الصحفي ونقص المهنية: بكري المدني نموذجاً!!  .. بقلم: عيسى إبراهيم


ركن نقاش
في عموده “الطريق الثالث” بأخيرة صحيفة  السوداني يوم السبت التاسع والعشرين من مايو كتب الصحفي بكري المدني متناولاً اصدارة دكتور عمر القراي الأخيرة “المهدية؟!” تحت عنوان ” القراي – المهدية والجمهورية!”، وكتب: ” حشد القراي فصول المهدية (الدعوة والثورة والدولة) في متن الكتاب في شكل إعداد جيد لتاريخ المهدية خارج المناهج المدرسية وتداخل فيه بالنقد والتحليل والذي هو رأي في الأخير كما رجا ونرجو أن يثير حوارا موضوعيا يضع حدا لأي محاولات إنتاج دعوة او ثورة او دولة مماثلة!”، ثم أدلى برأيه: ” ليس لدي الكثير ما اخالف فيه القراي في دعوة وثورة ودولة المهدية بل ازيد عليه في انى أرى الثورة منها تحديدا كانت خروج  وتمرد على الإمبراطورية الإسلامية وقتها أضر بالأمة وبالإسلام والسودان كثيرا، الذي لدى فيه وقفات وحتى لا تتكرر التجارب مستقبلا كما قال القراي هو مقارنة – مع الفارق – بين ما نقده وما يعتقده ويتمثله القراي نفسه اليوم”، ثم دلف الصحفي بكري المدني إلى مبتغاه ليقول: ” ان كان السيد محمد أحمد قد ادعى المهدية في القرن التاسع عشر وهي لا زالت تحتاج لجهد ووقت لإقناع اتباعها بخطل الدعوة والداعي فما بال الأستاذ محمود محمد طه الذى رأى في الإنسان إمكانية بلوغ الكمال للدرجة التى يصبح فيها (اصيلا) ويكون الله وقد أوحى لتلامذته اختصاصه بهذا المقام ولا يزالون يعتقدون في ذلك؟!، كم من الجهد والوعي يلزمنا لإقناع تلاميذ الأستاذ محمود محمد طه في الحاضر  بخطل هذه الفكرة وخطورتها التى تتعدى ادعاء المهدية  إلى ادعاء الألوهية ؟!”..
قصور المهنية:
** أكثر ما يعيب الصحفي ويقدح في كفاءته ومهنيته أن تظهر لقارئه نقص معلوماته في شأنٍ ما؛ فنحن في عالم المعلوماتية، قيل عن العالم أنه قرية، ولم يرق لهم الوصف؛ فقالوا العالم غرفة؛ ولم ترضهم الكلمة وصفاً، فقالوا: العالم (Click) على موبايل، وعم قوقل المعلوماتي “قاعد”، وموقع الفكرة الجمهورية على الشبكة العنكبوتية (www.alfikra.org) معلوم، فلماذا تظهرفجوات معلومات الصحفي في كتاباته؟!، وكان بامكانه ردم تلك الفجوات معلوماتياً!..
الأستاذ محمود يدعو ليكون الانسان “عبداً” لا “الاهاً”:
** كان الاستاذ محمود يردد دائماً: “عَبْدُ رقٍ ما حنَّ يوماً لعتق لو تخلَّيت عنه ما خلَّاكا”، وخلق الله الكون بسماواته وأرضينه وجماده ونباته وحيوانه وبشره وانسانه ليكون عبداً له، وقال في حديثه القدسي: “خلقت الكون للانسان وخلقت الانسان لي”، وجعل التكليف الاساسي للانس والجن معرفة الله، وقال: “وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون…”، ومعنى “ليعبدون” ليعرفون، لأن العبادة وسيلة وليست غاية، وهي وسيلة للمعرفة: “وأقم الصلاة لذكري”..
الرؤية بين منهجين:
** كان سيدنا علي بن أبي طالب والسيدة عائشة على مذهب عدم الرؤية البصرية: فقد رويَّ عن السيدة عائشة قولها: “من قال أن محمداً – صلى الله عليه وسلم – قد رأى ربه بعيني رأسه فقد افترى على الله الكذب”، وأوردت الحديث المروي عن النبي (عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم) عن الرؤية: “نورٌ أنى أراه”، بمعنى بعُد أن أراه، ومذهب الرؤية كان عليه حبر الأمة سيدنا عبدالله بن عباس، وفي رأيي أن كلا المذهبين صحيح، فالرؤية بين بين، وقد حل المشكلة الصوفية أصحاب علم الذوق حين قالوا: “وشمس الذات ليس لها غروب”..
رؤية المواجهة (وهي ممتنعة): قال تعالى: “ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال ربِّ أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن أنظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخرَّ موسى صعقا…” (الأعراف الآية 143)، ورؤية المواجهة ممتنعة لعدم التكافؤ بين الرائي والمرئي – العبد والرب؛ ولقوله تعالى: “لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار”، ولعلة: “ولم يكن له كفواً أحد”!..
رؤية الكينونة (وهي ممكنة): كتب الاستاذ محمود: “ههنا يسجد القلب ، وإلى الأبد ، بوصيد أول منازل العبودية . فيومئذ لا يكون العبد مسيرا ، وإنما هو مخير . ذلك بأن التسيير قد بلغ به منازل التشريف، فأسلمه إلى حرية الاختيار ، فهو قد أطاع الله حتى أطاعه الله ، معاوضة لفعله .. فيكون حيا حياة الله، وعالما علم الله، ومريدا إرادة الله، وقادرا قدرة الله، ويكون الله. وليس لله تعالى صورة فيكونها، ولا نهاية فيبلغها، وإنما يصبح حظه من ذلك أن يكون مستمر التكوين، وذلك بتجديد حياة شعوره وحياة فكره، في كل لحظة، تخلقا بقوله تعالى عن نفسه ، “كل يوم هـو في شأن” والى ذلك تهدف العبادة،”، (كتاب الرسالة الثانية من الاسلام – القضاء والقدر)، والكينونة تعني السير في تقييد وتجسيد الكمالات الالهية في مجالات الحياة والعلم والارادة والقدرة والسمع والبصر والكلام حيث الانسان في طرف النقص والذات الالهية في طرف الكمال والكمال المطلق، وليس هناك وصول لله بالمعنى الحسي إذ الاحاطة بالعلم الالهي ممتنعة سرمداً لأن المطلق لا يقيد وإلا لما كان مطلقاً!، والحديث: “كان الله ولا شيئ معه وهو على ما عليه كان”، لأن المخلوقات تقوم به ولا تقوم معه؛ فقيوميتها به لا بها، والذات الالهية لا تسمى “يا مسمى بالاسامي كلها وهو المنزه” ولا يشار لها في زمان ولا مكان..
جهل مركب:
** يقول بكري المدني: طالما دعا القراي الانصار لمراجعات تاريخية، فانه (أي بكري المدني) يدعو الاخوان الجمهوريين لاجراء مراجعات وتبريرات تفسيرية  لموقف الاستاذ محمود في معارضته لسلطات الاستعمار في محاربة “ختان الاناث” وهو (كما يرى بكري المدني) من ارث الاستعمار الجيد!، ونقول للصحفي بكري: هذا جهل مركب بتاريخ الاستعمار في السودان وتاريخ المقاومة الوطنية الواعية له ومجابهته فكراً وموقفاً، وجهل بمكايد الاستعمار الظاهرة والخفية لتثبيت قدميه في السودان، وجهل بالاعراف السودانية المتأصلة في النفوس وكيفية تغييرها، وجهل (بالطبع) بموقف الأستاذ محمود من ظاهرة الختان الفرعوني، فالاستاذ محمود يعلم يقيناً أن الختان عموماً والفرعوني خصوصاً من الأعراف (العادات) المرعية في السودان، وأن العادات السلوكية المتأصلة لا يمكن محاربتها عن طريق القانون، انما برفع الوعي العام بالتوعية الراشدة والفهم القويم، ومعلوم أن السلوكيات لا يمكن تدخل القانون للحد منها إلا اذا بلغ الوعي فيها نسبة عالية من المجتمع تتجاوز نسبة الـ 50%، ومعلوم أن القانون يبنى على قاعدة سلوكية إذا لم تتوفر لا يتدخل القانون، والا أخذ القانون في دفته السواد الأعظم من المواطنين، هذا – باختصار أرجو ألا يكون مخلاً – هو موقف الأستاذ محمود عن الختان، وأحيل الكاتب إلى كتاب ثورة رفاعة للأستاذ إبراهيم يوسف، وإلى موقع الفكرة الجمهورية على الشبكة العنكبوتية (www.alfikra.org) للاطلاع على مقالات المرحوم طه اسماعيل أبوقرجة المحامي عن قانون الاستعمار للخفاض الفرعوني!..
الجمهوريون ومايو وجرد الحساب: دعا بكري المدني الجمهوريين لتفسير وتبرير موقف الأستاذ محمود محمد طه المؤيد لثورة مايو في بداية عهدها لأن القراي عاب على السيد الصادق المهدي مصالحة نميري  من بعد، وأقول لقد كتبت خمسة حلقات منجَّمة بعنوان: في حوارية المثقف والسلطة أو جدلية الفكر والواقع –  الجمهوريون ومايو: “جرد حساب” في صحيفة الأحداث (عادل الباز)، وكذلك كتب د. القراي عن موقف الجمهوريين من مايو وتم النشر،  فإن لم يكن بكري المدني قد اطلع على هذه المقالات ألا يعلم من واقع تجربته الصحفية ومتابعته للواقع السياسي ملابسات تأييد الجمهوريين لمايو حين جاءت في ساعة الصفر للحيلولة بين الطائفية واجازة دستور يلتحف قداسة الاسلام والاسلام منه براء (سماه الجمهوريون: الدستور الاسلامي المزيف) يدمج السلطتين الزمانية والروحية في يد طائفتي الختمية والأنصار؟!، وللفائدة العامة أقول إن الجمهوريين كانوا بين متجاذبين، يماثل ذلك موقف المصري المطارد بدرويش من جنود المهدية الذي يحمل حربته “أم راسين – الأملس والكوكابا؛ أما الأملس فمعلوم بالضرورة وأما الكوكابا فهي رأس الحربة الآخر “المشرشر” والذي حين يقرز في امعاء الضحية يأتي بالامعاء خارجة حين يسل” وتقول الطرفة أن المصري حين علم نهايته المقدرة كان يستحلف درويش المهدية: والنبي بالملسا، والنبي بالملسا، وكذلك الجمهوريون اختاروا الملساء المتمثلة في نظام مايو الذي لم يكن لهم دورٌ في استجلابه ابتداءً، بدلاً من كوكابة الطائفية التي تجمع بين السلطتين الزمانية والروحية، فاختار الجمهوريون أخف الضررين!!..
eisay1947@gmail.com

أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك