جوانب خفية فى سيرة راشد (2/2): عبد الخالق محجوب, بابكر كرار: صداقة قوية وتقارب فكرى  .. بقلم: صديق محيسى


فى سيرة فى  التسامح الذى عبرعنه  محمد احمد  المحجوب فى كتابه الديمقراطية فى الميزان وتطرق فيه  الى اعدام  عبد الخالق محجوب يطل علينا  سؤال  هام  وهو  المتعلق بعلاقة رجال السياسة فى السودان  بعضهم ببعض كأفراد  فى مجتمع  تغلب عليه الروح البدوية او مباشرة  ثقافة  تربية البيت السودانى , اما  فى حيز المعتقد السياسى  فأن ذلك  لم يكن ليؤثر ابدا على  تلك لعلاقة  موضوع حديثنا ,وقد نرجع فى ذلك الى الراحل محجوب شريف الذى اطلق اسم “النفاج” على صحيفته  التى كان يصدرها  قبل رحيله ” فالنفاج”  الى ابناء  هذا الجيل  هو باب كان موجودا  حتى “عصر” الخمسينات  بين  منازل  الحى الواحد  تستطيع منه ان تصل الى اخر بيت فى المربع وكان الناس من خلاله  يتبادلون المحبة والإلفة  والثقة والأمانة قبل مبادلة الطعام  ثم  قبل ظهور الراديو والتلفزيون .
اعود الى هذا  المدخل “علاقة  رجال السياسة  فى السودان “لأتحدث عن علاقة  مميزة ومدهشة بين زعيمين مفكرين هما عبد الخالق محجوب سكرتير الحزب الشيوعى السودانى وبابكر كرار رئيس الحزب الأشتراكى الإسلامى ,ولكن قبل الدخول فى  تفاصيل هذه العلاقة علينا القاء الضوءعلى مسيرة بابكر كرار السياسية من هو وكيف غادر الحركة الشيوعية وانضم الى تنظيم  الإخوان المسلمين ؟
تقول الروايات ( انه  فى عام  عام 1948 زار الصائم محمد إبراهيم المحامي مدرسة حنتوب الثانوية واقترح على الطالبين وقتها محمد يوسف محمد وبابكر كرار تكوين فرع لرابطة الطلاب الإسلاميين بالمدرسة لمجابهة النشاط   الطلابى الشيوعى  غير ان هذه  الفكرة  ماتت فى مهدها   إلا إن بابكر كرار عمل على إحيائها في الكلية الجامعية في مارس عام 1949عندما طلب من محمد يوسف محمد كتابة مذكرة تعريفية باسم حركة التحرير الإسلامي مقابل الحركة السودانية للتحرر الوطني الشيوعية (حسدتو) فضمت الحركة الجديدة يوسف حسن سعيد، والطيب صالح، وعماد فضل،ومحمد احمد محمد علي) 1 واذا تمعنا فى صفة التحرير التى اختارها كرار نجد  ان هذه المفردة  لم ترد فى ادبيات الإخوان السياسية فهم يستخدمون مفردات مثل “الجهاد” “والشهادة و”الاخو فى الإسلام “وآن نظرتهم للاستعمار البريطانى لم  تكن تتعدى انه جالب الفساد  للبلاد والأندية الليلية التى تقدم فيها الخموروالنساء العاريات . اذ لم  يسجل التاريخ لهم اى مشروع وطنى  لما بعد الأستقلال يبحث فى  قضايا التنمية والتعمير بعد خروج الإستعمار البريطانى من البلاد ,  وكل ماكان  مطروحا هو حكم الشريعة  الأسلامية  التى ( تحرر الإنسان السوداني من فساد الأخلاق والمعاملات  السيئة وتحريره  من الاستعمار والتخلف والفقر والعودة به إلى ما كان عليه المجتمع في عهد الخلفاءالراشدين  ).  اما المشروع  الذى  فكر فيه كرار كان يحمل ملامح اليسار  الذى  نجح  فى مخاطبة الشارع وكسب جماهير الطبقة  العاملة والمزارعين .
 يقول ميرغنى النصرى   (كان القادة التقليديون للحركة الإسلامية في السودان وخارج السودان يعلنون عداء صريحا وقاسيا بين الإسلام وبين الإشتراكية بل كان بعضهم يعتبر الحديث عن الإشتراكية إنما هو زلة كفرية ولكن عكس ذلك فقد  أثبت  كرارأن التوجه الإسلامي توجه اشتراكي في جوهره واستدل على ذلك  على قول النبى عليه السلام  قرر شراكة الناس كل الناس في الماء والكلأ والنار وكان الاختراق لهذا الخط الأحمر في العام 1954
2
  لم تكن صداقة بابكر كرار مع عبد الخالق محجوب هى صداقة إتفاق مواقف سياسة عابره فقط بين حزبين سياسيين, ولكنها كانت صداقة  مبنية على تبادل فكرى عميق ,وعبد الخالق الذى حفظ القران فى سن صغيرة كان يردد دائما فى لياليه السياسة وفى كتاباته سورة “لن يغير الله  مابقوم  حتى يغيروا ما بانفسهم”  ما معناه ان الشعوب  مالم تغير واقعها  بمعرفة هذا الواقع وتشخيصة  لن تستطيع اكتشاف ادوات تغيره  وفى شان العلاقة  القوية بين المفكرين يذكر محمد عبد الرحمن امين مجلس  الصداقة الشعبية  فى النظام البائد  وهذه شهادة من مخالفيه فى الرأى ان عبد الخالق محجوب كان صديقا  حميما لبابكر كرار .وتأثر به كثيرا  وان  صحبته معه أفادته معرفيا
3
  ويشير كرار الى ان ماورد فى القران  من ” خروج الميت من الحي والحى من الميت”     يخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ [يونس:31]  هو الديالكتيك  نفسه, وان كارل ماركس ربما يكون قد اخذ هذه النظرية من القران ,واذكر انه كتب عندنا فى “السودان الجديد” سلسلة مقالات هامة فى الستينات عن ” الديالكتيك فى القران”
    كان عبد الخالق محجوب صديقا لبابكر وتأثر به كثير وصحبته لبابكر أفادته كثيرا فقال لى:أنا الذي علمت عبد الخالق أن يقرأ الصحف الأجنبية التايمز اللندنية وغيرها (,وفي مرة استشارة عبد الخالق وقال له:أريد أن أرد على سيد قطب في بعض أفكاره فقال له يا عبد الخالق:هل أنت عارف الفرق بين كلام الأستاذ سيد قطب والقرآن الكريم؟ أمكن تقول:عاوز أرد على الأستاذ سيد قطب تروح تقول حاجة مخالفة للقرآن تقع في مشكلة ).
( لم يكن كرارشخصا فرداني بل مؤسسة للفكر الأصيل مؤسسة للعقلانية الفريدة مؤسسة حرة للاستكشاف والتجديد والبعث أكسب الحركة الإسلامية من منظوره هو بعدها العقلاني  المتفرد  فنقل توجهات حركته من العموميات التي اتسمت بها الحركة الإسلامية قطريا وعالميا إلى مشروعات الفكر المحددة فهو لا يتحدث عن العدالة الاجتماعية في الإسلام التي يمكن أن يمنحها القائد الإسلامي عدة تفسيرات )
(كان بابكر قارئا  نهما بالعربية والانجليزية ومستمعا صبورا  كان يقرأ في التراث والفقه وعلوم القرآن وعلوم التصوف وعلوم السنة وسير الأوائل دون تمييز بين الأفذاذ من مسلمين وغير مسلمين … وكان يقرأ في أخبار الحضارات القديمة والحديثة والعلوم الحديثة .. كنت تجد في رفوف غرفته القرآن وكتب الحديث وأحدث ما صدر عن الإسلام وعلومه وتجد فيها رأس المال لكارل ماركس وكفاحي لهتلر وأحدث ما كتب عن السياسة والاقتصاد والاستراتجيات الدولية ).
ما لم تركز عليه الكتابات كثيراعن  بابكر كرار انه تأثربشدة بثورة يوليو المصرية بقيادة جمال عبد الناصروخطابها الإشتراكى الذى استهدف الإقطاع ,ورأس المال, وأعاد  ملكية الأرض للفلاحين من قبضة الباشاوات ,كما ان تأميم  قناة السويس كان حدثا  كبيرا  حرك  الدول الرأسمالية  للعدون على مصر,وخارجيا ساند عبد الناصرحركات التحررالعربية الأفريقية, واجبر بريطانياعلى الخروج من شرق السويس, وطرح مشروع الوحدة العربية, فالثورة المصرية احدثت تغييرا جذريا فى علاقات الإنتاج واقامت جسرا ايديولوجيا مع الأتحاد السوفييتى فى عزالحرب الباردة بين المعسكرين الإشتراكى والرأسمالى .
 ثمة  قضية اخرى زادت  العلاقة  قوة  بين المفكرين وهى جبهة  الدفاع  عن الحريات التى تكونت فى اعقاب الحكومة الإتلافية بين حزب ألأمة والأتحادى الديمقراطى والتى ضمت واحد وخمسون هيئة وحزب ونقابة وكانت تقود  تظاهرات الإحتجاج  من ميدان ابو جنزير ضد الغلاء  المعيشى  والدفاع عن الطبقة العاملة .
