الانتقال من غير خارطة انتقال!! .. بقلم: عبدالله مكاوي


بسم الله الرحمن الرحيم

abdullahaliabdullah1424@gmail.com

يبدو ان الحكومات الرديئة، لا تخلف مخلفات اكثر رداءة فقط، ولكن للاسف معارضة علي شاكلتها ايضا! والحال ان حكومة الانقاذ لم تكن حكومة باي حال من الاحوال، ولكنها اقرب للتشكيل المافيوي المزود بطبائع الاحتلال ونزعات الاستغلال. وترتب علي سيطرة هذه المنظومة من التحلل، انفلات علي كافة المستويات، سواء من ناحية الفساد او الخراب او الظلم والانتهاكات او غيرها. ومرد ذلك، ان مرجعية الانقاذ تتمحور حول، هوي النفس وشهوة السلطة ورغبة التملك، واحساس بالعظمة يدفعها للاستعلاء والاستكبار.
وبما ان هكذا تشوهات يصعب ردها للمصلحة العامة، او تبريرها منطقيا، او التبشير بها سياسيا، فكان لابد من تغليفها بغطاء الدين، كحجاب سميك، يغذيه تراث عميق متغلغل في شعاب النفوس ومؤجج للعواطف، وهذا غير انه حجاب حساس يصعب التعرض له، ناهيك عن هتكه وكشف خفاياه. والاخطر فوق انه يملك خاصية تحصيل مكتسبات مجانية، إلا انه قادر علي تحشيد البسطاء ضد مصلحتهم! وذلك عبر تجريدهم من كل حقوقهم، ومنح اوصياء الدين فوق ما يطمحون، من سلطات وتحكم في مصير البلاد والعباد. اي ما يحدث اقرب لصكوك الحكم بيد الحاكم علي طريقة صكوك الغفران، وفيها تنزع المسؤولية بكل مدلولاتها ومحمولاتها من الحكام وطريقة الحكم، ويتحول المحكمون الي مختبر تجارب لنظريات اقل ما توصف به انها وهمية، ولا ينتج عنها إلا تعذيب المواطنين وتخريب الاوطان.
المهم، يتحول الحكم الي حالة من التحكم الاعتباطي، والسلطة الي نوع من التسلط والتملك ليس علي مستوي موارد الدولة مؤسساتها، ولكن قبل ذلك علي مستوي التشريعات وحياة وكرامة الموطنين. اي باختصار علي مستوي الواقع، هنالك حكومة من غير محكومين، ودولة من دون مؤسسات. وليس مصادفة والحالة هذه، ان تترف السلطة ويفقر الشعب، وتتحول اجهزة الدولة الي آلة بطش واستنزاف للافراد، وحماية للسلطة ورفاه المسؤولين.
وهذه البيئة الفاسدة لابد وانها تركت آثارها علي طبيعة وظائف الدولة، ومواصفات من يشغلها، كالطاعة والولاء. وهي ضرب من العلاقة الاستعبادية بين الخادم والمخدوم، لا تحكمها القناعة وانما المصالح. اي كأن دين السلطة واعوانها، هو في الحقيقة المصالح التي يعبدها الجميع.
والحال كذلك، تجسد اللجنة الامنية التي اختطفت الثورة، الحالة القصوي لعبادة المصالح الخاصة، بقدر ما هي الاكثر تعبير عن درجة الانحطاط التي بلغتها العلاقة الاستعبادية (لا وطن والحياة مصلحة باي ثمن). وذلك للمفارقة ما ساعدها في ازاحة البشير والحلول محله. ولكن خطورة عبادة المصالح الخاصة علي من يتحكمون في مصير البلاد، انها تتجاذبها تضارب المصالح، ونفوذ المضاربين (المستثمرين) في تناقضات ورغبات وتطلعات اصحابها. وعندما يضاف الي تلك التناقضات والتطلعات ضعف التاهيل وقلة الوعي، عندها تكتمل حلقة التردي، وصعوبة الخروج من حالة التوهان. وهذا بالضبط كعب اخيل الفترة الانتقالية الذي يدفع بها الي المهالك. لان سيطرة هذه اللجنة من خلال البرهان والكباشي وحميدتي وياسر العطا وغيرهم من جنرالات الغفلة، جعل لكل شخصية من هذه الشخصيات طموحاتها وطرائق عملها في تحصيل مصالحها (تربية مصالح). وقد يحدث ان تتلاقي هذه المصالح احيانا، ولكنها تتنافر في غالب الاحيان، طالما الهدف الاستراتيجي هو بلوغ كرسي السلطة، الذي لا يسع سوي واحدا منهم. مع العلم ان وعي السلطة لديهم لا يتعدي زيادة الرتب والنياشين، مع شئ غير قليل من الخيلاء الاجوف. والحال هكذا، يتحول التنافس الشريف علي خدمة الدولة، شأن العمل السياسي النظيف، الي صراع علي حيازة الدولة، بانتهاب مواردها واستغلال تناقضاتها المجتمعية والتاريخية، في خدمة اجندة اصحاب الصراع. وما يجعل الامور اكثر تعقيدا هذه المرة، ان الصراع اصبح مؤطرا بالقوة العسكرية، عوضا عن الإطار السياسي الذي وسم كل من ثورتي ابريل واكتوبر. وفوق ذلك وافق الصراع هوي قوي اقليمية، ذات نفوذ ومصالح في وأد الثورات وصعود الجنرلات، بوصفهم الاقل كلفة والاكثر فائدة، سواء من ناحية سهولة الابتزاز، او قلة الوعي وتسطيح الفهم (اي مهنة تترك اثرها علي ممتهنها، وهذا اكثر ما ينطبق علي العسكرية، كمهنة ممانعة للجدل وممتنعة علي التسويات). وهل هنالك قلة وعي اكثر من تجريب المجرب الفاشل في كل مرة (التطلع للحكم بتوظيف وظيفتهم) وتوقع نتائج معاكسة (العلة في الوسيلة وليس طريقة التفكير) كما يشاع عن وصف الغباء؟
المهم، هذه التوليفة من تعدد رؤوس اللجنة الامنية، المعبأة بتوسع الطموحات وسجل تاريخي حافل بالجرائم والانتهاكات، بقدر ما اجتمعت في السيطرة علي الثورة كهدف تاكتيكي، بقدر ما صعب وسيصعب اتفاقها علي شخصية تجتمع حولها، لتمثيل المكون العسكري بصورة منفردة (حميدتي فرض نفسه مباشرة، والكباشي بصورة غير مباشرة) وتاثير ذلك علي الفترة الانتقالية، التي تتنازعها اهواء هذه القيادات، التي انتجتها الصدف السيئة. اي هي ليست الرجل غير المناسب في المكان غير المناسب، ولكن الاسوأ انها حاضرة في اللحظة التاريخية المفصلية. التي تحتاج لقادة بمواصفات خاصة، تصنع الحدث وتوظف الممكنات المتاحة. اي قادرة علي الحفاظ علي السلم المجتمعي ووهج الثورة، بذات القدر الذي يمكنها من استخلاص واستثمار، كل ما في المجتمع والدولة من فرص وموارد، تضعمها علي طريق التطور والنهوض. ولو كانت تهيئة الظروف لصناعة الحدث والقادة التاريخيين، هي انجاز ثورة عظيمة باكلاف باهظة، ضد منظومة عدمية! فقد اوفي الشعب ممثل في شبابه كل المطلوبات وزيادة! ولكن يبدو انه قدر بلاد مقدر لها سوء الحظ وبئس المصير!
وما جعل هذه البيئة المهترئة تتناهبها اسباب الفوضي والتوهان، ان الانقاذ وكما سلف، كنظام كامل الرداءة والتخلف، كان ولابد ان ينتج معارضة وحركات مسلحة، تكتسب شئ من ملامحه وادائه، بحكم اشتراكهما في ذات البيئة! ويضاف الي ذلك، قدرة الانقاذ كمنظومة تجسس وتحسس، علي اختراق قوي المعارضة بشقيها السلمي والعسكري بكل سهولة (نموذج الهبوط الناعم).
وبالتقاء مركب اللجنة الامنية (طموحات/سوابق اجرامية)، بقوي معارضة قابلة للمساومة، ليس علي شعارات الثورة فقط، وانما قبل ذلك علي مصالح البلاد. اضف الي ذلك، اختيار شخصية غامضة (مغمورة) تفتقر للخبرة السياسية والكارزمة القيادية والموهبة الادارية، والاسوأ من ذلك، تتقاطع عندها اطماع الخارج ومصالح طفيلية راسمالية الداخل، كشخصية حمدوك الباهتة، لرئاسة الوزراء! كل ذلك فاقم من حالة تردي الاوضاع علي كافة المستويات، وانبهام سبل الخروج من نفق الازمات المتناسلة. خصوصا، وان من يتولون امر البلاد، فرضتهم الظروف علي تصدر مشهد يفوق قامتهم من كل النواحي! ولذلك اكثر ما يعنيهم تحقيق انتصارات شخصية علي بعضهم البعض، من اجل طموحاتهم المستقبلية، اكثر من اكتراثهم لانجاز ابسط مطلوبات الفترة الانتقالية.
والحال كذلك، تصبح الثورة لحظة كشف وانكشاف ومكاشفة مع الذات قبل الآخر. لكل التناقضات والسوءات في حياتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ولحقيقة احزابنا ومؤسساتنا ورموزنا وافكارنا ومقدراتنا وارادتنا. اي باختصار شكلت الثورة مرآة لمعرفة حقيقتنا دون تزويق او اوهام، وانما من خلال التجريب علي محك الواقع، كمختبر لا يعرف التشكيك او المغالطات.
من هذه الزاوية، فالثورة بقدر ما هي فرصة للتغيير والاخذ باسباب النهوض، بقدر ما هي مواجهة بتركة مثقلة بالفساد والاخطاء والخراب. وهو ما كان يستدعي البصارة والمباصرة وتقديم المصلحة العامة، حتي يتم العبور بامان. اي التراضي علي مشروع خلاص وطني، يستصحب كافة المعيقات والفرص المتاحة. ولكن ما كان متاح هو نوع من الشراكة القسرية، والمنافسة علي الاقصاء، ومصادرة القرار الوطني، وبالاخص من جانب المكون العسكري. ولكن ذلك ما كان ليحدث لولا تخاذل القوي المدنية واختطافها بواسطة جماعات الهبوط الناعم! اي ما كان غائب هو المشتركات ما بين الثوار الذي يسعون للتغيير الحقيفي، والعسكر الذين يتضررون من ذات التغيير، بحكم ما يحوزنه من امتيازات كانت خصما علي استقرار الدولة ورفاه المواطنين. ولذلك من غير اقناع او اقتناع العسكر بحدود دورهم المرسوم في هيكلة الدولة المدنية، ليس هنالك امل للخروج من هذا المأزق، الذي تعقد بدخول قوات الدعم السريع والحركات المسلحة علي مسرح السلطة. اي بدل اقناع جهة واحدة، اصبحت الثورة مواجهة باقناع ثلاث جهات لكل منها اجندتها الخفية. والحال، ان المكون المدني وما يفترض من كونه حريص علي مدنية الدولة، كممثل للثوار في دفة السلطة، اصبح اكثر استعداد للاقصاء والتمكين (حال التيس الذي أُحضر للعشار فاكتفي بالرضاعة).
