرب مع  نظام الطغيان والفساد. هو يرفض الحياد في الحرب قناعة بحتمية مقارعة قلول النظام البائد وخلاياه المخبوءة والمكشوفة.
***     ***     ***
 رئيس حكومة الثورة لا يعرف الحياد إذ هو عليم بوجود تيارين في الطبقة العليا من مراقي السلطة . أحدهما منحاز لجماهير الشعب همه تحقيق شعارات الثورة والآخر يكرس جهده من أجل إعاقة التغيير والتقدم وإجهاض التحول الديمقراطي. فالحياد هنا لا يعبر حتما عن إرادة الشعب وروح الثورة. تحت مظلة الحياد وقف حمدوك يشاهد الإنفلات الأمني، نوبات ترويع المواطنين ، غياب أجهزة الشرطة ، استشراء شبكات التهريب ، الممارسات الفجة المضادة لحركة التغيير والتقدم عبر أجهزة الإعلام مقابل وهن صوت الثورة .كأنما لم يسمع حمدوك قولة غوبلز ” أعطني إعلاما بلا ضمير أمنحك شعباً بلا وعي.
كذلك ظل حمدوك تحت مظلته الأثيرة غير عابهٍ بتجفيف الأسواق وأطلاق جموح الأسعار المتعمدين من قبل أعداء الثورة . كما لم يأبه لنوبات التعذيب الضرب و بالإهانة في حق  الأطباء إبان أداء واجباتهم الإنسانية في ظروف غير مواتية. هو حال حيادية رئيس حكومة الثورة تجاه جهود المتربصين المحمومة لإبطاء بل عرقلة مؤسسات العدالة والإقتصاص. حمدوك يلتزم الحياد المطلق تحت شعار “تحقيق السلام” تجاه توغل أمراء الحرب في  سيادة مؤسسات الثورة بما في ذلك سلطته التنفيذية. إذا كان لينين محقاً حين قال” السياسة هي فن الممكن” فإن كارل شميت لم يجانب الصواب في مقولته “
السياسة هي فن التمييز بين العدو والصديق”.
***     ***     ***
    لأن ” الحاضنة السياسية” خرافة سياسية” فهي لا تقوى الذهاب في طريق استبدال حمدوك قانعة بأنه ليس في الإمكان أفضل مما هو كائن. بما أن الرجل يدرك عجز الحاضنة الفاضح فهو لا يكلف نفسه الخروج من حياديته المجيدة ولو بممارسة قدر مطلوب من المكاشفة والشفافية . هما أمران أفقدهما حمدوك
مضمونهما الثوريين في ظل حياديته . ربما على قوى الثورة   قرآة  قول
روزفلت عقب الهجوم على بيرل هاربور” الشيء الوحيد الذي يجب أن  نخافه هو الخوف نفسه.” إذا لم يقرأ ه حمدوك.
aloomar@gmail.com

أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!