التعليم العالي والحاجة الى تغييرٍ جذري  .. بقلم: سمير محمد علي حمد


لا شك ان بناء الانسان وتطوير قدراته ومهاراته لا يتم الا من خلال التعليم الجيِّد والشامل. فالتعليم الجيِّد هو القاسم المشترك لكل الدول التي استطاعت الارتقاء الي فضاءات التنمية والتطور وتحقيق الحرية والعدالة والعيش الكريم لشعوبها. فالتغيير الشامل في السودان والخروج به من النفق المظلم الذي ادخله فيه النظام الاسلاموي البائد لن يتم – من وجهة نظر كاتب المقال – الا من خلال توفير تعليم جيِّد وشامل لإنسانه في كل اقاليمه. فمعظم المشاكل التي يعاني منها السودان حالياً هي بسبب افتقار مناطق عديدة من السودان للتعليم كماً ونوعاً وانتشار الأمية بنسبة تصل الي 26% [1]. يقول تقرير صادر عن الحزب الشيوعي السوداني في ديسمبر 2017م ان: 31%”  من الأطفال في سن تعليم الأساس لا يُستوعبون في التعليم الأساسي و28% فقط يُستوعبون في التعليم الثانوي” [2]. وبينت احصائيات نتيجة الشهادة الثانوية السودانية للعام 2020م ان نسبة النجاح في الشهادة الثانوية كانت 56% من الجالسين للحصول عليها، أي ان نصف المستوعبين للتعليم الثانوي تقريبا قد يحصلون على مقاعد للدراسة الجامعية. هذا هو حال التعليم من حيث الكم اما من حيث الكيف فالوضع اكثر قتامةً.
ففي راي كاتب المقال فان محدودية التعليم وفقره سبب اساسي في الازمات الاقتصادية والاضطرابات الامنية التي ظل يعاني منها السودان لفترات طويلة وليس العكس كما يعتقد البعض. لذا فان الاهتمام بالتعليم والتوسع الكمي والنوعي في شقيه العام والعالي من الاولويات الآنية الملحة للخروج بالسودان من ازماته الاقتصادية والامنية على المدي المتوسط والبعيد. فتوفير تعليم عام جيد يطور مهارات العقل الناقد والتفكير المستقل والثقة بالنفس واتخاذ القرار وتحمل المسئولية لدى الناشئة في كل اقاليم السودان، ومن ثم اتباعه بتعليم جامعي مرتبط بحاجات التنمية المستدامة في السودان، سيضمن مستقبل جيد للسودان يتمتع مواطنه بالأمن والاستقرار وبحقوقه كانسان، وتتقدم فيه خطى التنمية. كما سيعمل ذلك على اضمحلال النعرات القبلية والاثنية والطائفية التي ظل يعاني منها السودان طويلاً بسبب انتشار الجهل، وستتلاشى تلك التراتبية القبلية والتي تجعل من البعض اوصياء وسادة على اخرين بناءً على امتياز النسب الموروث ليس الا، بمسمي ناظر، عمدة، سلطان، شرتاي، امام، شيخ سجادة، الخ … وسيصبح التعليم الجيد الشامل حال توفره لجميع اطفال السودان هو الوسيلة لتحقيق الطموح وتحقيق التطلعات للأفراد والمجتمعات بدلاً من ظاهرة اللجوء الي السلاح والعنف او المتاجرة بالدين لتحقيق ذلك.
اتاحت ثورة 19 ديسمبر المجيدة سانحة لأجراء تغيير جذري في التعليم العام والعالي في السودان ومن ثم في المجتمع ككل، ولكن يبدو ان هنالك خلل بيّن في ترتيب الاولويات لدي قوي الثورة ومعيقات لتحقيق ذلك، وهذا يتمثل في الاتي:
1. عدم وعي قوى الثورة بأهمية التعليم في عملية التغيير الشامل، فما ان احتدم الصراع حول الوزرات بينها، اندفع الجميع للظفر بوزارات مثل الخارجية والمالية والزراعة والثروة الحيوانية الخ … بينما زهد الجميع في وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي، فظلت الاولي بدون وزير حتى الان، بينما لم يهتم احد بالثانية فأوكل الامر لنفس الوزيرة السابقة والتي في راي كاتب المقال انها لم تثبت حتي الان انها في قامة احداث التغيير الجذري المنشود في التعليم العالي في السودان، حيث مازالت هذه الوزارة تدور في نفس فلك سياسيات النظام البائد.
2. لا زال هنالك وجود مؤثر لأعداء الثورة داخل الوزارات المعنية بالتعليم، وهؤلاء يعملون على مقاومة اي تغيير في اتجاه تحقيق اهداف الثورة.
3. تربص بقايا اللجنة الامنية للنظام البائد والتي تشارك في قمة هرم السلطة الانتقالية، بالحكومة المدنية والتدخل في سلطاتها لتعطيل تحقيق اهداف الثورة كلما سنحت لها الفرصة، وقد ظهر ذلك جلياً في تدخلهم لاستبعاد وزير التربية والتعليم، وهو الذي امتلك رؤية واضحة للإصلاح الجذري للتعليم. هذه الرؤية الاصلاحية التي عارضها مَن يدّعون انهم حراس الدين بتحويل المنابر الى بكائيات تدغدغ المشاعر الدينية لدي البسطاء حتي نجحوا في اعاقة مسيرة الاصلاح واستبعاد الوزير فوئدت رؤيته الاصلاحية الواعدة في مهدها.
لعل وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي هما من اكثر الوزارات التي اصابها العبث الاسلاموى خلال سيطرتهم علي مقاليد الامور لمدة ثلاثين سنة عجاف، والذي شمل السياسات والاستراتيجيات والهياكل والمناهج التعليمية، وتجيير كل ذلك لخدمة اغراض تحقيق المشروع الحضاري المزعوم، وتثبيت اركان سياسات التمكين الاسلاموي، مما نتج عنه المشهد المأساوي لنواتج التعليم العام والعالي الماثل الان. لم تكن سياسات النظام الاسلاموي في التعليم في السودان الا حلقة من ايدلوجيا التنظيم الاسلاموي الذي يسعى لتعريب واسلمة السودان وفق المفهوم الاسلاموي، ومن جانب اخر جعل التعليم ومؤسساته رافد من روافد التمكين الاقتصادي لمنتسبيه، بل والعبث بالقوانين واعادة تفصيل لوائح القبول بالجامعات وفق ما يُرضيهم، لتتيح لمنسوبيهم نيل مؤهلات جامعية وتحقيق انجازات علمية متوهمة. ومن المؤسف ان تستمر نفس هذه السياسات تحكم العملية التعليمية في السودان حتى الان.
فبعد ان كان السودان رائدا في مجال التعليم في محيطه العربي والافريقي – فقد كانت بخت الرضا منارة التعليم في المنطقة وجامعة الخرطوم لا تضاهيها أي جامعة في المحيط الاقليمي ذلك حتى قبيل 1990م – تدهور النظام التعليمي والمؤسسات التعليمية السودانية خلال سنوات الحكم الاسلاموي العجاف، مقارنة بالتعليم في المنطقة العربية والافريقية. لعل من اهم الاسباب التي ادت الي ذلك تتلخص في:
1. تغيير السلم التعليمي للتعليم العام، وتغيير المناهج وفق اسس ايدولوجية تخدم المشروع الحضاري الاسلاموي المزعوم.
2. تجفيف معاهد تدريب المعلمين والتخلص من بخت الرضا بدلا من تطويرها.
3.جعل التعليم العام شأن ولائياً محلياً كلياً، اضر ضررا بليغا بالتعليم العام.
4. تدني الميزانيات المرصودة للتعليم العام والعالي وتخلي الدولة عن مسئوليتها في الصرف على التعليم والسماح للقطاع الخاص بالاستثمار في التعليم بدون ضوابط اكاديمية صارمة.
5. العبث بسياسات القبول للجامعات بإدخال معايير لا تستند على المقدرات الذاتية للطالب ولا على مبدأ العدالة والاستحقاق الاكاديمي في القبول للمقاعد المتاحة بالجامعات، اضر كثيرا بالتعليم الجامعي. ففي العهد البائد – ولم يتغير الوضع حتى الان – اصبح القبول للجامعة يعتمد علي ما تملكه من مال بفضل سياسة القبول على النفقة الخاصة، ويعتمد على النَّسب (صلة القرابة) بفضل سياسة قبول ابناء العاملين وزوجاتهم, وابناء الولايات الاقل نمواً، وما يعرف بقبول الناضجين، وابناء وزوجات الشهداء وحفظة القران الكريم .. الخ. كل هذا العبث ادي لتضييق فرص القبول على أصحاب المواهب والقدرات الذاتية الحقيقية من الفقراء من الالتحاق بالكليات التي يرغبونها، فامتلأت الكليات المرموقة في الجامعات بضامري القدرات والمواهب من اصحاب المال، وكادت ان تخلو من اصحاب المواهب والقدرات الحقيقية الفقراء. فسياسة القبول علي النفقة الخاصة تمكن الطالب الغنى والضعيف القدرات من شراء نسبة 12% – حالياً 10% – واضافتها الي نسبته الهزيلة حتى يستطيع معادلة النسبة المطلوبة للدخول للكلية المعنية، ففي العام 2020 مثلاً كانت قيمة الـ 10% لكلية الطب جامعة الخرطوم بمبلغ مليار جنيه سوداني أي بمعدل 100000ج لكل 1%! امر غير اخلاقي ولا يمت الى العدالة باي صلة.
6. تساهل وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي في شروط انشاء المؤسسات التعليمية الخاصة، فسمحت بالاستثمار في التعليم بدون أي رؤية تستند على اهداف اكاديمية وتنموية للمجتمع. فلم تكن هنالك ضوابط ملزمة او معايير صارمة فيما يتعلق:
(أ) بتوافر مقر للمؤسسة المراد انشاءها وملائمته كمؤسسة تعليمية.
(ب) بمؤهلات المعلمين وهيئة التدريس والكوادر الاخرى.
(ج) بالتوزيع الجغرافي للمؤسسات التعليمية.
(د) بمجالات الدراسة والبرامج الاكاديمية ومدي ارتباطها بحاجات سوق العمل.
(ه) بشروط القبول.
(و) بتحقيق معايير الجودة والاعتماد وطنية كانت او عالمية.
عدم وجود هذه المعايير او التساهل في تطبيقها جعل هذه المؤسسات تنشأ حسب تطلعات صاحب الاستثمار في تعظيم ارباحه دون ان تعترضه أي قيود او ضوابط اكاديمية. مع عدم وجود رؤية للتعليم وارتباطه بحاجات المجتمع وسوق العمل جعل هذه المؤسسات تطرح ما شاء لها من التخصصات مع الانتشار العشوائي جغرافياً. فنتج عن ذلك مؤسسات تجارية يُطلق عليها مجازاً جامعات، يملك اكثرها منتسبي النظام الاسلاموي ومن يدورون في فلكهم، تستخدم التعليم في تضخيم حساباتها كهدف اساسي بغض النظر عن المخرجات التعليمية وجودتها. فنجاح المؤسسة التعليمية عند هؤلاء – طالما ان الوزارة لا تمارس عليهم الرقابة المطلوبة – لا يقاس بجودة مخرجات التعلم، ولا بكم البحوث الرصينة التي انتجتها المؤسسة، ولا بمقدار الخدمات التي ساهمت بها لتنمية المجتمع، وانما تقاس بالأرباح السنوية بالعملة الاجنبية والمحلية التي حققتها. فاصبح في مقدور كل من يملك المال الحصول على المؤهل الذي يريد، وفي التخصص الذي يريد، وان ضعفت قدراته، بينما صاحب القدرات الفقير عليه ان يرتضي أي كلية في أي جامعة حكومية ان استطاع الى ذلك سبيلاً، والا فليترك الدراسة. ذلك جعل التعليم وكانه تجارةً في المؤهلات الاكاديمية لا اكثر متاحة لمن يملك قيمتها مالاً، بدلاً ان يكون استثماراً في العقول يحظى به اصحاب المواهب والقدرات، ليعود نفعاً وتنميةً للوطن ورفاه انسانه.
7. لعدم وجود استراتيجية واضحة للتعليم كانت الفوضى الاكاديمية هي سيدة الموقف في كل ما يتعلق بالتعليم. وابرز مظاهر ذلك تكاثر المؤسسات التعليمية العليا من كليات وجامعات اهلية بشكل عشوائي شكلاً ومضموناً وتوزيعاً جغرافياً حتي بلغت 106 مؤسسة تعليمية عليا اهلية، 82 منها متمركزة بالعاصمة المثلثة (أي حوالي 77% من المؤسسات الاهلية)، هذا اضافة الي 39 جامعة حكومية، 33% منها بالعاصمة المثلثة. أي ان السودان حالياً به 145 مؤسسة جامعية منها 94 مؤسسة بالعاصمة المثلثة (65% من مؤسسات التعليم العالي الكلية بالسودان). كما ان 103 مؤسسة من المؤسسات الاهلية قائمة على اساس ربحي تجاري بحت (وهي 97% من المؤسسات الاهلية). ويبرز الغرض التجاري من هذه المؤسسات الخاصة واضحاً بتركيزها علي البرامج الدراسية في مجالي الطب والهندسة دون النظر للقدرات الواجب توافرها فيمن يلتحق بمثل هذه المجالات. فمعظم هذه المؤسسات بدأت بكلية الطب كأول كلية بها ثم توسعت دون حسيب او رقيب من سلطات وزارة التعليم العالي. فبلغت كليات الطب في المؤسسات الاهلية فقط 46 كلية للطب، إضافة لحوالي 27 كلية طب بالجامعات الحكومية، هذا عدا كليات طب الاسنان والصيدلة.
8. زيادة عدد الطلاب بالجامعات دون اعتبار لإمكانيات الجامعات البشرية والمادية. فحسب احصائيات وزارة التعليم العالي للعام 2017/2018م كان عدد الطلاب الكلي المقيدين بـ 49 جامعة سودانية 680696 طالب (الكليات الجامعية غير متضمنة)، بينما عدد اعضاء هيئة التدريس بهذه الجامعات 16615 عضواً، اي ان متوسط نسبة الطلاب الي اعضاء هيئة التدريس بالجامعات السودانية الحكومية قد بلغت 41 طالب لكل عضو هيئة تدريس وهي مؤشر يبين ضعف اهم اركان العملية التعليمية (متوسط هذه النسبة في الجامعات الامريكية 14 طالب لكل عضو هيئة تدريس في العام 2019/2020م [3]). للمقارنة فقط بين ما قبل استيلاء النظام الاسلاموي على السلطة وما بعد ذلك، وبأخذ جامعتي “السودان للعلوم والتكنولوجيا” و”الجزيرة” كمثالين فان نسبة الطلاب الي اعضاء هيئة التدريس بـجامعة “السودان للعلوم والتكنولوجيا”  في العام الدراسي 1989/1990م كانت 11.5 (عدد الطلاب: 2804، عدد اعضاء هيئة التدريس: 245) بينما ارتفعت في العام الدراسي 2017/2018م الي 55.5 (عدد الطلاب: 61174، عدد اعضاء هيئة التدريس: 1102)، اما جامعة “الجزيرة” فكانت في العام الدراسي 1989/1990م 7.4 (عدد الطلاب: 1371، عدد اعضاء هيئة التدريس: 186) بينما ارتفعت في العام الدراسي 2017/2018م الي 20.4 (عدد الطلاب: 24947، عدد اعضاء هيئة التدريس: 1226)  وهي من افضل النسب في الجامعات السودانية حينها. (مصدر البيانات: احصائيات وزارة التعليم العالي).
9. أصبحت الدرجات العلمية فوق الجامعية (ماجستير، دكتوراه) تمنح حتي لمن لم يتحصل حتى على شهادة المدارس الثانوية.
10. التساهل في ضوابط منح الرتب العلمية (استاذ امتياز، استاذ، استاذ مشارك، … الخ) لأعضاء هيئة التدريس بالجامعات وعدم ربطها بالإنجازات البحثية الرصينة، مما اضر بعملية البحث العلمي في الجامعات ومراكز البحوث، وبالتالي اضر بعملية التنمية في البلاد، حيث نجد انتشار كثيف لرتبتي الاستاذ (البروفيسور) والاستاذ المشارك في السودان بما لا يتناسب مع البحوث الرصينة المنجزة بالجامعات السودانية. فنجد مثلاً ان عدد اعضاء هيئة التدريس بالجامعات السودانية من رتبتي الاستاذ والاستاذ المشارك خلال الفترة ما بين 2007/2008 الى 2017/2018م زاد من من 1772 الي 3481 أي بزيادة 1709 عضو (المصدر: احصائيات وزارة التعليم العالي)، بينما كانت البحوث المنجزة خلال نفس الفترة 4379 بحث [4]. فاذا افترضنا ان كل هذه البحوث قام بإنجازها فقط هؤلاء ألـ 1709 عضو، يصبح معدل انجاز كل منهم البحثي لا يتعدى 2.6 ورقة بحثية خلال فترة عشرة سنوات وهو انتاج غير كاف لقبول أي ملف للترقية لرتبة الاستاذ او الاستاذ المشارك، فباي كيفية حصل كل هؤلاء على هذه الرتب الاكاديمية الرفيعة خلال هذه الفترة؟. فعدد البحوث العلمية المنشورة المدرجة في قواعد بيانات شبكة العلوم (*ISI) من السودان في الفترة من 2008م الي 2018م كانت 4379 بحث فقط، بينما كان العدد المقابل لكل من مصر والسعودية في نفس الفترة على التوالي  106891 بحث و112565 بحث [4]، ما يوضح بجلاء بؤس الجامعات السودانية في مجال الانتاج البحثي العلمي والخلل البيّن في ضوابط منح الدرجات العلمية والرتب الاكاديمية خلال العهد البائد.
11. لعل من اكثر القرارات التي ادت الي الضعف البيّن في مستوي الخريج الجامعي والاستاذ الجامعي علي حد سواء وبؤس انتاجه البحثي العلمي، هو قرار تعريب التدريس بمؤسسات التعليم العالي السودانية. فهذا القرار عزل المؤسسات الاكاديمية السودانية علمياً وتكنولوجياً عن العالم، فاللغة الانجليزية هي وسيط العلم والتكنولوجيا في هذا الزمان فمن جهلها فقد اهم وسيلة للوصول الي منابع العلوم والتكنولوجيا. وللأسف جاء توقيت هذا القرار مع بدايات الطفرة التكنولوجية في مجال الحاسبات وثورة الاتصالات والمعلومات في بداية التسعينات من القرن الماضي، وكانت نتيجة هذه العزلة العلمية حجب وتغييب لأكثر من ثلاثين دفعة من الطلاب في الجامعات السودانية عن مواكبة مستجدات العلوم ونتائج الابحاث وتطبيقاتها في العالم من حولنا والحرمان من التفاعل مع كل ذلك. والمحصلة اننا في ذيلية الدول المستخدمة والمنتجة للتكنولوجيا، بل اصبحنا نستورد العمالة لإدارة مصانعنا.
12. عدم موائمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل. احصائيات وزارة التعليم العالي للعام 207/2018م تبين خلل واضح – من وجهة نظر كاتب المقال – في سياسات التعليم العالي المتعلقة بمؤهلات الخريجين (البكالوريوس/ الدبلوم) وتخصصات الخريجين (الدراسات الانسانية/العلوم والهندسة والتكنولوجيا ومجالات الطب والزراعة والبيطرة) وملائمتها مع احتياجات سوق العمل. تبين احصائيات العام 207/2018م ما يلي:
(أ) ان نسبة الطلاب المسجلين بالجامعات السودانية لنيل درجة الدبلوم نظام ثلاث سنوات كانت 14% بينما الطلاب المسجلين لنيل درجة البكالوريوس في هذه الجامعات كانت نسبتهم 86% من مجموع الطلاب. وهذه النسبة المختلة توضح خلل سياسات القبول التي نتج عنها اهدار مقدرات الدولة في اعداد مؤهلات لا يحتاجها سوق العمل وتقود الى تفاقم مشكلات البطالة وزيادة معدلاتها وسط الشباب. ويتضح هذا الخلل بجلاء في التخصصات التطبيقية/العملية مثل الهندسة والطب، ففي مجال الهندسة نجد ان الطلاب المقيدون بالجامعات السودانية لنيل بكالوريوس الهندسة بلغ 93.5% من مجموع طلاب الهندسة، بينما اولئك المقيدون لنيل دبلوم الهندسة 6.5% فقط من مجموع طلاب الهندسة في نفس العام. وبالنسبة للطب والعلوم الصحية نجد ان طلاب البكالوريوس 94.6% بينما طلاب الدبلوم 5.4% من مجموع طلاب الطب والعلوم الصحية في نفس العام. أي اننا نخرج اطباء ومهندسي اكثر من الكوادر الطبية والهندسية المساعدة بحوالي 19الى 18 مرة، وهي نسبة معكوسة في نظر كاتب المقال. لأداء فعال في الصناعة فان منظمة العمل الدولية توصي ان تكون نسبة المهندسين الي الفنيين الي العمالة الماهرة بنسبة 25:5:1 [5]، أي ان كل مهندس يقابله 5 فنيين و25 عامل ماهر. وعليه يُقترح ان تكون سياسات القبول بحيث تحدد 80% من المقاعد المحددة للقبول لبرامج الدبلوم و20% لبرامج البكالوريوس وان يكون ذلك وفق استراتيجية تحدد التخصصات المطلوبة والمرتبطة مباشرة باحتياجات سوق العمل السوداني.
(ب) ان نسبة الطلاب المسجلين بالجامعات السودانية في تخصصات الدراسات الانسانية والاجتماعية والتربوية كانت 71.4% بينما الطلاب المسجلين في التخصصات العلمية (العلوم والتكنولوجيا، الهندسة، التخصصات الطبية، الزراعة, والبيطرة) في هذه الجامعات كانت نسبتهم 28.6% من مجموع الطلاب في نفس العام. وهي ايضاً نسبة معكوسة فالسودان يحتاج لكوادر مؤهلة في المجالات التطبيقية/العملية لمقابلة حاجة الاستثمار المتوقعة في السودان من الموارد البشرية في مجالات الهندسة والطاقة والتكنولوجيا والمعلوماتية والزراعة والبيطرة والصناعات التحويلية والاعمال الحرفية، فالاستثمار يحتاج في المقام الاول لتوفر الموارد البشرية المدربة حتي لا يتم استيراد كوادر من الخارج. لذا فان نسبة القبول الحالية مختلة ومن المنطقي عكسها لتكون المقاعد المخصصة للتخصصات العلمية 70% (80% منها للدبلوم و20% للبكالوريوس كما ذكر آنفاً)، 30% للتخصصات الانسانية والاجتماعية والتربوية. كل ذلك يجب ان يتم وفق استراتيجية الدولة لمتطلبات سوق العمل وحاجات الاستثمار والتنمية.
والحال كذلك كان لابد لحكومة ثورة 19 ديسمبر المجيدة ان تولي مسألة التعليم العام والعالي الاولوية القصوى في التغيير، والبدء الفوري في ازالة كل عبث الاسلامويين عن النظام التعليمي في السودان. والشاهد ان الرؤية والارادة في عملية واقع التغيير كانت جلية في وزارة التربية والتعليم، فقد بدأت هذه الوزارة بالفعل في التأسيس لملامح تعليم جديد يختلف عن ذلك الذي خلفه النظام الاسلاموي، وهذا ما دعي قوى الظلام في التحرك بعدة وسائل لعرقلة هذا الاصلاحات ونجحوا بالفعل في ذلك، كما نجحوا في ازاحة وزير التربية والتعليم من موقعه بمساعدة بقايا اللجنة الامنية للنظام البائد في هرم السلطة، وصمت مريب من مجلس الوزراء وقوي الحرية والتغيير. وفي الجانب الاخر لم تتعرض وزارة التعليم العالي لأي مضايقات لا من قوي الظلام ولا بقايا اللجنة الامنية ولا قوي الثورة بل طالب مديرو الجامعات بتجديد الثقة في الوزيرة عند تشكيل حكومة الثورة الثانية رغم انها في نظر كاتب هذا المقال لم تقدم ما هو مأمول في احداث تغيير جذري في التعليم العالي في السودان وتنظيفه من العبث الاسلاموي الذي دمره. فما انجزته وزارة التعليم العالي حتى الان، والمتمثل في اجازة مشروع قانون تنظيم التعليم العالي والبحث العلمي، ومشروع قانون المجلس القومي لتقويم واعتماد مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي، ووضع استراتيجية التعليم العالي والبحث العلمي 2020م – 2030م في يوليو 2020م، ليس بالقدر الكافي ولا يعدو ان يكون تحسين لسياسات النظام البائد وموائمته مع شعارات ثورة ديسمبر المجيدة وليس تغييراً جذرياً فيها وبالتالي لن تقود الى التغيير المنشود في مخرجات التعليم العالي والبحث العلمي في السودان.
فاستراتيجية التعليم العالي والبحث العلمي في السودان 2020م – 2030م تشكل مسيرة التعليم العالي وتوجهات البحث العلمي في السودان خلال العشرة سنوات القادمة، بالتالي لها تأثير مباشر في رسم مستقبل السودان علي كل الصعد. لذلك كان من الخطأ ان تتنزل هذه الاستراتيجية من القمة دون مشاركة القاعدة في وضعها، كما انها اعتمدت على العقليات التي ظلت تدور في فلك النظام البائد خلال الثلاثين سنة الماضية في اروقة وزارة التعليم العالي، ولم يتم اشراك الخبراء والاكاديميين السودانيين في بلاد المهجر وهم الاكثر انفتاحاً ومعرفةً باتجاهات وسياسات التعليم العالي الحديثة، وبلا شك كانوا سيسهمون في وضع استراتيجية تواكب معطيات القرن الحادي والعشرين. تأسست الاستراتيجية على 5 محاور تحت رؤية عامة تنص على:
” تطوير قطاع للتعليم العالي والبحث العلميّ كمحرك رئيس ومساهم أساسي في تحقيق تنمية وازدهار المجتمع السُّوداني، على أن يكون متاحاً لجميع المواطنين المؤهلين أكاديمياً، بغض‬ النظر‬ عن خلفياتهم الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسية والنوعية والجغرافية والعرقية والدينية والاعاقة. وأن يكون متعدد التخصصات والبرامج المتنوعة ضمن مؤسسات حكومية وغير حكومية متمايزة، ملبياً لحاجات المجتمع في إثراء المعرفة، بإنتاجها ونشرها ونقل وتوطين التقانة، وتمكين أفراد المجتمع من المهارات، وأن يكون متنوع الأنماط ومرناً وذا جودة عالية، يستند على قيم المجتمع السُّوداني وثورة ديسمبر المجيدة‬‬‬‬”.
من وجهة نظر كاتب المقال ان استراتيجية بهذه الرؤية ذات السقف المتواضع لن تؤدي الي التغيير المأمول وتحويل السودان بموارده الغنية من دولة فقيرة مستقبلة للمساعدات والمعرفة والتكنولوجيا الي دولة قادرة على مساعدة الاخرين ومنتجة للمعرفة والتكنولوجيا وتوظيفهما لتحويل موارده لمنتجات اقتصادية. كما ان صياغة الاستراتيجية وبعض الاصطلاحات العلمية المستخدمة فيها تنتمي الي حقبة النظام البائد وربما يعود ذلك الي خلو الفريق الذي قام بأعدادها من الخبراء السودانيين في المهجر واقتصاره علي خبراء الداخل من الوزارة والذين لا زالوا يدورون في فلك النظام البائد. فيما يلي مزيد من التعليق على القصور البيًن في الاستراتيجية والتشويش الاصطلاحي لبعض المفردات الهامة التي وردت في الاستراتيجية:
1. فيما يتعلق بالرؤية فلنعد الي بدايات التعليم النظامي في السودان، حيث ارتبط تاريخ التعليم النظامي في السودان منذ كلية غردون بأعداد كفاءات ذات معارف لا تتعدى ادارة وتسيير دولاب الدولة، وبعد منتصف القرن الماضي اصبحت مؤسسات التعليم السودانية تساهم الى حد ما في انتاج المعرفة من خلال البحث العلمي اضافة الي اعدادها للكفاءات البشرية. ومنذ ذلك الحين وحتي الان لم تتطور مؤسساتنا التعليمية الي ما بعد انتاج ونشر المعرفة الا بقدر ضئيل. ونجد ان الرؤية التي بنيت عليها استراتيجية التعليم العالي والبحث العلمي في السودان 2020م – 2030م لا تتعدي انتاج ونقل المعرفة ونشرها وما سمته “توطين التقانة” وهي عبارة غير واضحة. وهذا سقف منخفض جداً لرؤية تؤسس لاستراتيجية عشرية للتعليم العالي في دولة. فاذا اسس السودان استراتيجية تعليمية اقصي طموح لها هو انتاج المعرفة ونشرها فسنظل بعد عشر سنوات في وضعنا الحالي مع توسع كمي ونوعي في المعارف المنتجة في احسن الفروض. وكان من المؤمل ان تذهب الرؤية الي ابعد من انتاج المعرفة لتتضمن تحويل المعرفة الي منتجات/تكنولوجيا او توظيفها مع التكنولوجيا لتحويل الموارد الي منتجات/تكنولوجيا جديدة. وان تكون هنالك سياسة واضحة المعالم في الاستراتيجية تهدف الي خلق كوادر تتعدى مقدراتهم عتبة الحصول علي المؤهل العلمي والمعرفة الى القدرة الي تحويل معارفهم الي منتجات وان يصبح هذا المفهوم ثقافة عامة وفق منهجية معلومة. الفرق الجوهري بين الدول المتقدمة والمتخلفة، هو ان الدولة المتخلفة تقف في عتبة اكتساب/انتاج المعرفة، بينما المتقدمة تتعدي ذلك لتحويل المعرفة الى منتجات/تكنولوجيا.
2. حوت الوثيقة مصطلحات مشوشه للفهم وغير مجمع عليها تم صكها والزج بها في قاموس التعليم السوداني ابّان فترة النظام الاسلاموي. وكان حري بالفريق الذي اعد الاستراتيجية اجراء عمليات الضبط والتدقيق لهذه الاصطلاحات المشوشة حتى تتسق بدقة مع المفاهيم المقصودة بها. فقد وردت المفردات “تقاني” و”تقانة/تقانية” و”تقني” لتعني “تكنولوجي” و”تكنولوجيا/تكنولوجية” و”فني” على الترتيب، كما استخدم مصطلح “الكليات التقنية” بمعني مؤسسة ليست بجامعة او كلية جامعية ومتطلبات القبول لها هي شهادة إكمال المدرسة، ولعل المقصود بها مراكز التدريب المهني او الحرفي. وهنالك انفصام بين الوزارة والمؤسسات التعليمية التابعة لها فيما يتعلق بالاصطلاحات الواردة اعلاه، فبينما تصر الوزارة على استخدام “تقاني” واخواتها نجد ان معظم المؤسسات التعليمية السودانية الحكومية والاهلية منها تستخدم “تكنولوجيا” و”تكنولوجية”. في حقيقة الامر ان ترجمة “تكنولوجيTechnology” الى  “تقاني” ليس دقيقاً ولا يشير الي المدلول الصحيح والشامل لمفردة “تكنولوجي Technology” ومن هنا يأتي التشويش وتشويه المعنى الصحيح للمصطلح والذي امتد الي مسميات بعض الكليات. فنجد مثلاً في مسمي بعض الكليات او الجامعات مفردة “تقنية” بمعني “تكنولوجي” وفي اخري نجد مفردات مثل “تقاني” او “تقانة” لتدل على نفس مصطلح “تكنولوجي” او “تكنولوجيا”، مما جعل هنالك خلط في استخدام المفردات “تقانة” و”تقاني” و”تقنية”. كما تم استبدال مسمي “فني Technician” بمفردة “تقني” وذلك في جميع التخصصات ولا ندري ما الداعي لذلك، فلا يوجد في اصل اللغة العربية لا مفردة “تقانة” ولا “تقنية” كمقابل للمصطلح الانجليزي “Technology”. فمفردة “تقنية” هي المقابل للمصطلح “Technique” بمعني “اسلوب” او “طريقة”، وبالتالي لا يمكن ان تستخدم بمعني “تكنولوجيا” ذات المعنى الشامل المركب. اما فيما يتعلق بمفردة “تقانة” فهي واردة في القواميس العربية كما يلي: “تَقِن – يتقَن – تقَانة” بمعنى اتقن الشئ، فـ”تقانة” هي “مهارة” او “اجادة” او “حذاقة”، وبهذا المعني فهي كلمة قاصرة جداً في الاحاطة بمدلول مصطلح “تكنولوجيا”. بالرجوع لكل القواميس باللغة الانجليزية نجد مصطلح “تكنولوجيا Technology” لا يمكن اختزاله في مفردة “اتقان” او “مهارة” او “تقانة”،  فهو مصطلح ذو مدلول واسع ومركب ويتضمن مجموعة من العمليات والمعارف والتطبيقات والاساليب المرتبطة في علاقة تبادلية مع الانسان والمجتمع والبيئة، والتكنولوجيا نفسها يمكن ان تكون مُدخلاً ضمن هذه العمليات كما يمكن ان تكون ناتجاً ايضاً، ولا توجد مفردة عربية مقابلة لمصطلح “تكنولوجيا”، لذا من الافضل استخدامه كما هو. ويصبح من غير اللائق بل من الخطأ استخدام مفردات في متن الاستراتيجية لا تعطي المدلول الدقيق للمعني المقصود بها، كما يصبح من غير المناسب دلالياً ان تسمي جامعة او كلية بمسمي “جامعة او كلية التقانة او التقنية”، والمقصود هو ” جامعة او كلية التكنولوجيا”.
نختم هذا المقال بهذه الملاحظات والمقترحات في  شأن التعليم في السودان:
1. جاء في استراتيجية وزارة التعليم العالي تطوير نظام التقويم والاعتماد. حسب وجهة نظر كاتب المقال فان تبعية نظام التقويم والاعتماد للوزارة لن يخدم الغرض المنشود، وعليه من الضروري انشاء جهاز مستقل تماماً عن وزارات التربية والتعليم والتعليم العالي والعمل، منوط به وضع سياسات ومعايير للجودة والتقويم والاعتماد الاكاديمي المؤسسي/البرامجي لمؤسسات التعليم العالي والعام ومراكز التدريب المهني والتلمذة الصناعية بالسودان، ومتابعة تطبيقها بغرض تجويد مخرجات العملية التعليمة بهذه المؤسسات. فهذا الجهاز ذو صفة تقويمية تحكيمية استشارية منوط به وضع السياسات اللازمة للارتقاء بجودة التعليم العام والعالي وبرامج التدريب المهني بالسودان، وبالتالي ليس من المنطق ان يتبع لوزارة التعليم العالي او التربية والتعليم او حتى وزارة العمل.
2. من المهم الاهتمام بالبحث العلمي وفق اولويات محددة تمليها متطلبات التنمية في السودان. لا يمكن للسودان النهوض والنمو الا من خلال البحوث العلمية الجادة والمرتبطة بمشاكل التنمية في السودان. وللاستفادة القصوى من الموارد المتاحة يمكن تحديد بعض الجامعات كجامعات بحثية ذلك بناءً علي نشاطها البحثي السابق ودعمها بالتجهيزات والمعدات والميزانيات المطلوبة لتنفيذ انشطتها البحثية وفق اولويات التنمية في السودان.
3. اعادة النظر في مؤسسات التعليم الجامعي غير الحكومية فيما يتعلق بالبيئة الاكاديمية من مباني وبنى تحتية، والتوزيع الجغرافي لهذه المؤسسات على نطاق السودان، ومجالات البرامج الاكاديمية التي تطرحها وملائمتها مع احتياجات سوق العمل، ومؤهلات اعضاء هيئات التدريس بها، ذلك بغرض تقويمها وضبطها وفق معايير الجودة لمؤسسات التعليم العالي ومتطلبات سوق العمل السوداني.
4. الطب البشري يعتبر اهم تخصصات الدراسة بالجامعات لارتباطه المباشر بحياة الانسان، ويحتاج لمقدرات محدده لدارسه، ومن المؤسف ان يصبح هذا التخصص مجالاً للاستثمار والتجارة. ووجود 73 كلية طب بالسودان، منها 46 كلية بالجامعات الخاصة تعمل على اساس تجاري، امر غير منطقي واضر كثيرا بمهنة الطب في السودان، ويحتاج لتدخل من وزارة التعليم لتصحيح هذا الامر المختل. يجب ان لا تكون دراسة مثل الطب خاضعة لعملية الكسب التجاري وموازنات الربح والخسارة في العملية التعليمية، وان يترك مثل هذا الامر هكذا لكل صاحب مال للاستثمار فيه، فالعقلية الاستثمارية دائماً تعمل على تحقيق الربح المادي ولا يهمها كثيرا العملية الاكاديمية ومخرجاتها. فاذا تم قبول هذه الامر في التخصصات الدراسية المختلفة، فلا يمكن القبول به في دراسة مثل الطب البشري، وتقع على وزارة التعليم العالي والبحث العلمي مسئولية تصحيح مثل هذا الامر، وذلك بقصر الدراسة في مجالي الطب البشري وطب الاسنان فقط على الجامعات الحكومية، والغاء أي دراسة علي النفقة الخاصة في هذه المجالات، حتي تعود لهذه المهنة الانسانية جودتها التي عرفت بها منذ انشاء مدرسة كتشنر الطبية والي ما قبل ظهور هذه الجامعات الخاصة وبدعة القبول على النفقة الخاصة.
5. حسب ما ورد باستراتيجية التعليم العالي باعتبار اللغة الانجليزية هي لغة للتدريس بالجامعات بجانب العربية، من المهم تطبيق هذا الامر بأسرع ما يمكن على مستوي الدبلوم والبكالوريوس على وجه الخصوص، فهذا الامر لا يحتمل أي تأجيل. كما عليها الاسراع بإعادة النظر في المناهج الدراسية وتنقيتها من تلك المقررات التي تم فرضها علي البرامج الدراسية لكل الجامعات وفق فلسفة المشروع الحضاري الاسلاموي الهادف للتعريب والاسلمة، فهذه المقررات ليست الا هدر لموارد الجامعات الشحيحة فيما لا طائل من وراءه.
6. تحتاج سياسات القبول لمؤسسات التعليم العالي الى مراجعات شاملة فيما يتعلق بما يلي:
(أ) تحقيق مبدأ العدالة في فرص القبول للدراسة الجامعية والمذكور في الاستراتيجية، ذلك بان تقتصر المنافسة على المقاعد المتاحة للدراسة الجامعية فقط على المقدرات الذاتية للطالب والتي تبيّنها الدرجات التي يحرزها في امتحانات الشهادة الثانوية، والغاء كل ما عدا ذلك من معايير مثل ما يعرف بالقبول على النفقة الخاصة، وقبول الولايات الاقل نموا وقبول ابناء العاملين، وابناء المعاشيين، وابناء اعضاء مجالس ادارات الجامعات،… الخ وكل معايير القبول التي لا تستند على المنافسة العادلة بناء على مقدرات الطلاب العلمية في المجال المعني.
(ب) التوجه نحو التعليم التطبيقي/العملي وتعديل التوجه الحالي في التعليم العالي والذي تحتل فيه التخصصات النظرية الانسانية اكثر من 70% من مقاعد الدراسة بينما التخصصات العلمية والتطبيقية اقل من 30% وهي نسبة معكوسة تماماً. فالسودان بلد في مراحل النمو الاولية ويحتاج كوادر فنية مؤهلة في المجالات التطبيقية والتكنولوجية مرتبطة باحتياجات سوق العمل الواعدة.
(ج) تحقيق تنمية متوازنة ومستدامة بالسودان لا يتطلب ان يحصل الجميع على مؤهل البكالوريوس او الماجستير او الدكتوراه. لتحقيق كفاءة الاستخدام للموارد المتاحة للتعليم، يجب ان تتدرج المؤهلات بعد الثانوي فيما بين شهادة التدريب (اقصاها سنة دراسية) ثم الدبلوم (نظام ثلاثة سنوات) ثم البكالوريوس ثم الدبلوم العالي ثم الماجستير ثم الدكتوراه، وان يكون المعيار الوحيد في الترشح لنيل أي من هذه المؤهلات هو المقدرات الذاتية التي تمكن المرشح من اجتياز المحكات المطلوبة لنيل المؤهل ووفق الشروط المطلوبة للترشح. وان يتناسب اعداد من يحملون هذه المؤهلات مع متطلبات سوق العمل بقدر الامكان. مع مراعاة ان يتناقص عدد حاملي هذه المؤهلات من ادني الي اعلى، أي ان يكون عدد حملة شهادات التدريب هو الاكبر، وعدد حملة الدبلوم اقل منه، وعدد حملة البكالوريوس اقل من عدد حملة الدبلوم وهكذا الى درجة الدكتوراه. (في المجالات الهندسية فان النسبة الموصى بها من منظمة العمل الدولية بين العامل الماهر : الفني : المهندس هي 1:5:25 [5] ).
7. اعادة النظر في التوزيع الجغرافي للمؤسسات التعليم العالي في اقاليم السودان المختلفة، مع ربط التخصصات والبرامج الدراسية فيها بطبيعة كل اقليم وحاجات التنمية المستدامة فيه، والعمل على تصحيح الوضع الراهن المتمثل في التكدس العشوائي للمؤسسات الجامعية بالعاصمة، وذلك من خلال دمج بعض الكليات الجامعية والغاء او تعليق التخصصات والبرامج الدراسية التي لا تتلاءم مع متطلبات سوق العمل السوداني والتخصصات التي وصلت مرحلة التشبع في سوق العمل وبها معدلات بطالة عالية.
8. تشجيع الاتجاه نحو التعليم التطبيقي/العملي وبرامج التدريب المهني والحرفي والاهتمام بذلك في مرحلتي التعليم المتوسط والثانوي والتمهيد لذلك منذ المرحلة الابتدائية، وتقوية اللغة الانجليزية للتلاميذ منذ وقت مبكر حتى يتمكنوا من التفاعل البناء مع ما تتيحه لهم وسائل التكنولوجيا من معارف، حتى تتطور لديهم ملكات التعلم الذاتي منذ الصغر.
9. مراجعة وتنقيح وضبط المصطلحات والمسميات المستخدمة في حقل التعليم العالي في السودان لتوحيدها رسماً ومدلولاً، حتي لا يصبح الامر فوضوياً، وكلٌ يستخدم المصطلحات وفق هواه وكيفما اتفق. فلا يعقل مثلاً ان تستخدم مفردات مثل “تقنية” و “تقانة” و”تقانية” لتشير كلها لمعني واحد وهو “تكنولوجيا/تكنولوجية” كما هو واضح في بعض مسميات مؤسسات التعليم العالي السودانية.
10. بالرغم من اجازة مشروع قانون تنظيم التعليم العالي والبحث العلمي، ومشروع قانون المجلس القومي لتقويم واعتماد مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي، ووضع استراتيجية التعليم العالي والبحث العلمي 2020م – 2030م في يوليو 2020م، بواسطة حكومة ثورة ديسمبر المجيدة، الا ان سياسات وقوانين النظام البائد لا زالت هي السائدة والمطبقة والتي تحكم العمل في مؤسسات التعليم العالي السودانية.
سمير محمد علي حمد
09/06/2021م
sameirali@live.com
* ISI هي قاعدة بيانات للأبحاث المنشورة في المجلات العالمية للعلوم والعلوم الإنسانية وتعرف حاليأً باسم Clarivate Science Citation Index، وهي تعتمد فقط المجلات البحثية ذات الابحاث الرصينة عالية الجودة والتي تخضع ابحاثها لمستوي تحكيم عالي الدقة.
مراجع:
[1] https://www.worldatlas.com/articles/the-highest-literacy-rates-in-the-world.html
[2] https://sudancp.com/index.php/%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA/1858-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86
https://www.univstats.com/corestats/student-faculty-ratio/ [3]
[4] لمحات عن البحث العلمي في الدول العربية (2008م – 2018م)، منظمة المجتمع العلمي العربي.
https://www.arsco.org/Ebooks/_ShowDocument/?filename=310520094837.zip
[5] .Improving the Quality of Engineering Education and Training in Africa, World Bank, 2014
sameirali@live.com

أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!