وهو ذات ما ينطبق علي الحالة الاقتصادية المتردية، التي تسمح امكانات البلاد الاقتصادية بخروجها من عنق الزجاجة، ومن ثم الانفتاح علي مراكمة الثروات، إلا انها مكبلة بديون وشروط خارجية تحاكي الدوران في حلقة مفرغة، مع تبعات كارثية علي معيشة معظم المواطنين الفقراء الكادحين! والمفارقة هي شروط ومطالب لو قدر لها النجاح باقالة الاقتصاد من عثرته، وهو الاحتمال الاضعف، فان مردودها (معيار النجاح) هو زيادة مخصصات القطاع الخاص (كغاية ربحية) علي حساب التوزيع العادل للموارد وجودة الخدمات (تحمل الدولة مسؤلياتها). وفي ذات الوقت يقف المكون العسكري والراسمالية الطفيلية، مع تواطؤ السلطة المدنية، كعقبة كاداء امام الاستفادة من الثروات والموارد المحتكرة لديها، لاعادة توظيفها بما يصب في خانة المصلحة العامة. وهي تضن بها علي اصلاح الحال المائل، ظنا منها ان هكذا اجراء اذا ما تم، سيخصم من رصيد سلطاتها واحكام سيطرتها علي القرار في الدولة. والمحصلة، وبما ان اهم مؤشر لحدوث التغيير المأمول تجسده العدالة الاجتماعية، إلا اننا نجدها الفريضة الغائبة او المغيبة، في كل ما يطرح من معالجات، تعبر قبل كل شئ، عن اعادة انتاج الانقاذ بخدعة مدنية وقابلة خارجية! اوليس الانقاذ في محصلتها سلطة اقلية، توظف موارد الدولة وجهازها، لخدمة امتيازاتها وحماية سلطتها، علي حساب بقية مكونات الشعب. وعموما، اي سلطة تخدم شريحة معينة (صغيرة حكما)، محكوم عليها بارتفاع كلفة الحماية، التي تنعكس بدورها سلبا (بؤسا) علي بقية الشرائح! او بتعبير آخر متخذ القرار معني بالولاء للجهات المنتفعة والحامية، وهو ما تعبر عنه طبيعة السلطة الحكامة ومرجعية شرعيتها. وهذا قد يكون افضل معيار لمقاربة الحكم علي حمدوك، وتحديد الموقف منه ومن الثورة. وهو ما يبيح القول، ان الثورة التي لا تنجز شعارتها ووعودها، تفرز نقيضها بطريقة اكثر شراسة. اي الامر يتعدي الثورة المضادة التي تعني العداء المياشر، الي تزييف شعارات الثورة من داخلها، عبر مصادرة تفسيرها والحديث والعمل باسمها، بما يسمح بتمرير مصالح وغايات علي الضد من مضامينها، وتاليا منح التضليل والسرقة وانحراف المسار، ليس صبغة شرعية، ولكن للمفارقة ثورية ايضا!
وكذلك الثورة بقدر ما اتاحت فرصة ذهبية للاحزاب السياسية، للدفاع عن الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، وبناء دولة القانون والمؤسسات والعدالة والمواطنة، اي بصفة عامة السعي الجاد نحو صناعة الدولة المدنية. من خلال التوافق علي برنامج الحد الادني، الذي يحجم العسكر، ويدفع غوائل المليشيات، ودسائس الدولة العميقة، وتدخلات الدول الاقليمية. بقدر ما عرضت الاحزاب السياسية تهافت مذل علي السلطة، واغتنام المناصب، لدرجة مكنت العسكر والدول الاقليمية، من التلاعب بها كيف ما تشاء، وباقل كلفة! وكأن الادوار قد عكست، اي ان يجيد العسكر لعب الدور السياسي، بكل غباءهم الموصوف بعاليه وافلاسهم السياسي (عسكرة السياسة او استبدال الحوار بالاوامر او التفكير بالبندقية)! وان يتقمص السياسيون دور وذهنية العسكر (كنمط تفكير واسلوب عمل ذو اتجاه واحد، هدفه السلطة كغاية)! والمحصلة، تشويه صورة السياسة كتدبير سلمي للشأن العام، ومكانة السياسيين كملكات وقدرات علي الاقناع. واذا علمنا ان لا حياة ديمقراطية من غير احزاب سياسية، عندها يستبين حجم المأزق او الانطباع السيء، الذي تركته النخبة السياسية الانتهازية، علي مستقبل الحياة السياسية والديمقراطية في البلاد. وهي ذات الاساءة التي الحقها حمدوك بسمعة الدولة المدنية، من خلال اداءه الضعيف المرتبك، وتردده امام صلف وسطوة العسكر، وكأنه مرتكب جريمة تولي رئاسة مجلس الوزراء! وليس صاحب حق وشرعية مدعومة جماهيريا بصورة غير مسبوقة! ولو احسن حمدوك التعامل مع ما بين يديه من تفويض (مع توافر حسن النية الذي اثبتت الايام مدي غفلته) لالزم العسكر حدودهم، وإلا فالاستقالة اكرم للثوري الحق. ولكن من اين لحمدوك بقوة الشخصية والثقة في النفس والصدق والشفافية؟ وهي اشياء لا تشتري او يتم حقنها في اروقة الامم المتحدة! فهذه قيم وصفات خليق بها ساحات النضال وضيق المعتقلات والايمان بالقضايا والتزام جادة الشعب.
اما الحركات المسلحة مع تفاوت مواقفها، فامرها محير (اذا ما صدقنا شعاراتها)! فبقدر ما اتاحت لها الثورة فرصة لمغادرة لغة السلاح المكلفة علي منطاقها اكثر من غيرها، ومدخل لمعالجة جذور الازمة الوطنية (التي تستدعي اعادة تعريفها جمعيا بعيدا عن المزايدات وما شابها من تنازع مفتعل). وذلك من خلال التزام جانب الثوار (وهو ما كان متاح)، لصالح بناء جبهة عريضة، تضم اصحاب المصلحة في التغيير، وتضع برنامج وخطوات وادوات عمل، لانجاز مشروع التغيير الحقيقي، الذي يعيد تضميد جراح الماضي ويعالج الاخطاء، وينفتح علي روح وعقليات ونفسيات جديدة، تقطع مع الترسبات والصور النمطية السلبية، بين مكونات الدولة السودانية، وهو ما تحقق عيانا بيانا طوال ايام الثورة، وبصفة خاصة في ساحة الاعتصام، كدلالة علي امكانية تنزيله علي ارض الواقع في كل البلاد، اذا ما حسنت النوايا وصفت النفوس ونضج التفكير وتوسعت الرؤية .
ونجد قسم من الحركات اعتصم بموقفه ما قبل الثورة، دون ادني اعتبار لما تواجهه الثورة من مخاطر، سواء من العسكر والمليشيات او من قبل سراق الثورات من الانتهازية السياسية، او من قبل التدخلات الاقليمية، بدافعها في العداء الوجودي لكل ما له صلة بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية ورد الاعتبار لمواطنية المواطنين، بل حتي حكومة الثورة ممثلة في حمدوك استغل هذه المواقف، للالتفاف علي واحد من اهم استحقاقات الوثيقة الدستورية، التي ترد جزء من انجازات الثورة، للثوار والقوي الثورية، والمقصود المجلس التشريعي، بوصفه آلية تشريع ورقابة ومحاسبة لاداء الحكومة، وكامل الفترة الانتقالية. وهو ما يضع المزيد من علامات الاستفهام حول حقيقة موقف حمدوك من الثورة، لان هكذا مجلس كان في وسعه ايضا، تقديم الدعم لحمدوك اذا ما كان يعمل لصالح الثورة!! وهل قلنا شيئا عن بقية استحقاقات الوثيقة الدستورية التي اصبحت اثرا بعد عين، نتيجة للمماطلات والتسويف من كل الاطراف المستفيدة من بقاء الاحوال علي حالها!
اما القسم الآخر من الحركات المسلحة فقد كانت كالعهد بها، مهرولة نحو امتيازات السلطة، متذرِّعة بشعار التهميش، كافضل وسيلة لتحصيل اكبر قدر من الامتيازات والمكاسب، ولا عزاء لاهل مناطقها الذين يعانون ويلات النزوح واللجوء، ولا لقضية معالجة جذور الازمة الوطنية (كلمة حق يراد بها مآرب خاصة) عبر حصرها في مربع السلطة، باستغلال مكونات العرقية والجهوية والمناطقية (كآليات استقطاب تشابه الدين، اي تضفي مضامين انتماء، في دولة اكثر ما تعاني غياب الانتماء للدولة)! قبل ان تُظهر نزعات غير مواطنية (ضد ابناء المركز)، بعد تحميلهم كامل المسؤولية عما حدث في الاطراف من حروبات، كانت هي طرف اصيل فيها، وتاليا شريك في افرازتها علي كافة المستويات! اي شئ شبيه بمقولة رمتني بداءها وانسلت او (علي طريقة قول القط المتحفز لافتراس الفار، الشريك في الغارب وسط البحر، ما تكشح!!). والقصد من ذلك، مصادرة حقوق ابناء المركز مسبقا، وفرض حصار علي مطالبهم، بعد حشرهم في زاوية الاحساس بذنوب لم يقترفوها، بل لاموا من اقترفها، كجزء من اقترفات كثيرة، لم تستثنِ سوي المجرمين! وباختصار، ليس في وسع تفكير مأزوم يخلط بين القضايا والمشاعر، إلا ان ينزلق لمقاربة كل المشاكل او يعزوها، لما يشبه نظرية المؤامرة، او احلال الرغبات محل الموضوعية، والانتصار للذات علي حساب العقلانية (المصلحة العامة علي المدي الظويل)، وذلك غض النظر عن طبيعة المشاكل، او تصوره لشكل المستقبل. والحال كذلك، كان من الطبيعي ان تجد هذه الحركات ضالتها في المكون العسكري، كصاحب شوكة في توازن السلطة الانتقالية، وان تحيل اتفاقية السلام الي نوع من المحاصصات البائسة، لخدمة طموحات ومشاريع قادة الحركات المسلحة. لكل ذلك، وبدل ان تنشر الاتفاقية السلام في ربوع البلاد، تفجرت الحروبات بصورة اعنف في مناطق النزاعات، قبل ان تحتشد العاصمة بكل انواع السلاح والمسلحين، وتتحول لبارود قابل للاشتعال في اي لحظة جنون نيرونية! بل وزادت نفقات التسليح والدفاع والامن، عوض ان تنحسر المظاهر والمصروفات العسكرية، ومن ثمَّ توظف تلك الموارد في مشاريع التنمية وتحسين الخدمات. ولذا افضل وصف يمكن ان يطلق علي هكذا اتفاقية سلام محاصصية، انها لا ظهر ابقت (قللت نفقات) ولا ارض قطعت (انجزت سلام). وهي المحصلة المتوقعة التي تتجاوز الحركات المسلحة، لتطاول مجمل تاريخ مقاربتنا السياسية لازمات البلاد، وهي التباس الفوارق (التمايز) بين الغاية والوسيلة، اي بدل ان تحكم السياسة السلطة، اصبحت السلطة هي ما يحكم السياسة، ليس كمطالب وشغف، ولكن كاطار وموجهات تفكير. اي لم يكن هنالك انفصال بين العقل السياسي (السياسة كقضية مفكر فيها) وبين السلطة (كوظيفة او ممارسة للسياسة). واحتمال هذا التشويش الذي يحكم العقل والفعل والغاية السياسية، هو السبب الاساس في ابتلاء الانقلابات الذي طبع تاريخنا السياسي منذ الاستقلال. بل هو ذات الشئ الذي جعل الانتهازية السياسية من السهولة بمكان، وكذلك الانشقاقات التي تطاول كل التشكيلات السياسية بطريقة اقرب للمهزلة.
اذا صح ذلك، يصح ان الازمة في اصلها، ازمة قضايا ومقاربات، وارادة ومقدرات. وعليه، ليس مصادفة ان يُنظر ويتم التعامل مع الفترة الانتقالية بكل هشاشتها، بذات الطرق التي كرست للازمة وقادت للثورة. اي بدل التاسيس لرؤية ومنهجية جديدة، واساليب ادارة مختلفة، في التعاطي مع الازمات المركبة، اي ما يمكن تسميته الادارة بروح العصر (ايكال كل امر لاهل الاختصاص، بعد تحديد الاطار العام والتنسيق بين الاختصاصات، بما يراعي الاولويات والامكانات والمراحل)! نجد ان الخفة والعشوائية واساليب الترضيات، ورزق اليوم باليوم، هو الحاكم للفترة الانتقالية! اي ليس هنالك مشروع واضح المعالم تتحدد فيه المهام والمسؤوليات، وانما تتعدد المشاريع والتوجهات والقرارات، بتعدد طموحات من يحكمون، والذين اكثر ما يميزهم العمل بروح الفردية، نسبة لانعدام الثقة والكره والكيد لبعضهم البعض!
وبدل التعامل مع الفترة الانتقالية كفرصة نادرة، لمعالجة الاخطاء التاريخية واحداث تغيير حقيقي، اصبحت مطمع لتحصيل المكاسب الآنية، والترتيب لاحتكار المستقبل بصورة حصرية! والمحصلة، بدل ان تفتح الفترة الانتقالية طاقة امل للمستقبل، مليئة بالحماس والرغبة في الحياة والتضامن الاجتماعي، اصبحت موضع تشاؤم من المستقبل ورغبة في الهروب والخلاص الفردي بكل الوسائل (والبحار جاهزة لابتلاع المزيد من الغبش الاشقياء، الذين لا تشبههم مؤتمرات كمؤتمر باريس!!).
اما ما زاد الطين بلة، وافقد الفترة الانتقالية محتواها وجدواها ووعودها، ان قادتها في الاصل مجرمون متورطون في دماء الابرياء، ومتهمون بالارتهان للخارج! اي نحن حيال مجرمين يحكمون وليس قادة دولة يديرون، فكيف الحال والفترات الانتقالية بطبعها، تحتاج لحكماء وليس حكام مؤهلون فقط؟ والمحصلة، اصبحت الفترة الانتقالية حصانة للمجرمين، اكثر من كونها اعادة تاسيس للدولة علي اسس حديثة؟!
والمؤكد ان الفترة الانتقالية بتركيبتها الضيزي الحالية، من خلال تحيُّزها للعسكر والمليشيات والحركات المسلحة وتحييدها للثوار، واكتراثها لمطالب ومصالح الخارج، اكثر من حاجات واحتياجات الداخل! لهي أسوأ ما يعقب ثورة عظيمة كثورة ديسمبر. ولكن محاولة اسقاطها من غير وجود قوي منظمة حقيقية، لا تملك برنامج واقعي وطموح فقط، ولكن ايضا القدرة علي اقناع شعب، لم يتعافَ بعد من آثار صدمته، من فشل الحكومة الانتقالية، وبؤس امكانات قادتها المدنيين علي وجه الخصوص (ليفكر او يرغب في بديل مدني؟!). والاهم توافر اجابات عملية لكل التساؤلات المشروعة، مثل كيفية التعامل مع كل هذه القوات المنظمة وغير المنظمة الحاملة للسلاح، والراغبة في السلطة كمطمح وجودي؟ وكذلك التعامل مع نفوذ الدول الاقليمة المعادية للثورات؟ وكيفية حماية الثوار من الموت المجاني خلال المسيرات …الخ؟! اما غير ذلك، فلا يعدو كونه مجازفة غير مأمونة العواقب، وافضل منها الضغط لتعديل مسار الفترة الانتقالية، نحو المزيد من الاصلاح المطلوب.
واخيرا
التحية للاستاذ طارق الجزولي والطاقم العامل والجنود المجهولين الذين يعطون دون مَنْ، خاصة وقد كنا نجهل ما يبذولنه من جهود حتي تكون الاستمرارية ممكنة، وفي البال توقف موقع حريات وما سببه ذلك التوقف من حزن واسف عبرنا عنه في حينه، وما زال في الحلقة غصة. وهو ما يجعل الشكر يمتد لكل العاملين في الصحف الالكترونية، وعلي الاخص الذين يلتزمون بما يرفعونه من شعارات تنادي بحرية الراي! خاصة وقد اصبحت هذه الصحف متنفس وفضاء فسيح، للتداول في الشان العام، بين ابناء الوطن في الخارج والداخل، قبل ان تفتح المجال لظهور اصوات شابة، لتتفاعل مع رموز الكتابة والصحافة من كافة الاجيال. ودمتم في رعاية الله.
////////////////////


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!