كان بابكر كرار رحمه الله شديد الحماس “لثورة مايو “بأعتبارها مكملا “لثورة يوليو ” المصرية وعكسه عبد الخالق كان ينظر الى الذى جرى هو محض إنقلاب عسكرى قامت به   البرجوازية العسكرىة الصغيرة  وورطت فيه الحزب الشيوعى الذى  ادى الى  إنقسامه ,غير ان بابكر  كرار عاد واقتنع  بتحليل عبد الخالق وغادر السودان ليرتكب خطأ كبيرا وهو  مشاركته فى التخطيط لمحاولة الجبهة الوطنية إسقاط  نظام النميرى عن طريق عملية عسكرية فاشلةرفضها الحزب الشيوعى والذى كان يرى ان اسقاط النميرى هو عن طريق تعبئة الجماهير من الداخل وهى وحدها القادرة على حسم الصراع  وبالفعل  تم إسقاط النميرى عبر الأنتفاضة الشعبية   1958 .
  مصادر
 1 _ ميرغنى النصرى من كلمته  بمناسبة بمناسبة مرور ربع قرن على وفات بابكر كرار الخرطوم 29 -30/7/ 2006
2  _محمد عبد الرحمن الأمين العام لمجلس الصداقة مع الشعوب وصاحب المبادرة 29 -30/7/2006 الخرطوم
4 —   حيدر طه  الأخوان والعسكر: قصة الجبهة الإسلامية والسلطة في السودان. مركز الحضارة العربية للإعلام والنشر القاهرة 1993، ص 16-17 -18
كادروسط المقالة 1
  ( كانت لعبد الخالق وشائج اجتماعية وثيقة مع اناس من مختلف ‏الطوائف والأحزاب والطبقات . وأذكر من بين أعز أصدقائه المرحوم أحمد داؤود ، ‏وكانت له صيدلية قرب نادى الخريجيين . وقد تأثر أيما تأثر لاغتيال عبدالخالق . ‏وكذلك من بين أصدقائه عبدالله محمد فرح ، الذى   كان يحتفظ بأطيب المشاعر نحو ‏عبدالخالق  . وكذلك أصدقاؤه عبد الله عبدالوهاب ، من أبناء دفعته فى المرحلة الثانوية ، ‏والمهندس   الراحل أحمد عمر خلف الله الذى يعمل فى الأمارات والدكتور أحمد حسن آدم (شقيق ‏النقابى المناضل السر حسن آدم من عطبرة) وفى هذا الصدد نشير الى الصداقة الحميمة ‏بين عبدالخالق والأستاذ عبدالكريم ميرغنى ومحمود بابكر بدرى والأستاذ محمد داؤود ‏الذى لازم عبدالخالق خلال سنى الدراسة والنضال فى مصر وتولى فيما بعد مناصب ‏رفيعة فى مصلحة التعاون . كذلك نذكر الدكتور عبدالغفار عبدالرحيم وهو صديق عبد ‏الخالق فى الحى والدراسة . ومن بين أصدقائه ‎‎ الأقربين وجيرانه أيضا مولانا ميرغنى ‏مبروك الذى أصبح رئيسا للقضاء أبان فترة الانتفاضة . ومن أبناء دفعته وأصدقائه ‏العديدين   فاروق ميرغنى شكاك وأحمد اسماعيل النضيف والمرحوم د. ابراهيم ‏الشبلى والقائمة طويلة لايتسع الحيز لحصرها.) ‏
كادر  2
بعد عملية تأميم  الصحافة  فى عصر النميرى بحثنا الراحل محمود مدنى  وانا عن عبد الخالق محجوب لنشكو له من ظلم “ذوى النضال” فى ايجاد وظائف لنا بعد ان تعطلت صحيفتنا” السودان الجديد “و جرى تسابق  فيه كثير من الأنانية نحو الوظائف فى المؤسستين الوحيدتين الراي العام  والصحافة, بحثنا عن عبدالخالق فى كل مكان حتى هدانا التفكير لأن نكمن له فى منزل صديقه  بابكر كرار الكائن بالعباسية, وبالفعل نجح كميننا  لنسمع  صوت ماكينة   لفلكس واغن ” تتوقف امام الباب لينزل  منها هو وكرار وبعد ان تناولنا  طعام الغداء  قصصنا عليه موضوعنا وعن كيف ان  احد  الزملاء استولى على مكتب مسئول كبير فى وزارة  الإعلام  بحجة ان الثوريين لاينتظرون ان يعينهم احد  فضحك هو وكرار وقال لنا  هذا  ال …… مجنون ولقد فصلناه من الحزب  ثم ان ماحدث  هو انقلاب عسكرى وليس ثورة  فأقترح علينا   ان نذهب الى دار الوثائق  ونعد كتابا  “اسود” عن ممارسات الأحزاب غير الديمقراطية  التى ادت الى حل الحزب الشيوعى   فكانت نتيجها الطبيعية هذا الإنقلاب العسكرى وتعهد الرجل بطباعة  الكتاب عند الفراغ من إعداده ,ولكن تسارعت الأحداث وتفاقمت خلافاته مع النميرى فجرى اعتقاله ونفيه الى القاهرة ولم نستطع تسليمه مادة  الكتاب.
siddiqmeheasi7@gmail.com

أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك