الفصل الرابع من كتاب “ما وراء السودان الحديث: مأموريات تفتيشية (2 /2) .. بقلم: هنري سيسيل جاكسون .. ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي


الفصل الرابع من كتاب “ما وراء السودان الحديث Behind The Modern Sudan”
On Trek مأموريات تفتيشية (2 /2)
Henry Cecil Jackson هنري سيسيل جاكسون
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
مقدمة: هذه ترجمة للجزء الثاني والأخير من الفصل الرابع من كتاب “ما وراء السودان الحديث Beyond the Modern Sudan”، للإداري البريطاني هنري سيسيل جاكسون. نشرت دار نشر ماكميلان الكتاب في لندن عام 1955م.
عمل جاكسون في مجال الإدارة بالسودان لأربعة وعشرين عاما متصلة، وحكم مديريتي بربر وحلفا، ولخص تجربته في الحكم والإدارة في عدد من المقالات والكتب التي وصف في بعضها عادات السودانيين وأمثالهم في مختلف المديريات التي عمل فيها، وأرخ في بعضها الآخر لبعض الشخصيات السودانية مثل عثمان دقنة والزبير باشا رحمة. وقد ترجمنا من قبل بعض فصول هذا الكتاب، ومقتطفات من بعض كتب ومقالات مختلفة لهذا الإداري الكاتب.
المترجم
************** *********
سافرنا العام الماضي بباخرة صغيرة عبر نهر السوباط، وتوقفنا في كثير من الأحايِين عند شواطئ رملية، حيث قام بحارتنا بدفعها ورفعها من الرمال في النهر الموبوء بالتماسيح، وأفلحوا في طردها بفعالية واضحة فقط عن طريق الصياح ونثر المياه بقوة من حولهم. وذات مرة كنا في طريق العودة للشاطئ بعد حلول الظلام. وعند بلوغنا الشاطئ قفز بحار من حنايا الباخرة (بالمكان التي يركب عليه الشراع) إلى الشاطئ ليجر الحبل الغليظ الذي يستخدم لإرسا الباخرة على الشاطئ. عندها سمعنا صرخةً تصم الآذان وأصوات نثر للمياه بقوة أعقبه صوت صرخة أخرى مع قفزة للبحار مرة أخرى في الماء. كان البحار قد هبط في ذلك الظلام على بعد ثلاثة أقدام من ثعبان سام، وقفز متراجعا للخلف ليتحاشاه، ولكنه وجد نفسه قد هبط فوق تمساح! ورغم أنه رجل محمدي، إلا أنه لم يتورع عن اِزْدِرَاد كأس مملوء بالويسكي (مع قليل جدا من الماء) قدمته له.
التماسيح مخلوقات بغيضة. غير أنها لم تثر في نفسي قط مشاعر الاشمئزاز المطلق مثلما أثارته الثعابين. والثعابين موجودة في كل أنحاء السودان، على الرغم من أنه يجب القول بأن الكثيرين كانوا قد قضوا سنوات طويلة في السودان دون أن يروا واحدا منها. غير أني أسرد هنا ملاحظاتي، وهي من باب اهتماماتي، سَوَاءً أَكَانَتْ مفيدة أو غير ذلك. كنت أكره وأرتعب من الثعابين، وأبحث عنها باستمرار. وربما لهذا السبب رأيت الكثير منها. وربما كان خوفي من الثعابين مبالغا فيه، إذ أنني لم أسمع بموت أوروبي من لدغة ثعبان سوى ذلك الإغريقي في كوستى الذي فارق الحياة بعد ساعة واحدة من لدغه. وأُرْسِلَ الثعبان – بعد قتله – للخرطوم للاستعراف عليه. وللغرابة، ذكر تقرير المعمل أن ذلك الثعبان ليس ساما! والحق يقال، فإن 95% من ثعابين السودان ليست سامة. غير أنه يجدر بالمرء أن يظل باحثا عن الـ 5% الباقية. وعلى كل حال، لا أعد العثور صدفة على ثعبان ليس وقتا جيدا أثناء محاولة التحقق من علاماته المميزة بروح علمية. وفي بعض الحالات لا يستطيع المسافر أن يحمل دوما سريرا سفريا معه، وفي هذه الحالة تشكل الثعابين خطورة خاصة. وفي ذات ليلة خلد العقيد بيكون Bacon للنوم مفترشا للأرض بالقرب من نهر أكوبو. وبعد فترة أيقظه تحرك شيء يتلوى بين بطانيته ووسادته. كان ذلك الشيء هو الثعبان المعروف محليا بـ “أبو النوم”. كان بيكون قد صادف من قبل العديد من الحوادث البغيضة مع الثعابين. ففي ذات مرة كان الرجل يجلس على بساط مقاوم للماء فرشه على العشب تحت ظل شجرة، واضعا خلفَ ظهره وسائد مَسنُودة على صندوقين خشبيين. وأحس بشيء يتحرك خلفه، فأدار رأسه ليرى ذلك الشيء، ولكنه لم يبصر شيئا يمكن أن يفسر ما أحس به، فمضى يقرأ صحيفته. غير أنه سرعان ما أحس مرة أخرى بتلك الحركة فبدأ في تفحص الوسائد وانحنى إلى الأمام. وهذا ما نقل ذلك “الشيء” الذي كان يزعجه من الوسائد لظهره. دفع العقيد بالصحيفة فوق كتفه لإزالة ما كان يظنه نوعا من الحشرات. ولما وجد أن ذلك لا يُجدي نَفْعا مسح بيده برفق فوق محيط خصره خوفا من أن يُعَضُّ في تلك المنطقة. وفي اللحظة التالية برز فجأة من بين قميصه المفتوح رأس وجسد ثعبان طوله نحو 28 بوصة، وبقي ذيله في جسد العقيد بيكون. وبدأ الثعبان في النزول إلى البساط، غير أن بيكون لم يره في البداية إذ أنه كان تحت ركبته مباشرة، ولم يجد في نفسه الشجاعة ليقوم بأدنى حركة أو أن ينحني قليلا ليرى ما يحدث. ولم يكن أمامه تخيل ما كان يحدث الا بالملمس الحرشفي الذي كان يسعى فوق جلده. وقضى بيكون لحظات مرعبة وفتحة بنطاله القصير توفر الملجأ المثالي للثعبان إن أصيب بالروع. كان بيكون لا يزال يجهل ما يفعله ذلك المخلوق داخله. كان كل ما يحس به هو حركة تنفسه. وأخيرا بان لعينيه منظر رأس مُؤذٍ يندفع تحت ركبته، وباقي جسده ينزلق تحت قميصه إلى البساط، حيث تم قتله فورا. وأختتم بيكون قصته مع الثعبان بالقول إنه يعد نفسه محظوظا كونه ما زال عَزَبا، لأنه لو كان متزوجا لما سمحت له زوجه بأن يرتدي مثل تلك الملابس الرثة التي كان يرتديها يوم الحادث، والتي تمكن الثعبان من أن يجد طريقه خارج جسده خلال أحد ثقوبها العديدة.
وكان للرائد تيثرينجتون Titherington (الذي أتينا من قبل على سيرة مواجهته للبؤة) تجربة مماثلة نوعا ما. كان يتناول إفطاره عندما سقط ثعبان فجأة من شجرة في إبريق مليء بقهوة حُضرت لتوها ووضعها الخادم على الطاولة وهي تغلي. وعلى الفور قفز الثعبان من ذلك المشروب الحارق وأستقر مباشرة على الجزء الأمامي من قميص تيثرينجتون المفتوح. وفي حادثة أخرى، كان تيثرينجتون يقود شاحنةً (لوري) بالقرب من كاكا، ليس بعيدا عن جبال النوبة، عندما رأى ثعبان كوبرا يتأرجح بجانب كوعه. أفلح الرجل، وهو يكاد يتجمد من شدة الخوف، في الضغط على دواسة وقود الشاحنة دون أن يزيد فيما يبدو من سرعتها. قال لي الرائد لاحقا: ” إن تفاعل المرء مع مثل تلك المواقف أمره عجيب. كنت بالطبع مذعورا وأكاد أتيبس. وبالإضافة لذلك، عندما لم يبدُ أن السيارة تزيد من سرعتها، شعرت بالغضب من خادمي لعدم تنظيفه المقابس (plugs)، وكنت أفكر فيما سأفعل به إن بلغت بيتي سالما. لا أعتقد في الحقيقة أنه كان هناك أي عطل فني في السيارة، ولكن عندما تكون هناك كوبرا – على بعد بوصة أو بوصتين من عوكك – تستعد فيما يبدو لعضك، تبدو الثواني وكأنها ساعات. وعلى كل حال بعد أن حاولت تشغيل المحرك مرارا، أفلحت في جعل ذلك “الوحش” يتحرك.
وعلي الرغم من أن الحيوانات البرية (مثل وحيد القرن وفرس النهر والفيل والجاموس والتمساح والثعبان) قد تضفي بعض الإثارة على رحلاتنا في مأموريات التفتيش، إلا أنها غدت مجرد حوادث في مسيراتنا اليومية. غير أن نقص الماء كان يشكل خطرا أكبر، حتى في جنوب السودان. لذا كان حمل كمية من الماء تكفي لعدة أيام من الأمور المهمة، خاصة عندما كنا نطوف في مناطق بعيدة عن شواطئ الأنهار، إذ أننا – ومع خرائطنا الناقصة وغير الكافية – لم يكن لنا أن نعرف دائمًا، وعلى وجه اليقين، أين نجد الماء في الأماكن التي تقع على طول طريقنا.
كنا قد يذلنا غاية وسعنا لنضع في خرائطنا مواقع الحفائر والبحيرات والنهيرات. غير أنه ما من ضمان أن يوجد مصدر للمياه هذا العام في منطقة حددناها بالخريطة في عام سابق، إذ أن البحيرات والنهيرات تعتمد في وجودها على معدلات متذبذبة لسقوط الأمطار، وكثيرا ما تجف. وذات مرة ظللت طوال يوم شديد الحرارة أبحث مع مرافقي عن المياه دون جدوى. وبعد حلول الظلام بقليل تتبعنا آثار الطرائد فعثرنا على بحيرة صغيرة، لكن مائها كان قد فسد بما أحدثته فيها الحيوانات البرية، وكان مليئا بمخلوقات كريهة تتمعج لدرجة أن عمالنا أبوا أن يشربوها حتى بعد أن غليناها وأضفنا لها كل بقايا مسحوق القهوة التي كان بمقدورنا التضحية به. أدخلنا أذرعنا في ماء تلك البحيرة (القذرة) لنبرد قليلا، ثم فتحنا زجاجة البيرة الوحيدة التي كانت معنا. وقلما كنا نقيس كمية المشروب بالدقة والحذر الذي قسنا به محتويات تلك الزجاجة، خوفا بالطبع من أن نهدر نقطة واحدة منها. وكان نصيب كل واحد منا ملء كوز واحد. ولحسن الحظ كان خدمنا من المحمديين – رغم أنهم كانوا يتساهلون في أداء واجباتهم الدينية – فلم يكن علينا أن نتشارك معهم ذلك المشروب.
كان المقدم موودي مسافرا في منطقة غير مأهولة بالسكان في غرب مديرية بحر الغزال بين كابيلوزو (Kabeluzu) ونياماليل (Nyamelell) متجها نحو بئر قديمة قيل إنها موجودة وسط المكانين. وبالفعل بلغ المقدم ذلك المكان ووجد البئر، غير أنه وجد بها قَردَوحا (قردا ضخما) ميتا جعل مائها غير صالح للشرب. كان رجال فيلق النقل المصاحب للمقدم في غاية الانهاك من مسيرتهم الطويلة، و (فجأة) اختفى أحدهم. واضطر المقدم موودي لركوب دراجته حاملا كل ما استطاع حمله من زجاجات الماء ومضى لنهر لول (Lol) على بعد عشرة أميال. وعند عودته أصابه الذعر عندما أُخْبِرَ بأن ذلك الجندي الغائب لم يعد بعد. ولما كان الليل قد أسدل أستاره، فلم يكن هناك ما يمكن عمله، حتى وإن كان بقية الجنود غير متعبين وبمقدورهم السير للبحث عنه. وعاد الجندي الغائب في الصباح، وفسر غيابه بأنه كان قد اِشتمَّ رائحة الماء وذهب يبحث عنها. غير أن أسدا كان قد اِشتمَّ هو الآخر ذات الماء، فأضطر الجندي لقضاء ليلته أعلى شجرة.
ويلجأ رجال القبائل في شمال ووسط السودان – حيث يقل منسوب الأمطار – إلى وسائل عديدة لحفظ المياه. ويستخدم الناس في كردفان، على سبيل المثال، أشجار التبلدي بعد أن يُجْوَف جذعها – الذي قد يفوق مقاس محيطه عشرين قدما – وفي بعض الأحيان يُقَوَّى بأسمنت لصنع نوع من الفِنْطاس أو الخزان الذي يسع الكثير من المياه. وفي بعض الأماكن يستخدم الناس “الحفير”، وهو بحيرة كبيرة تُصْنَعُ بتصريف مجرى المياه الضحلة. وبدأت مؤخرا حكومة السودان مشروعا طموحا لتوسيع وتطوير هذه الحفائر عن طريق الجرافات. وهذه واحدة من أهم مساهمات الحكومة في رفاه الشعب منذ سنوات. وكان رجال القبائل يقومون عند جفاف حفيرهم بالتحرك بقطعانهم إلى أي مكان يتوفر فيه الماء والكلأ. وهذا ما يفضي إلى الرعي الجائر overgrazing، وإلى صدامات متكررة بين الرعاة. وعندما لا تكون هناك مجاري أنهار يحصل الناس على الماء من آبار شديدة العمق.
أذكر أني كنت مسافرا في منطقة “أبو دليق” التي تبعد نحو ستين ميلا شرق الخرطوم. وكان النهار شديد الحرارة وكنا عطشى. غير أننا لم نحس بقلق حقيقي حول الماء فقد كان لدينا الكثير منها في حاوية مياه مصنوعة من الزنك، وفي قرب مصنوعة من جلد المعز. غير أن ماء حاويات الزنك كان فاترا، بينما كان لماء القرب طعم غير مستحب بسبب النطرون (وهو من القلويات المعدنية المكونة من كربونات الصودا) الذي يستخدم في صناعة القرب. وكنت أؤمل أن نمر على بئر يكون مائها أصفى وأبرد. وكنت سعيدا عندما لاحظت مع مغيب الشمس مسارات للأبل وحيوانات أخرى قد جف عشبها. وأدركت أن تلك المسارات لا بد أن نقود إلى بئر، وأن الأبْعار الطرية على المسارات تدل أن تلك الحيوانات قد مرت منذ وقت قليل. وهذا ما يشير إلى أن الماء في المتناول. ثم رأيت من على البعد أعدادا لا حصر لها من الجمال والأبقار والغنم والمعز، مع عرب كثر يتحلقون حول نَصب غريب الشكل أثار حيرتي إلى أن قربت منه.
تفرعت من تلك البئر أعمدة (تربط بينها حبال) في كل الاتجاهات، ويسير بين كل خط من الأعمدة جمل يجر الماء من قاع البئر. وكان عمق الآبار يُقَاسُ بما يعرف بـ “راجل” (أي حوالي 5 أقدام و9 بوصات، وهو طول الرجل في المتوسط). وكان عمق تلك البئر أكثر من 50 رجلا. وكان يجب جلب الماء للسطح من عمق قرابة 300 قدما. ومع بلوغ كل جمل نهاية رحلته (مسافة 100 ياردة من البئر)، يُسْكَبُ الماء من قرب في أحواض مبنية من الطين المحروق أو جذور أشجار مجوفة، وتتجمع حولها الحيوانات التي لم تكن قد ذاقت الماء منذ يومين أو ثلاثة. راقبت باهتمام الرجال والأطفال وهم يطردون من حوضهم حيوانا لا يخصهم كان يريد السُّقْيَا. يا لعظم الجهد الذي يُبْذَلُ لجلب الماء لسطح الأرض من على عمق مئة ياردة في قربة واحدة، يندلق جزء من مائها، ثم يعود الجمل لمئة ياردة أخرى وتُنزل القربة لقاع البئر، قبل أن يبدأ الجمل مرة أخرى في أداء عمله الممل!
وكان تطوافنا يأخذنا أحيانا في صحراء ليس فيها مسارات مطروقة وقد لا يكون فيها ماء على مدى مئة ميل. وفي مثل تلك الرحلات فإن وجود أَدِلَّة (مرشدين) ذوي خبرة في السفر عبر الصحراء يُعد من أوجب الضرورات المهمة. وكان هؤلاء الأَدِلَّة يفتخرون بمعرفتهم، ويدركون أنه لا يمكن لمسافر في الصحراء أن يستغني عن خدماتهم، ويسخرون دوما من جهل الرجل الإنجليزي. وفي بداية القرن كان الرائد بروودبنت Broadbent (الذي صار فيما بعد فريقا وحاكما لجيرسي) يقوم بدورية مع أربعين من فيلق الهجانة من غرب كردفان إلى دنقلا عبر ثلاثمائة ميل من الصحراء. ولم يكن هناك معه من يعرف تلك المنطقة سوى دليله الكباشي. وذات مساء، وبعد أن تأكد من أن الإبل قد عُلِفَتْ وعُقِلَتْ، راقب بروودبنت ذلك الدليل الكباشي وهو يحاول متخبطا ودون جدوى فتح كرسي قماش طويل (deck chair). صاح فيه متعجبا: “لماذا أيها المغفل؟ لقد علمتك فقط بالأمس طريقة فتح الكرسي!”. رمى رجل الكبابيش بالكرسي وهو في أشد حالات الامتعاض ورد غاضبا بالقول: “ليس لدي كرسي، ولا أريد أي كرسي، ولا أريد أن أتعلم طريقة فتحه. وما هي فائدة الكرسي على أية حال؟ ألم يُعطن الله شيئا لأجلس عليه. أعرف شيئا أكبر قيمةً من طريقة فتح هذا الشيء عديم القيمة. لديك أربعين من الإبل، وقد قضيت معك ليومين فقط ولكني أعرف أثر كل جمل منها، وبمقدوري معرفة أثر جملك في وسط كل الجمال الأخرى. وجملك هذا ظل معك لعامين كاملين ولكنك لا تعرف أثره على الأرض! بالإضافة لذلك، أنا الوحيد بينكم الذي يعرف أين تقع أول بئر أمامنا. حياتك وحياة رجالك الأربعين تعتمد على معرفتي ومهارتي في العثور على تلك البئر – هذا أهم بكثير من معرفة طريقة فتح كرسي!”
يبدو أن لكثير من العرب قدرة واحساس خاص يدلهم بثقة (على الطرق) في الصحراء، تماما كغريزة هجرة الطيور. وليس مع هؤلاء الأدلاء ساعات لقياس الزمن الذي استغرقه السفر، ولا بوصلة لمعرفة الاتجاهات. وكثيرا ما يجد هؤلاء الأدلاء طريقهم في وسط الصحراء حتى عند توسط الشمس كبد السماء (حيث لا يوجد أي عون من الظلال المتحركة) عن طريق ملاحظة التموجات الصغيرة على الأرض. ولا تلاحظ العين الأوروبية مثل تلك التموجات، فهي غير محسوسة بالنسبة لهم. ويتعرف الأدلاء العرب على الفروقات بين عشرات التلال الصغيرة، بينما لا يرى الأوروبي أي فرق بينها. وربما يكون العرب قد اكتسبوا تلك المهارة الفريدة لملاحظة دقائق الأشياء عن طريق سيرهم بخطوات وئيدة متمهلة على ظهور الجمال. وكانوا يفقدون تلك المهارة والاحساس بالوقت أو المسافة عند ركوبهم للسيارات.
وربما تَكَوَّنَ ونما ذلك الإحساس والشعور بالاتجاهات عند العرب كشرط ضروري للبقاء على قيد الحياة، إذ أنهم يعيشون في بلاد يموت المرء فيها: إما من العطش إن ضل الطريق في الصحراء، أو إن وقع أسيرا في منطقة للأعداء. غير أنه من المعروف أنه في حالات نادرة قد يضل العرب الطريق، إما بسبب عدم القدرة على رؤية النجوم في ليل تغطي سمائه السحب، أو بسبب عواصف رملية تحجب المعالم. ولكني ما زلت أذكر أن حادثة مثل هذه كانت قد وقعت قبل وصولي للسودان. وانتهت تلك الحادثة نهاية مفجعة.
أُرْسِلَتْ ذات مرة مفرزة مكونة من ضابط و25 من الجنود إلى بئر النطرون (على بعد 270 ميلا غرب دنقلا) وذلك من أجل الحفاظ على الأمن والسلام في أوساط القبائل التي كانت تتردد على تلك الآبار في الشتاء لجمع النطرون، الذي يباع بأسعار عالية في مصر. وكانت تلك النقطة الصحراوية الصغيرة تعتمد كليا في تموينها على قوافل الجمال القادمة من دنقلا. وذات مرة لم تصلها قافلة كان من المفترض أن تبلغ المنطقة في السابع من أبريل، إذ أنها كانت قد تاهت في الصحراء بسبب عاصفة ترابية. وانتظر الضابط القائد لثلاثة أيام حتى تأتيه تلك المؤون التي كانوا يحتاجون إليها بشدة. لذا قرر أن يخلي النقطة ويتحرك منها أملا في أن يلاقي تلك القافلة في مكان ما. وبعد مسير خمسة أيام، وجدت المفرزة نفسها دون طعام أو شراب في منطقة صحراوية غير مأهولة ليس بها ماء. وأخفق كل من بعثهم الضابط لاستكشاف مكان تلك القافلة في العثور عليها. وبقيت المفرزة محصورة في مكانها بلا زاد ولا ماء. وبلغت أنباء الكارثة لدنقلا يوم 27 أبريل، فتم إرسال بعثة لإنقاذها، غير أن عاصفة رملية أزالت آثار كل المسارات. ووصلت أخيرا بعثة الإنقاذ لرجال تلك المفرزة المنكوبة، ولكنها لم تجد منهم على قيد الحياة سوى ثلاثة رجال. ووجدوا أيضا جثة الضابط وجندي واحد. لا بد أن جثث البقية (23 رجلا) كانت قد دُفِنَتْ في أماكن متفرقة عند قيام أولئك الرجال ببحث مسعور أخير عن ماء في تلك الصحراء.

 


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!