الرئيس البشير بغير ساتر: رفع الدعم ٢٠١٣ .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم


طالما كنا في سيرة رفع الدعم رأيت إعادة نشر عمود كتبته عن واقعة لرفع الدعم في سبتمبر ٢٠١٣ التي خرج قطاعات من الشعب احتجاجاً عليها. وحدس ما حدس. وأردت بهذا التذكير بأن رفع الدعم “بايت فينا ومقيل” منذ عهد الرئيس نميري. ولا يبدو أننا ملكنا حرفة معالجته بعد. وأردت أيضاً عرض طرائقي في كتابة العمود الصحفي في شرط الإنقاذ غير المواتي. فاجتمع لي في تلك الطرائق خفوت الصوت مع نصاعة الطعن في المسألة. وكان أكثر زملائي الناقدين للإنقاذ احتجاجيين زفراتهم حرى بما يدنيهم من الناشطية. وتجدهم حملوا معهم هذه العادة حتى بوجه حكومة كالحكومة الانتقالية هي موضع حسن ظنهم. فإلى العمود القديم:
وددت لو أن الرئيس البشير شال عبء أكثر شروح الدولة لسياستها في رفع الدعم. فقد كان في مؤتمره الصحافي بالأحد مبين العبارة، متملك للأرقام، عارف بوجهات السياسة الاقتصادية للدولة سوى ما طلب من وزير المالية إسعافه به. ولم تختبره أسئلة الصحفيين التي كان معظمها سياسياً أو من دارج القول عن الأداء المالي للدولة. ووجدته يُكذب حتى أكثر الإحصائيات تداولاً وهي أن 70 في المائة من ميزانيتنا يُصرف على الدفاع والأمن. كما استثمر موقعه في القيادة السياسة ليفرج عن نفسه مغائص الشروط العالمية والإقليمية والمحلية العسيرة التي اكتنفت السياسات الاقتصادية وبخاصة من جانب الولايات المتحدة والجنوبيين. ولابد من التنوية بما قاله بحق المراجع العام وسلطاته المستقلة في مراقبة أداء الدولة وتفتيشه. فصار تقرير المراجع فينا حقاً نافذة سنوية صغيرة على مصائر مالنا بين البراثن.
أسعدني كماركسي أن الرئيس تحدث عن الوضع الاجتماعي بلغة طبقية. وجاء بذلك في معرض توضيح قوله إن السودانيين ما عرفوا “الهوت دوق” قبل الإنقاذ. فقال إنه نشأت بيننا طبقة تأكل الهوت دوق “وكل شيء” من السلع الاستفزازية. ومتى تحدثنا عن وجود طبقي كما نوه الرئيس استتبعناه بالحديث عن حضورها في إملاء سياسات الحكومة. فمثلاً تقاوم طبقة متملكة في شركات التأمين والصيدلة بأمريكا خطة أوباما للتأمين الصحي الشامل الذي سيدخل نحو 40 مليون أمريكي به في مظلة الأمن الصحي لأول مرة. وقياساً فعلينا أن نكتشف دور الطبقة الحظية عندنا، بما لها من سلطان، في رسم السياسات التي أدخلتنا في هذا الضنك في قول عثمان كبر.
فلقد قاومت هذه الطبقة في جهاز الدولة دون التضحية بأي من امتيازاتها خلال المحنة المالية الحالية بحجة أن تنازلها عن بعضها لن يغني شيئا. وصَرفت هذه النخبة مطلب الناس بوقف التجنيب، المال خارج الموازنة وأساس مخصصاتها المسرفة، كمزايدة. وقد رأى الناس من خلال محاكمات وزارة الأوقاف الحالية السفه في عقود هرم الخدمة المدنية. كما جاء في تقرير المراجع الأخير أن 1094 من المتعاقدين الخواص (سودانيون بعقود خدمة خاص) بالدولة يحصلون على 53 مليار جنيه لا تشمل العلاج والسفر وخدمات الماء والكهرباء. ووجب السؤال عن من وراء استيراد السلع الاستفزازية التي تنضح بها دكاكين الصفوة؟ وهل هذه الطبقة من وراء استيراد كيك سويسرا ولبن الخليج؟ وهل ترفض الفطام عن عاداتها الاستهلاكية وتضغط على الدولة ل”تعصر” على الشرائح الوسطى والعاملة والفقيرة؟
مأخذي الأكبر على حديث الرئيس أنه روى علينا أداء دولته المعمرة فينا كقصة نجاح. وبالطبع صرف كل عيب واضح فيها كأمر طبيعي أو خارج عن الإرادة. فما زال يشكو من أن المقاطعة الأمريكية من وراء موت السكة حديد. والمقاطعة تاريخ قديم وتجاوزه كان ممكناً بالتوكل والعزم. كما تأسف الرئيس لأننا لم نتمكن من دعم مشروع الجزيرة بغير 50 مليون دولار بينما دعمنا القمح المستورد ب 400 مليون دولار. وهذا موضع للمحاسبة لا للأسف. وتندرج في المساءلة لا مصائر النفرة الزراعية والنهضة الزراعية بعدها فحسب، بل يدخل في الحساب مصير 23 مليون جنيه صُرفت على البرنامج القومي للقمح لم يجد المراجع العام شهادات صرف عليها. بل نسأل أين خبرتنا التي ذكرها الرئيس في عقد التسعين حين عبأنا مواردنا لتمزيق فاتورة القمح كما كان يقال؟ لماذا تبخرت من بين أيدينا؟
صور الرئيس حرج وضعنا العالمي في الخيار المطروح علينا من قوى الاستكبار العالمي وهو إما أن نطبع مع إسرائيل أو نشقى الشقاء الأكبر. والرد على مثل هذا الخيار الغليظ في تطبيع آخر مع الشعب تأففت منه الإنقاذ طويلاً. ربما كانت إسرائيل بالفعل هي قرة عين أمريكا ولكن لا تخشى أمريكا بلداً مثل تلك التي تصالح الحاكم فيها مع أهله. ولهذا صار الرئيس مرسي نجم الموسم الأمريكي لمجرد أنه جاء عن طريق انتخاب حر برغم المآخذ الجدية على عقائده وحكمه. ولا تريد الإنقاذ أن تصدق أن مصدر أكثر عزلتها العالمية في اعتزالها الشعب. يكفي أن أجهزة الشرطة والمؤتمر الوطني، ونحن في هذا الخلاف المشروع حول السياسة الاقتصادية، تبارت يوم أمس الأول في عرض جاهزيتها لقمع كل تعبير محتج على رفع الدعم غير مأذون. ومعلوم أنه صار التصديق للمواكب الاحتجاجية حديث خرافة في الإنقاذ.
قال الرئيس إنه لن يتخذ ساتراً دون مصارحتنا بحقائق الوضع الاقتصادي. وانتهز السانحة لعرض ما بدا لي من قوله بغير ساتر قلمي قبلي أو بعدي أيضاً.

IbrahimA@missouri.edu


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك