الشيخ صلاح الحجيلان…. الرحيل المفاجئ .. بقلم: محمد التجاني عمر قش


وما الموت إلا سارق دق شخصه يصول بلا كف ويسعى بلا رجل
إذا ما تأملت الزمان وصرفه تيقنت أن الموت ضرب من القتل
“أبو الطيب المتنبي”
بعض الناس لا يعد هلكه هلك واحد، بل بنيان قوم تهدما، ومن هؤلاء الرجال القامات المحامي الراحل الشيخ صلاح إبراهيم الحجيلان، رحمه الله وغفر له، فقد رحل عن هذه الدنيا الفانية فجأة في صباح يوم الجمعة التاسع من شهر شوال لعام 1442 في منزله العامر بمدينة الرياض. ولد الشيخ صلاح الحجيلان، في عام 1360 هجرية في أسرة ميسورة الحال، إذ كان والده يعمل بالتجارة، ونشأ كسائر أقرانه في ذلك الوقت حيث درس جميع المراحل في المملكة العربية السعودية، ثم شد الرحال إلى أرض الكنانة مصر، حيث درس القانون في جامعة القاهرة على يد جهابذة من العلماء، ونال درجة الليسانس بتفوق، حتى تخرج عام 1962، فقد كان يتميز بذكاء شديد وحب للقانون؛ ولعل هذا هو سبب نجاحه فيما بعد حتى أصبح علماً على رأسه نار في هذا المجال الحقوقي، في وقت كانت فيه ممارسة المحاماة في المملكة يكتنفها كثير من العقبات؛ خاصة إذا علمنا أن الراحل هو أحد أول أربعة يمارسون هذه المهنة الشاقة والممتعة في الديار السعودية.
تميز الفقيد الراحل الشيخ صلاح الحجيلان بمناقب شخصية جمة، خلدها شعراً الأستاذ أمين بلة الأمين، حيث جمعت بينهم ظروف العمل، في مكتب الحجيلان للمحاماة والاستشارات القانونية، لمدة تجاوزت أربعة عقود فقال يمدح شيخ صلاح بما هو أهل له:
جسارةٌ وحِكمةٌ ومنطِقُ وطلعةٌ مَهيبةٌ وروْنقُ
وهمةٌ موفورةٌ وجرأةٌ تُنازل الأهوال حين تَطرقُ
ومُهجةٌ رحيمةٌ وسيرةٌ تفـوح بالشّذى وتَعْبَقُ
ووقفةٍ في الحق لا يُنكرها إلا حسُود ظالمٌ أو مُحنقُ
وذِروةٍ للمجد لا يَطالُها مكابرٌ أو جاهلٌ أو أحمقُ
أدركْتَها ولم تـزلْ تكلؤُها بوافرٍ من العطاءِ تُغدقُ
أبو حُسام شادَها مناقبا جليةً كالشمسِ حين تُشرقُ
البذلُ والإنفاقُ من عاداته والبرُ والإحسانُ والتصدّقُ
عرف الراحل صلاح الحجيلان بالذكاء اللماح فلم تكن تفت عليه شاردة ولا واردة، ولم يكن يترك الأمور لمحض الصدف، بل كان يخطط لما يقدم عليه من عمل بكل حنكة واقتدار، مستفيداً من خبرته المتراكمة وعلمه بروح القوانين والأنظمة والشرائع ونصوصها وتفسيراتها، مع إلمامه الواسع بمداخل المحاماة ومخارجها وطرائقها التي لا تخلو من التعقيد في بعض الأحيان! ويضاف إلى ذلك أن المحامي صلاح الحجيلان، تغمده الله بواسع رحمته، كان قد نال درجة الماجستير في مجال العلاقات العامة من إحدى الجامعات الرفيعة في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث درس اللغة الإنجليزية وأتقنها بطريقة تذهل من يستمع إليه. هذا فضلاً عما عرف عنه من قوة الشخصية والقدرة على التأثير والقيادة والشكيمة، وحسن التعامل مع الناس الذين من حوله، واستطاع توظيف كل هذه المناقب الجمة في عمله وعلاقاته الاجتماعية والمهنية فحقق نجاحاً غير مسبوق، كما شهد بذلك كل من أرتبط به أو تعامل معه، على الأصعدة كافة. وعرف عنه أيضاً القدرة على التعبير عن رأيه بكل صراحة وصلابة وحسن بيان، فقد أوتي ناصية الفصاحة واللباقة وصقلها بالدراسة والتعلم وحسن التصرف.
أما على المستوى المهني فيكفي صلاح الحجيلان فخراً أن كان ضمن أول أربعة محامين بدأوا العمل في مجال المحاماة في المملكة العربية السعودية، فقد أسس شركه خاصة به في هذا المجال في عام 1967 لتصبح مكتب صلاح الحجيلان للمحاماة والاستشارات القانونية، فكان مكتباً رائداً يقوم على أسس مهنية قوية وسليمة؛ حتى تدرب فيه عشرات من المحامين الشباب من السعوديين الذين أصبحوا من الذين يشار إليهم بالبنان في مجال عملهم وجميعهم مدينون بالفضل لهذا الرجل العظيم الذي أتاح لهم الفرصة ومهد لهم طريق النجاح بكل أريحية ورعاية أبوية. ويعلم الجميع أن الشيخ صلاح الحجيلان قد اختط لنفسه طريقاً متفرداً في مجال المحاماة؛ إذ لم يكن يرضى بأقل من التميز في عمله، فوظّف عباقرة من المحامين من مختلف الجنسيات من أصحاب المعرفة والخبرة، كل في مجاله وتخصصه القانوني. ومن طبيعة هذا الرجل العبقري تمحيص الأمور والاستماع إلى آراء مستشاريه حتى إذا تبلورت عنده الفكرة تبناها ووضعها في القالب الذي يراه مناسباً لتصبح مقنعة لكل من يطلع عليها، كما شهد بذلك كل من تعامل معه عن كثب.
سيرة الشيخ صلاح الحجيلان تصلح لأن تقدم نموذجاً لمن يريد العمل بالمحاماة والمجال القانوني، ليس في المملكة العربية السعودية فحسب، بل في سائر أرجاء الوطن العربي من المشرق إلى المغرب، فقد كان الرجل ضليعاً في هذا المجال، واكتسب شهرة واسعة، ورسخ قيماً متفردة ومهد الطريق لكل من يريد السير على هذا الطريق. كان الراحل، نسأل الله أن ينزل عليه شآبيب الرحمة، صاحب علاقات واسعة مع رجالات الدول ووجوه المجتمع ورموز الفكر والقانون منذ بواكير عمره فثبت أقدامه ووسع مداركه وخلف هذا الصيت، وعزاؤنا لأسرته وأصدقائه وتلاميذه وزملائه. وثقتنا في أن أبناءه حسام وسلطان وفارس وبنته حنين، وكلهم مختص في القانون، سيحملون الراية من بعده، بكل حنكة واقتدار.

tijani@hejailanlaw.com
////////////////

 


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!