الفصل الرابع من كتاب “ما وراء السودان الحديث: مأموريات تفتيشية (1 /2) .. بقلم: هنري سيسيل جاكسون .. ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي


الفصل الرابع من كتاب “ما وراء السودان الحديث Behind The Modern Sudan”
On Trek مأموريات تفتيشية (1 /2)
Henry Cecil Jackson هنري سيسيل جاكسون
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
مقدمة: هذه ترجمة للجزء الأول من الفصل الرابع من كتاب “ما وراء السودان الحديث Beyond the Modern Sudan”، للإداري البريطاني هنري سيسيل جاكسون. نشرت دار نشر ماكميلان الكتاب في لندن عام 1955م.
عمل جاكسون في مجال الإدارة بالسودان لأربعة وعشرين عاما متصلة، وحكم مديريتي بربر وحلفا، ولخص تجربته في الحكم والإدارة في عدد من المقالات والكتب التي وصف في بعضها عادات السودانيين وأمثالهم في مختلف المديريات التي عمل فيها، وأرخ في بعضها الآخر لبعض الشخصيات السودانية مثل عثمان دقنة والزبير باشا رحمة. وقد ترجمنا من قبل بعض فصول هذا الكتاب، ومقتطفات من بعض كتب ومقالات مختلفة لهذا الإداري الكاتب.
المترجم
************** *********
لا أحد في الحقيقة يريد أن يخوض لساعات، بل ولأيام أحيانا، في مياه لا يقل عمقها أبدا عن قدم، وتنمو فيها الأعشاب والقصب متشابكة مع بعضها للحد الذي يجعل المرور عبرها يتطلب أولا أن يقوم المرء بضغطها إلى الأسفل باليد. ويغدو السير في تلك المياه أكثر وعورة وبشاعة عندما يكون المسار مليئا بثقوب وحفر قد يصل عمقها لقدم كامل سببها هو خَطْو الحيوانات الضخمة مثل الأفيال وأفراس النهر عليه. وتزداد مصاعب السفر في المأموريات عندما تقوم الجواميس بسد الطريق، أو عندما تهاجم وحيدة القرن رتل من فيلق النقل (carriers)، أو عندما يستقبل المعادون من الأهالي المسافرين بوابل من السهام. ولم تكن مثل تلك الحالات نادرةً بالنسبة للإداريين في تلك السنوات الباكرة وهم في مأموريات يطوفون فيها للتفتيش الإداريّ على مناطقهم.
ويصعب الحصول على تفاصيل كثيرة عن تلك المأموريات الباكرة. غير أن هذه المقتطفات من ذكريات مسؤول بريطاني كان يعمل في “هيئة مسح النيل الكونغو للسكك الحديدية” قد تصلح لتكون مثالا لتلك التفاصيل:
“25 مايو 1907م. قضينا ليلة مثيرة. فقد أيقظنا صوت ست طلقات نارية أطلقها جنودنا في حوالي الساعة الحادية عشر ليلا. وجاء الحارس وقال لنا كلمة واحدة هي: “نقوانزا n’gwanza “، وتعني سهام مَسْمُومٌة. كنت أشارك نيوكوب النوم في خيمة واحدة مفتوحة من الجانبين. ووجدنا أن سهما قد اخترق الخيمة بين سريرينا، وأن سهما آخر قد انغرز في أرضيتها. وتساقطات الكثير من السهام على أرض المعسكر ولكن بعيدا عنا. حسنا… بعد ذلك قمنا بإنزال طرفي الخيمة السُّفْلَيَيْن وأخلدنا للنوم مرة أخرى. وعند منتصف الليل أيقظنا الحارس مجددا وأخبرنا بأن هنالك أفيالا بالقرب من المعسكر، وبالفعل كنا نستطيع سماعها وهي تقترب منا. واكتشفنا عند الصباح أن آثار تلك الأفيال كانت لا تبعد عنا إلا بـ 150 ياردة فحسب. ومرة أخرى انهمرت علينا تلك السهام المَسْمُومٌة، وأطلق الجنود الرصاص ردا عليها. وبعد فَتْرَةٍ وَجِيزَةٍ كان علينا أن نستيقظ بعد فترة نوم قصيرة في تلك الليلة”.
ليس من السهل على من يجوب السودان اليوم مسافرا بالعربات أو الطائرات أن يقدر حجم ومدى الصعوبات التي واجهها أوائل الإداريين في هذا البلد الشاسع المترامي الأطراف، حين لم تكن هناك قبل خمسين أو ستين عاما أي خرائط أو طرق. وكانت المسافات التي تُقَاسُ الآن بالساعات فقط، تُقْطَعُ في أيام بل أسابيع. وفي بداية هذا القرن كان الوصول لحدود السودان الشمالية من إنجلترا (عبر أوروبا ومصر) يستغرق 8 إلى 9 أيام، ويستغرق الوصول إلى محطة القطار الأخيرة بالخرطوم بحري 36 ساعة أخرى. لم يكن هنالك جسر على النيل الأزرق إلى الخرطوم، أو أي جسور أخرى عدا الجسر المؤدي لأم درمان، وجسر كوستي على النيل الأبيض. وكانت هناك بواخر بطيئة ذات عجلات في المؤخرة تتوقف في محطات عديدة لنقل الحطب، وتبلغ الروصيرص على النيل الأزرق خلال موسم الفيضان القصير، وتصل أيضا كل أسبوعين عبر النيل الأبيض إلى قوندوكورو، التي تبعد ألف ميل من الخرطوم.
وكان الوصول لود مدني من الخرطوم يأخذ أياما كثيرة على ظهور الجمال، ولكنه يستغرق الآن أقل من 6 ساعات بالقطار. ويمكن اليوم الوصول لملكال في ساعة أو ساعتين بالطائرة، بينما كان السفر إليها ممكنا فقط بالباخرة في نحو 8 أيام. وكان يلزم الوصول إلى الأبيض من الخرطوم السفر ليومين بالباخرة إلى الدويم، ثم ركوب الجمال في رحلة مرهقة لمدة أسبوع كامل. أما اليوم فيمكن الوصول إليها جوا في نحو ساعتين. وكانت تلك هي المناطق التي كان الوصول إليها متاحا بسهولة، وكان ممكنا لواحد أو اثنين من الجنود أو المدنيين الإداريين الإقامة فيها في حراسة عدد صغير من القوات السودانية. ولكني عندما بدأت العمل في عام 1907م، كانت الكثير من مناطق البلاد مقطوعةً تماما عن العالم الخارجي لفترات طويلة كل عام. فعلى سبيل المثال كانت تصل لمشرع الرك (er Rek) في موسم الجفاف باخرة واحدة كل شهر. ويعقب ذلك سير ممل بالأقدام لمسافة 107 ميلا (كان السير في الأميال القليلة الأولى منها يمر بمستنقعات عميقة) إلى واو، عاصمة مديرية بحر الغزال. وكان وصول خطاب إلى الخرطوم من طمبرة (قرب حدود أفريقيا الوسطى الفرنسية) يستغرق37 يوما. وإذا أُضِيعَتْ الرسائل (كما حدث في كثير من الأحيان)، فقد يمر شهران أو ثلاثة أشهر قبل وصول أي أخبار من أي نوع. وذلت مرة بقي مفتش راجا (في غرب بحر الغزال) دون رسائل أو أي أوراق رسمية لما يزيد عن ثلاثة أشهر، بسبب احتجاز السدود للباخرة التي تحمل البريد في منطقة أُعْطِيَتْ اسما ملائما هو (جزيرة فليكن الرب في عوننا Godhelpus Island). وكان البريد لقامبيلا أقل انتظاما من غيره في مناطق أخرى.، إذ كان رجال قبيلة الأنواك يجلبونه بزوارق صغيرة، ثم ينقله براً النوير، الذين كانوا يقومون أحيانا بطعن رجل البريد بحربة، والقاء أكياس البريد في النهر. لم يكن عمل رجل البريد عملا سهلا البتة. فذلك الموظف معرض للهجوم من الأهالي المعاديين أو الحيوانات المفترسة، وقد يتيه في وسط الأعشاب والنباتات الطويلة ويختفي للأبد.
وكانت الطريقة الوحيدة للتحرك في أرجاء المديرية هي السير بالأقدام أو ركوب الدواب مثل الخيول القصيرة أو الجمال أو البغال أو الحمير، إلى أن تم توفير بواخر وزوارق مزودة بمحركات للمسؤولين. غير أن الوقت في تلك الأيام المُتَمَهِّلة كان – لحسن الحظ – قليل الأهمية، إلا في حالة استدعاء طبيب على عجل ليسعف مريضا، أو رجل شرطة ليتدخل في موقف ينذر بالخطر. فلم تكن هناك أي أهمية خاصة لكون المأمورية تستغرق ثلاثة أسابيع أو شهرا أو أكثر، إذ أن الواجبات الإدارية لا تتضرر عادةً بسبب عدم القدرة على الحركة والطواف على المناطق بسرعة، وليس هناك فرق يُذْكَر إن قضى المفتش ليلته في هذه القرية أو تلك.
كان هدفنا الأول هو إقامة علاقة ودية مع أناس يحملون قدرا كبيرا من الشك في كل أنواع الحكومات، وإعطائهم الثقة والأمن. السودانيون ليسوا في عجلة من أمرهم، فهم قوم قد تعودوا (مثل المزارعين في كل انحاء العالم) على مراقبة محاصيلهم وهي تنمو وتنضج ببطء، وحيواناتهم وأعدادها تتزايد تدريجيا. وأدركنا، نحن أيضا، أن الوقت هو “شيء نسبي”، وصرنا نتعاطف مع قدرية الشرق – تسليم مذعن لكل الأدواء التي لا يمكن علاجها بكل الوسائل البشرية، ولا الوقاية منها ببراعة بشرية. وكما يقول عرب (السودان): ” بكرة في”.
وحمل باشمفتش منطقة في أحد الأعوام بعض المؤن لنقطة شرطة صغيرة في أيود Aiyod (التي تقع على بعد مائة ميل شرق بحر الزراف). وكانت تلك النقطة تحصل عادةً على المؤن في فصل الشتاء، وتأتيها محمولة على الحمير. غير أنه في تلك الحالة تحديدا كانت كل المنطقة مغمورةً بالماء، وكان من اللازم أن تُسير الرحلة بزوارق محلية (مصنوعة من جذوع أشجار مجوفة. المترجم)، وهي وسيلة غير مريحة للترحال للأوربيين الأعرض أردافا من الشعوب النيلية. وفجأة هاجم فرس النهر زورقا كان يجلس فيه الطباخ، فشقه إلى نصفين وأنزله في الماء. ولحسن الحظ تمكن الضابط من القفز من زورقه في منطقة ضحلة المياه، وأصاب الحيوان المعتدي بطلق ناري. وتبين أن شراسة ذلك الحيوان كان سببها جرح متقيح أصابه أثناء رحلة للأهالي لصيد أفراس النهر.
ولم يكن طوافنا في مأموريات في جنوب السودان مُضجَرا قط عندنا تسنح فرصة مواجهة حيوان مفترس. ورغم أن وجود تلك الحيوانات كان يضفي القليل من الاثارة والتشويق على مسيرة اليوم، غير أنه على وجه العموم، لم تكن تلك الحيوانات تشكل تهديدا خطيرا إلا نادرا جدا، إذ أن خوفها من البشر كان أشد من خوف البشر منهم. فالأفيال مثلا تحاول عادةً تفادي البشر، وقلما كنت أراها إلا إذا عثرت على الأماكن التي ترتادها لشرب الماء. غير أن منظر قطيع من الأفيال يفتنني بجماله وأنا أتفكر في أن لها صلة بعيدة بالماموثات mammoths التي كانت تجوب أنحاء أوروبا عندما لم يكن الإنسان سوى واحدا من القردة العليا apes. ولا تكون قطعان الأفيال خطرة عادةً. إلا أنه قد يكون بينها فيل قَاصِ يشذ عن المجموعة ويسبب ضررا بليغا. ورغم ذلك، فمجيء الأفيال للمعسكر يثير بالضرورة بعض القلق والاضطراب.
كان البمباشي (المقدم) موودMaude – لاحقا لورد هاواردن – يقضي ليلته قرب حفير. أتاه أحد الذين كانوا معه من فيلق النقل وأخبره بأن قطيعا كبيرا من الأفيال في الطريق إلى ذلك الحفير. وكان ذلك الحفير يقع في مغارة. لذا أمر المقدم كل من معه بالاختباء في المغارة، بينما قام هو ومعه بعض رجال الشرطة بحراسة مدخل المغارة. وكانت الأفيال في تلك الليلة مسالمة جدا، إذ لم تفعل شيئا سوى تشمم ناموسية البعوض التي كان ينام تحتها المقدم، وانصرفت بعد ذلك دون أن تسبب أدنى خسارة. وكان هنالك قطيع من إناث الأفيال بالقرب من (بور) دأب على إرعاب أهالي المنطقة وإتلاف مساكنهم ومحاصيلهم. وتم التفكير جديا في الشروع في القضاء عليها ضربا بالرصاص. وكانت تلك الحيوانات تعرف بـ “الناشطات النسويات؟ the Suffragettes” (1)، وكانت هنالك غرامة مفروضة على قتل إناث الافيال، وهذا ما جعل الناس يتحاشونها.
كان سبب فرض تلك الغرامة سببا مقبولا، إذ أن تجار الرقيق في الماضي كانوا يقتلون الكثير من الأفيال، وكان العاج (نابُ الفيل) وأحدا من أهم مصادر عائدات الحكومة. وكان قتل إناث الأفيال يقلل من تلك العائدات بأكثر مما يفعل قتل ذكورها، إذ أن هناك الكثير من الذكور، بينما لا تلد الإناث إلا مرة واحدة كل خمس سنوات (وأعتقد أن فترة حمل الفيلة هي قرابة عامين).
____ ____ ____
ظللنا لسنوات عديدة لا نجد في جنوب السودان طريقة للتنقل بين منطقة وأخرى إلا سيرا على الأقدام. ولاحقا، عندما تم فتح بعض المسارات عبر الغابات، أُدْخِلَتْ الدراجات الهوائية، وكانت خير معين لنا في مديرية بحر الغزال. إلا أن كثرة الأشجار الشوكية أضرت بإطارات تلك الدراجات كثيرا. وأذكر أن أحد الباشمفتشين ضحك بملء شدقيه عندما مر برجلين سودانيين بجانب إطار دراجة مثقوب وهما يحاولان إصلاحه عن طريق النفخ بالفم والبصق على الصمام. غير أنهما لم يكونا أقل جهلا من أحد نبلاء أكسفورد الذي اكتشف ثقبا في إطار دراجته الأمامي، فبدأ في ضخ الهواء في الإطار الخلفي ظنا منه أن الإطارين متصلان ببعضهما البعض. وكانت للدراجة الهوائية عيوب أخرى منها أن من يقودها يسير بها بمفرده في مسار ضيق عبر أعشاب طويلة، ويمكن أن يعترضه في طريقه أسد أو قطيع من الجواميس، ولن يكون لديه متسع من الوقت للتعامل مع بندقيته التي كانت تُحمل على الظهر أو تُدلى من على هيكل الدراجة.
كان لي أحد المعارف من الأطباء السوريين يذكر دوما إحدى المأموريات في جنوب السودان التي كان ينطلق فيها بدراجته على مسار ضيق منحدر عندما أَبْصَرَ من على بعد أقل من مئة ياردة أسدا نائما في المسار الذي كانت على جانبيه شجيرات كثيفة وأعشاب طويلة. وكان جسد الأسد يملأ الفراغ الوحيد في المنطقة المحيطة. بذل الطبيب أقصى جهده لاستخدام كوابح دراجته، غير أنها لم تعمل. وزاد الأمر سوءًا أنه نسي أن يحمل معه بندقيته. وكان خائفا من النزول من الدراجة، وظل يفكر فيما سيحدث إن اصطدم بالأسد. وضرب جرس الدراجة، غير أن ذلك لم يوقظ الأسد. ولكن، ما أن صار الطبيب والأسد على مسافة بضع ياردات من بعضهما البعض، حتى استيقظ الأسد وطفَر في وسط تلك الأعشاب الطويلة الملاصقة للمسار.
وكانت لمسافرين آخرين مغامرات مرعبة مماثلة. فقد كان المقدم موود يسير في طريق مشرع الرك إلى واو، وتوقف ليقضي ليلته في استراحة على الطريق. وعند الثالثة صباحا أيقظه أحد الضباط المسؤولين وهو في حالة اضطراب شديد. اعتذر الضابط أولا لموود عن حضوره في تلك الساعة غير المناسبة وإزعاجه له، وعلل زيارته له بأن أسدا قد أوقعه عن دراجته الهوائية، وأنه بحاجة في تلك اللحظة لمشروب (كحولي). وأفلح كأسان من الويسكي في إعادة الروح المعنوية والهدوء للرجل الفَزِع، وذهب في طريقه ليلحق بالمركب التي ستأخذه للمشرع. وعندما أشرقت الشمس، ذهب موود ليستطلع مكان الحادث – فوجد امتدادا رمليا للطريق كانت آثار أقدام الأسد واضحة عليه. وكان ذلك الأسد يَجُوسُ في المكان في هدوء تام إلى أن صادف ذلك الضابط راكبا دراجته، فغير من مشيته المتمهلة وصار يقفز قفزات هائجة مضطربة، دلت على أن ذلك الضابط لم يكن هو الوحيد الذي أصابه الفزع.
وفي حادثة أخرى كان لموود نفسه لقاء غير مرغوب فيه مع أسد. فقد كان موود قد أرسل أمامه فيلقا من العمال (الحمَّالين (carriers في رفقة حراسة عسكرية قبل بزوغ الفجر ليجنبهم حرارة الجو، بينما بقي هو حتى طلوع الشمس. وبعد فترة من الوقت عقب مغادرة أولئك الرجال، انزعج موود من سماع زئير أسد في منطقة ليست ببعيدة عن مكانه. ثم سمع من مكان أقرب زئر أسد آخر يرد على الأول. وبدا أنهما يقتربان أكثر فأكثر. وكان وجود أي شخص في الظلام محصورا في مثل ذلك الموقف أمرا بشعا بالفعل. ولم تكن للشجرة الوحيدة بجانبه أي أغصان عالية يمكنه تسلقها طلبا للأمان. لذا اتكأ موود بظهره على جذع تلك الشجرة، ووضع دراجته أمامه، وجَهَّزَ بندقيته، وبقي يراقب من على بعد أربعين ياردة تقريبا الشكلين القاتمين وهما يجوسان في المعسكر الخالي. وفي كل مرة كانا يلتفتان فيها لناحيته، كان يرى على ضوء النجوم عيونهما تلتمع. ومضى يفكر إن كانا قد شما رائحته. غير أنه – لحسن الحظ- كان يقف عكس اتجاه الريح بالنسبة لهما. وأخيرا، ومع بزوغ الفجر أبصرهما يرتدان بعيدا. تنفَّس الرجل الصُّعَداءَ وغادر المعسكر على عجل ليلحق بجماعته.
********* ******** ******
كانت الامكانية الدائمة للتعرض للتماسيح أو الثعابين أشد بشاعة من مواجهة حيوانات برية مفترسة مصادفةً. فهناك تماسيح في كل أنهار ونهيرات السودان تقريبا. ولهذا السبب، ولغيره من الأسباب، فإن القيام بمأموريات تفتيشية بالمراكب والبواخر، وكذلك الترحال برا، له مزاياه وعيوبه.
ومن الممكن التنقل بين المناطق المختلفة بالبواخر أو الزوارق المزودة بمحركات، خاصة في موسم الأمطار. غير أن تلك الوسيلة لا تخلو من عيوب، إذ أن للعواصف الاستوائية قوة لا يمكن الاستهانة بها. وتشكل تلك العواصف خطرا عظيما يهدد البواخر ذات الغاطس الضحل (shallow draught steamers)، رغم أن ربط صَندَل على أحد جونب الباخرة يساعد في حفظها متزنة بعض الشيء. ولكن، إن انفصل الصندل عن الباخرة وانجرف بعيدا (كما يحدث أحيانا)، فهنالك احتمال وقوع خطر عظيم، وربما انقلاب الباخرة وفقدان العديد من الأرواح. ويمتد النيل الأبيض في موسم الأمطار لمسافة ميل أو ميلين عرضا، يصعب وجود مرسى آمن على طول الشواطئ المتدرّجة (shelving shores). غير أن شواطئ النيل الأزرق (وهو أضيق من النيل الأبيض) المليئة بالأشجار توفر فرصا أفضل للرُسُوّ. غير أن تلك الميزة يقابلها عيب يتمثل في الصعوبة التي تلاقيها البواخر في التقدم أمام تيار تبلغ سرعته 8 أو 10 عقد. وكما ذكرت آنفا، فالمسافر بالبواخر ليس بمأمن من أخطار التعرض للتماسيح.
وفي الأزمان الماضية كانت التماسيح موجودة شمالا حتى في دلتا مصر. وهنالك بحيرة على قناة السويس اسمها “بحيرة التمساح”، وسميت هكذا يوم جاءتها التماسيح لمسافة مئات الأميال شرق النيل. أما الآن فقلما توجد التماسيح شمال الشلال الثاني إلا بعد مسافة متوسطة جنوب الخرطوم، وهي ليست بالعدد الكبير. ويتغذى التمساح على الأسماك، ولكنه لا يكتفي بذلك، فيقوم بمهاجمة الحيوانات البرية وبهائم السكان، وقد يقتل في بعض الأحايين مزارعا يعمل بالقرب من النهر، أو يصطاد طفلا أو امرأة تجلب الماء من النهر. وربما كانت التماسيح تقتل عددا أكبر من الناس في السودان مما تقتله الثعابين وكل المخلوقات البرية. ويتعرض القرويون الذي يعيشون بجانب الأنهار لإصابات بالغة وخسائر كبيرة في الأرواح، وهذه حقيقة يؤكدها أن عددا ليس بالقليل من خدمنا قد هُوجِمُوا وهم يغسلون ملابسهم أو يملؤون جرارهم بالمياه.
وكثيرا ما يأتي المرضى الأفارقة للمستشفى وهم يعانون من جروح غنغرينية (آكِلَة)، ويحكون قصصا عجيبة عن الطريقة التي أصيبوا بها. حدثني أحد المصابين بأنه كان يغسل جرته وقدوره في النهر عندما أمسك تمساح بقوة شديدة على ذراعه. غير أنه، لحسن الحظ، كان يحمل في يده الأخرى عُلبَة من الصفيح أوْسِع بها التمساح ضَربًا حتى ترك ذراعه. وهناك حالة أخرى أحكم فيها تمساح قبضة فكيه على رِجل أحد الأهالي، ولكن الرجل أجبر التمساح على أن “يُفْرِجَ” عنه وذلك بالضغط بقوة بأصابعه على عيني ذلك الحيوان الزاحف. وعادة ما لا يترك التمساح ضحيته تفلت منه إن استطاع أن يغرز أسنانه فيه. وقد رأيت ذلك بأُم عَيْنِي في عام 1926م عندما أطلقت الرصاص من بندقية صيد على تمساح لا يزيد طوله عن ثلاثة أقدام. ونويت أن أجهز عليه. غير أن خدمي كانوا يرون أنهم يعلمون أكثر مني في مثل هذه الأمور، فقاموا بجر الحيوان إلى الباخرة. وكان أحد الصبية يمسك بذيل التمساح، عندما حرك الأخير رأسه إلى أعلى بسرعة فائقة وأحكم القبض بأسنانه على رسغ الصبي. وظل التمساح ممسكا به حتى عندما كان الطباخ يقطع رأس ذلك التمساح بمدية حادة.
لا تزال هناك أعداد كبيرة من التماسيح بالسودان، على الرغم من أنها تُقْتَلُ في الشمال بوتيرة سريعة. أما في الجنوب فإن الزيادة السنوية في حركة البواخر قد طردت الكثير من التماسيح من الأنهار، وألجأتها للمستنقعات والبحيرات التي تقل فيها الحركة. ولا ريب عندي أن انقراض التماسيح سينقذ أرواح الكثيرين، ويذهب عن الجميع ظل خوف عظيم منها. غير أن تلك غاية لم تُدْرَك بعد، حتى في شمال السودان (2). وفي سنوات الثلاثينيات، كانت التماسيح موجودة بكثرة نسبية في منطقة الشلال الثاني بمحافظة حلفا. وأذكر أن تمساحا خطف في عام 1926م ولدا من على حافة مياه النهر وسحبه إلى مُنْتَصَفُه، والتهمه بينما بقي المتفرجون على الشاطئ ينظرون وقد تملكهم الرعب والفزع. وقبل ذلك بعام أمْسكَ تمساح في مديرية بربر بشيخ كبير نزل إلى النهر كي يتوضأ لصلاة العشاء.
وكثيرا ما تكون التماسيح شديدة الجرأة. أذكر أن تمساحا أمسك ذات مرة بقدم صبي كان يجلس مُدَلْدَلا قدميه في الماء على حافة إحدى جوانب باخرة تسير في النيل الأزرق. وبدا أن ذلك التمساح لم يكن خائفا من الباخرة المتحركة. وكدت ألاقي ذات المصير عام 1922م وأنا أقف مساءً على نهر السوباط مراقبا لعملية شحن ماشية بالباخرة. ولكي أرى ما يحدث اقتربت من الباخرة ووقفت – بغباوة شديدة – بين سطح الباخرة بين وخط الماء ( (freeboard، وعلى الرغم من أن الفُرْجةً بين الباخرة وشاطئ النهر كانت لا تزيد عن أقدام قليلة، إلا أن تمساحا أفلح في التسلل خلسةً قريبا للشاطئ. ولولا أن زوجتي – التي كانت تراقب الموقف من سطح الباخرة الأعلى – صاحت محذرةً لي منه، لما استطعت أن أقفز بعيدا عن منطقة الخطر في الوقت المناسب.
********* *********** *******
إحالات مرجعية
(1) الـ suffragettes هن اللواتي كن يطالبن بمنح المرأة حق الاقتراع في أوائل القرن العشرين. وقد تعد هذه الكلمة غير مقبولة سياسيا عند بعض النساء في أمريكا. للمزيد يمكن النظر في https://www.britannica.com/topic/woman-suffrage وفي https://bit.ly/3g7ln0O
(2) يخالف رأي المؤلف (الذي كُتب في منتصف خمسينيات القرن الماضي) حول فائدة انقراض التماسيح ما يراه الآن علماء الإيكولوجيا ecology، وأخصائيو الحفاظ على البيئة من ضرورة الحفاظ على هذه الزواحف لفوائدها البيئية والاقتصادية في بعض المجتمعات الريفية. انظر مثلا لهذين الرابطين: https://bit.ly/3x5nuYt ، و https://bit.ly/3wYEIqm
وفيديو عن “تجارة التماسيح في مصر” https://www.youtube.com/watch?v=q3y8QdmqwNU

alibadreldin@hotmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!