السُّـودان : أوضـاعٌ هَـشّة وأخطـارٌ ماثـلة .. بقلم: السفير/ جمال محمد ابراهيم


(1)
لا يختلف إثنان على أن ثمّة استعصاءات شابت الترتيبات التي توافق عليها السودانيون بعد نجاح ثورتهم في دبيسمبر من عام 2018 ، وإسقاطها – بصورة أذهلت العالم بأسره – نظاما جسم عل بلادهم لفترة ثلاثين عاما من 1989 الى 2019. تقاسم تحالف تلك الثورة، مكونان احدهما عسكري والآخر مدني، وفق وثيقة دستورية أسهم في إقرارها الاتحاد الأفريقي ، وللمفارقة – بدعم من الجار الإثيوبي، الذي تلبدت سحب الخلاف في سماء البلدين حول سد النهضة الاثيوبي مؤخراً.
أنّ للمكون العسكري الصوت الأعلى في المجلس السيادي الذي يدير البلاد برئاسة الجنرال البرهان، فيما تولت الجهاز التنفيذي للدولة ، حكومة مدنية يرأسها د.عبدالله حمدوك. غير أن ذلك المجلس السيادي وإن تشكّل مناصفة بين العسكر وممثلي ثورة ديسمبر من المدنيين ، إلا أنّ العسكريين في عضويته، هم أنفسهم من اتفقوا مع الطاغية البشير لازاحته من السلطة و”الاحتفاظ به في مكان آمِن”، وذلك وفق بيانهم للثوار، وتعاطفا منهم مع الثورة ، وربما لنواياهم حقن دماء الثوّار في المواجهات التي أراد الطاغية تصعيدها لخنق تلك الثورة.
(2)
منذ الأيام الأولى وإثر إجازة هذه الترتيبات ، وبدء تنشيط المجلسين : ألسيادي والتنفيذي أعمالهما ، أنّ لدى السيادي اتجاهاً واضحاً للتدخل في أعمال الحكومة التنفيذية ، خلافاً للصلاحيات التي نصّت على اقتسامها الوثيقة الدستورية المؤقتة. كان الاتفاق أن تدار البلاد خلال فترة إنتقالية ، أجلها حوالي أربعة أعوام ، أن تجرى بعدها انتخابات قومية ترتب لحكم البلاد بصورة ديمقراطية . غير أن نصوص الوثيقة شيء ، والالتزام بتنفيذ بنودها شيء آخر.
وضح لكل متابع حصيف، أن المجلس السيادي لا ينفرد جنرالاته باتخاذ القرارات دون الالتفات لأعضائه المدنيين، بل تمادى في التغوّل على صلاحيات الحكومة التنفيذية، في جوانب السياسة العليا ، مثل المضي نحو التطبيع مع الكيان الصهيوني، أو السياسة الداخلية كالإبقاء على مؤسسات اقتصادية عسكرية مهمة، خارج ولاية الجهاز التنفيذي للدولة. ثمة جوانب عديدة أخرى لا مجال لاحصائها هنا ، تغول فيها بعض جنرالات المجلس السيادي على صلاحيات كثيرة لم ينص على تبعيتها لهم في الوثيقة الديتورية التي تقرر أن تكون الهادي لتسيير إدارة الدولة خلال الفترة الانتقالية. لكن أهم الصلاحيات التي أوكلت للمجلسين السيادي إشرافا، والحكومة المؤقتة تنفيذاً،هي مهمة تحقيق السلام في ربوع البلاد.
(3)
لقد جرى تفاوض مضن وطويل بين حكومة السودان في جانب، وحركات المعارضة المسلحة التي حققت نفوذا في دارفور وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق في جانب آخر، في جوبا عاصمة دولة جنوب السودان ، وهي التي استقلت عن السودان الوطن الأم بعد استفتاء جرى في 2011. يلاحظ على ذلك التفاوض الذي استمر أشهرا طويلة عدة أمور:
أولها أن من مثل الحكومة السودانية وفد ضم أعضاءا من المجلسين ، السيدي والتنفيذي ، إلى جانت قوى الحرية والتغيير ن ، رأس الوفد نائب رئيس المجلس العسكري، وهو يحمل رتبة عسكرية، مما يعزز علو الصوت العسكري على الصوت المدني في فريق الحكومة المفاوض..
ثاني الأمور، أن اختيار جوبا عاصمة دولة جنوب السودان، موقعاً للتفاوض لتحقيق السلام في ربوع السودان ، قد يقدح في حيادية المضيف لكونه انشق من السودان الدولة الأم ، فيما عدد من الحركات التي ظلت تعارض حكومة الانقاذ المبادة ، مطالبتها أو تبنيها ، سرا أو علانية ، خيار الاستفتاء للبقاء في الدولة الأم أو الانفصال عنها..
ثالث الأمور، هي ما لاحظه المراقبون من كون المعارضون الذين جلسوا للنفاوض مع وفد حكومة السودان وهي حكومة الثورة التي أسقطب نظام الطاغبة البشير، جاءوا بذات الأجندات الت تبنوها في معارضة ذلك النظام ، ولم يتجلى، عند أكثر ممثلي تلك الحركات المعارضة،
تعاطفا قويا مع ثورة ديسمبر 2018. لكأن مفاوضي تلك الحركات المسلحة يفاوضون نظام البشير البائد وليس ممثلي الثورة التي أسقطته. . !
(4)
لقد كان جلياً أنَّ حكومة الفترة الانتقالية ممثلة في مجلس وزراء يرأسه عبدالله حمدوك، تحارب على جبهتين في وقت واحد، فبان ضعفها وهشاشة أوضاعها. كان على حمدوك أن يصارع لاستعادة بعض صلاحيات مهمة، خاصة في مجال السياسة الخارجية، استلبها المجلس السيادي وجنرالاته. في ذات الوقت كان على الرجل أن يواجه سخطاً متصاعدا في الشارع السوداني ، يرى في أداء وزرائه تقاعساً ، وفي اقتلاع آثار نظام الإنقاذ المباد، ليناً غير مبررٍ ولا مرغوب.
وحتى يدير هذه التحديات بالحنكة المطلوبة داخلياً ، يلتفت الرجل إلى القوى التي تحمي ظهره ، وسمّاها الإعلاميون ” الحاضنة السياسية”، وهي كيان أو تحالف “قوى الحرية والتغيير” فيرى تشتت صفوفها وتراجع تمثيلها لثورة الشباب التي أسقطت نظام الطاغية,، وثالثة الأثافي خروج كيانات وأحزاب تاريخية من ذلك التحالف ، فأضعفته وتهاوت فعاليته.
(5)
بقيتْ لدولة رئيس الحكومة المدنية عبدالله حمدوك، خيارات قليلة يحتاجها لتجاوز تلك الاستعصاءات الماثلة على المستوى الداخلي ، مال إلى تجديد روح قباطنة سفينته، فحل حكومته جزئيا ، وشكل وزارة جديدة في محاولة لتجاوز تلك الصعاب، فإذا بجهود نحقيق السلام تؤخر محاولته إصلاح حال وزارته. التفاوض الذي أنجز غي عاصمة دولة جنوب السودان أسفر عن إقرار تعديلات ، أدخلت عناصر جاء بها الاتفاق إلى هيكل المجلس السيادي ومجلس الوزراء الذي قرر تجديد الدماء فيه. إن تأثير صوت المكون العسكري خلال تلك المفاوضات كان جليا ، ويصعب بالطبع رصد جوانبه على أي متابع، غير أن دخول بعض من جاء بهم الاتفاق وزراء في الحكومة وأعضاء أضيفوا إلى المجلس السيادي، يدفعنا للزعم دون تأكيد جازم، أن ذلك الاتفاق كان كسبا للمكون العسكري في الفترة الانتقالية، وليس للجانب المدني .
(6)
أما على المستوى الخارجي، فإن حمدوك، وهو الموظف الدولي السابق الذي خبر المنظمة الدواية وهيئاتها، فقد اختار بحذقٍ اللجؤ للمجتمع الدولي لمناصرة حكومته ومكونها المدني. لقد وجد استجابة طيبة من المنظمة الدولية ، قضت باعتماد بعثة دولية خاصة، لدعم وتعضيد التوجه المدني للنظام الجديد في السودان. أثار قرار اعتماد البعثة جدلاً واسعا ، وتباينت الرؤى حوله من طرف كيانات سياسية ذات وزن ، فسبب معارضتها صداعا مؤقتا للحكومة المدنية .
في جانب آخر ، كسب الرجل تعاطفا من أطراف مهمة في المجتمع الدولي ، منها صندوق النقد والبنك الدولي ومجموعة نادي باريس ، ودول في الاتحاد الأوروبي مثل بريطانيا وألمانيا وفرنسا وبعض بلدان عربية ، أعلنت عن تعهدات سخية لدعم الاقتصاد السوداني، وإن بقيت في معظمها تعهدات معلقة في الهواء، أو ربما قد تتضح فوائدها بعد حين بعيد ، ولكن ليس لمساعدة الحكومة المدنية لمجابهة الاستعصاءات الماثلة، وصعوبات الضائقة المعيشية التي لن تقلل من سخط الشارع السوداني ، جراء عجز الحكومة عن تقديم حلول فورية لها.
تبقى الجبهة الخارجية حبلى بتحدياتٍ، تثقل كاهل الحكومة الانتقالية . هنالك أزمة الخلاف بين اثيوبيا والسودان ومصر حول سد النهضة. هنالك المشاكل الحدودية ، مع دولة جنوب السودان ومع مصر ومع اثيوبيا أيضا. هنالك المشاكل الأمنية في دارفور وامتداداتها في تشاد وليبيا ..
(7)
إن الصورة التي رأينا بعض تفصيلاتها في الأسطر السابقة، هي حال أوضاع سياسية واقتصادية لنظام انتقالي ، ورث تركة مثقلة من الهيمنة العقائدية وسوء الإدارة والتسلط وحجب الرأي المخالف، والفساد بكل ألوانه ومشاربه. ولعلّ ثلاثين عاما محتشدة بكل هذا القدر من السوء، تتطلب إصلاحاً قد يمتد لأكثر من الثلاثين عاماً التي مكّنتْ “الانقاذيين” للجلوس على ظهور أهل السودان. .
من عثرات الفترة الانتقالية، أنّ الصراعَ بين المكوّنين المدني والعسكري ، آخذٌ إلى تصعيد ، وهاهيَ الآفاق مليئة بتوقعاتٍ تنذر بأخطارٍ قادمة. .

العربي الجديد – لندن
11/6/2021


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك