البرهان: إلى متى استنزاف قدرات الجيش السوداني؟! .. بقلم: صلاح شعيب


لا يثق المرء على الإطلاق أن جيشنا الحالي قادر على حماية الأرض أكثر من حماية السياسيين الذين ظلوا يستنزفونه منذ الاستقلال لخوض مشاريعهم التي تتراوح في البحث عن السلطة، والثروة، والنفوذ.
ينبغي الوضوح التام حول ما تبقى في مؤسسة القوات المسلحة إذا أردنا بناء الأمة. فهي طوال نصف قرن وظفها السياسيون لمحاربة القوى المحلية المتمردة على المؤسسة المركزية بينما الخارج يقضم من أراضينا في أكثر من موضع. وحروب الجيش كلها تمحورت في هذا الاتجاه، ولست متأكدا تماما لو أن هناك عدوا واحدا نازله ضباط، وجنود الجيش، أكثر من منازلة أبناء بلادهم. وعندما يتصالح السياسيون مع هذه القوى المتمردة فإنهم يندمجون في الحياة السياسية، ويحميهم ذات الجيش الذي حاربهم. ولئن كان الجيش يخضع لإرادة القائد العام، وهو رئيس البلاد فقد ظل تابعا، ولم تجتمع الوحدات العسكرية يوما لاتخاذ موقف من ظلم الحكام.
لست من الذين يحملون الضباط، والجنود، مسؤولية الانقلاب على الحكم المدني، او الذين يقارنون بين عهودنا الديموقراطية، والعسكرية. ذلك أن كل هذه العهود كانت مدنية في أساسها، وإن تقلد رئاسة البلاد عساكر. فالذين كانوا يفصلون الدساتير، ويديرون الاقتصاد، ويفلسفون توجهنا الدبلوماسي، ويحركون الإعلام، إنما هم مدنيون في الأساس، سواء كانوا وراء التخطيط لعقد الانقلابات العسكرية، أو خادمين مطيعين لها.
أبناؤنا، وإخواننا، وأخواتنا، في القوات المسلحة لم يهبطوا علينا من السماء. فهم سودانيون، وأساس كل بيت. فيهم الخيرون، وفيهم السيئون، كما هو شأن الذين هم في الخدمة المدنية. ولكن لأننا لم نبن دولة مستقرة بعد فهم قد ظلوا تحت إمرة أهواء السياسيين، يوجهونهم للشمال مرة، واليمين تارة أخرى، بينما خلفهم، وأمامهم، مسؤوليات أسرية جمة. كان والدي قد عمل في قوة دفاع السودان، وحارب في فلسطين حتى، وثلاثة من أشقائي خدموا في الجيش.
معظم ضباط الجيش الحالي مودلجون، أما الجنود فمعظمهم غير مؤدلج. وقد خلق الإخوان المسلمون نظاما منذ بداية التسعينات لاستيعاب طلاب الكلية الحربية، مركزين فيه على اختيار الذين ينتمون لهذا التيار الانقلابي بينما من الصعب التكهن حول ما إذا كان هناك اختراق حزبي كسر هذه القاعدة.
إذن لا معنى لإزالة التمكين المدني لو أن توأمه العسكري معفي من قرارات الإعفاءات التي تضطلع بها لجنة التمكين. فما لم يتم اجتثاث التمكين المدني، والعسكري معا، فلا حاجة للقول أننا بدأنا الجولة الأولى للإصلاح في مؤسساتنا التي لها دور في تأسيس دولة ديمقراطية.
صحيح أن هناك حقيقة مرة أمام إزالة التمكين المدني، والعسكري، بين ليلة وضحاها. فالثلاثون عاما شهدت إبدالاً قوميا، وإحلالاً عقائديا في الوظيفة العامة، ما يصعب منه التخلص جملة واحدة من كوادر الإخوان. كذلك وجدنا أن النظام شرد كوادر البلد بمئات الآلاف. ومن المستحيل عودتهم جميعا لسد النقص مثلما أن أعمار هولاء المهاجرين وصلت المعاش تقريبا، وبعضهم الذين أحيلوا للصالح العام قضي نحبه.
فهم أنفسهم كان إحلالهم، وإبدالهم، قد أخذ وقتا. ولكن ما ميز خطوتهم هذه أنهم كانوا قوة واحدة تسيطر على الجيش، والخدمة المدنية، ولا تتجاذبهم مركزيات قرار مثلما هو حادث الآن إذ فرضت الوثيقة الدستورية سلطة مدنية، واخرى عسكرية، ولا يوجد واحد أعلى منهما يَفرِض عليهما قرارا.
البرهان لكونه المسؤول الأول عن الجيش، ومعه العسكريون السياسيون، يدركون ان وظيفة جيشنا قومية. ولكن كوادره ذا الرتب الأعلى يمثلون تيارا حزبيا لا يحق له التعبير عن نفسهم بحكم قوانين القوات المسلحة، ولذلك ليس أمام هولاء الضباط الصمت، وعدم إبداء أي مواقف سياسية، الا إذا فاجأونا بتحرك سياسي للانقلاب على الوضع. ولأن هذا الوضع معيب فضل البرهان الإبقاء على هولاء الضباط، وإحالة قليل من يتشكك فيهم من الخدمة، وكذلك فعل على مستوى جهاز الأمن.
كل القوى السياسية موقنة تماما أن القوات المسلحة الحالية غير موثوق في كل ضباطها، وترى لا بد من إعادة هيكلة الجيش. واتضح من خلال اتفاق جوبا ان هناك إقرارا لخلق جيش موحد بهيكلة جديدة تراعي الكثير من الملاحظات حول تركيبته الحالية. وكذا هو حال المجتمع الدولي الذي يرى ايضا أن لا بد من إصلاح القوات المسلحة. وما كان لهذا المجتمع الدولي أن يدس أنفه في هذا الشأن الوطني لو أننا لم نستعن به الآن ليفصل لنا إصلاح البلاد عبر مجهود البعثة الدولية.
لم يتح تغيير ثورة ديسمبر للقوى السياسية النصر الكامل على شخوص النظام السابق، ولذلك شكل وجود العسكر في السلطة معضلة حقيقية لإصلاح القوات المسلحة بالتوازي مع إصلاح الخدمة العامة.
ولكل هذا فإن الجيش الحالي يعيش أضعف أيامه منذ تأسيسه بواسطة نظام كتشنر الذي اكتشف ضرورة وجوده لحماية الدولة. فالقوى السياسية في بلادنا ساهمت في إفساده حتى انتهى لكونه مؤسسة منعزلة عن دعم مصالح المواطنين الحقيقية، والارتماء في أحضان قادتها الذين يبحثون عن مصالح طبقية، ليس سواها. فضلا عن ذلك يحاول هولاء القادة إقحام الجيش في حروب إقليمية لمصلحة جهات خارجية مثلما أقحموه في محاربة حركات سودانية بعد الاستقلال.
إن فداحة التدمير الذي بذله الإخوان المسلمون في استنزاف الجيش تستوجب على البرهان ألا يستخدمه كوسيلة بجانب الأمن لمعاكسة التغيير. وعلى الشرفاء الوطنيين المتبقين في الجيش أن يضغطوا لصالح تنظيفه من عناصره الإخوانية، والانتهازية، حتى تستفيد البلد.


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك