العنصرية أصلها وفصلها وكيف نهزمها (1) .. بقلم: محمد حسن فرج الله


العنصرية هي الإعتقاد بأن هنالك فروقاً موروثة بمقدرات الناس وطبائعهم بسبب انتمائهم لمجموعة عرقية معينة ، وبالتالي تبرير معاملة هذه المجموعة بشكل مختلف قانونياً وإجتماعياً.

لم أقابل في حياتي عنصرياً لا تمتد جذور عنصريته الي أحد هذه العناصر الثلاثة ؛ الجهل باستحالة تفسير التفاوت في المقدرات العقلية و الطبائع النفسية للبشر علي أساس العِرق ، أو الخوف من الآخر المُختلِف الذي يهدد المزايا المُتصوّرة أو الحقيقية لمتبني العنصرية ، أو الغرض بتوظيف العنصرية و الترويج لها للحصول علي مكاسب إجتماعية أو سياسية أو مادية للفرد أو للمجموعة.

علي المستوي الشخصي أزعم بأنني مُتحرر من أي شعور عنصري تجاه الآخر ، و مُحصّن ضد الاثار النفسية الوخيمة التي تُخلِّفها أي ممارسات عنصرية قد أتعرض لها ، و أنا مدِين بهذا التحرر و هذه الحصانة لسببين بعيدين كل البعد عن مجال تخصصي المهني ، و الدراسة و التخصص و التحصيل الأكاديمي المجرّد بالمناسبة ليس بأسباب حتمية للاستبصار والتعلم اذا لم ترافقهم ارادة المعرفة و استخلاص الحكمة بإعمال الفكر العميق في معاني الحياة والإنتباه للدروس اليومية المجانية التي تقدمها التجربة في كل يوم.

السبب الأول هو حرص الوالد ( رحمه الله ) علي ترسيخ مفهومين أساسيين لدي أبنائه ؛ تساوي البشر في تفاوتهم العقلي و النفسي بعيداً عن الشكل و اللون و العرق ، و قد لخّص ذلك في عبارة جامعة مانعة
Skin color is only skin deep
“درجة اللون عمقها الجلد فقط ”
والحقيقة أن العلوم أثبتت أن لون الجلد ليس له علاقة بالعِرق و العنصر ، بل بالمقدرة علي التأقلم علي الحياة تحت درجات مختلفة لسطوع الشمس .
و الأمر الآخر الذي حرص الوالد ( رحمه الله ) بالغ الحرص علي ترسيخه هو الثقة بالنفس في وجه المسالك العنصرية ، لأن العنصرية تعكس ضعف العنصري و خوفه و ليس تفوقه و إعتداده بنفسه و تقديره لها.

السبب الثاني الذي قادني للتحرر من العنصرية و التحصن ضد آثارها هو تجربة عملي كطبيب قُبيل إنفصال جنوب السودان في منطقة ( كرتون كسلا ) في ذروة الدعاية العنصرية العاتية التي كان يتولي كِبرها أطراف شمالية و جنوبية من السياسيين في ذلك الوقت ، و منطقة ( كرتون كسلا )في ذلك الزمن كانت من مراكز الثقل السكاني الجنوبي الرئيسية مما يتيح لمن يعمل فيها تجربة الاحتكاك القريب بالسكان و التعرف علي طُرق حياتهم و تقاليدهم و ردود افعالهم علي التحديات اليومية و الاستراتيجية و علي تطلعاتهم و احلامهم و فنونهم في التعاطي مع تعاريج الحياة و مفاجآتها.
واستطيع التأكيد علي أن هذه التجربة عززت إيماني بأن الإنسان هو الإنسان في كل مكان ؛ يحيا و بين جنبيه آمال كبيرة في الحب و الصداقة و العمل و إقتناص الفرص ، ضعيف أمام قسوة الطبيعة و أحكام الأقدار و نوازل الاعتلالات الصحية وآلام فقد الأحبة ، يهزه الحنين الي الدار و الأهل و الولد إذا نأي عنهم ، و يطربه الثناء و التقدير و تحزنه الخسارة و توجعه خيبة الأمل.

في ظن البعض – وبعض الظن إثم – أن ثمة معضلة كؤود لابد أن تهزم النظريات (المثالية) عن تساوي الناس و إندماجهم ؛ معضلة الزواج بين المكوِّنات العرقية المختلفة ، و الحقيقة أن المصاهرة و التزواج هو التجلي الكامل للاندماج و هذا أمر لا مراء فيه ، و قد واجهتني هذه المعضلة بعد توقيع اتفاق نيفاشا مباشرة حين سألتني صحفية عن اذا ما كنت أؤمن بأن الشماليين و الجنوبيين يمكن أن يهزموا العنصرية بالزواج و المصاهرة ؟ و فتح الله علي بإجابة لا زلت أؤمن بها : الزواج و المصاهرة نتيجة و ليس مقدمة ، و سيكونا نتيجة للارادة الصادقة و العمل الدؤوب علي التمازج الإجتماعي و التعريف بالآخر الذي يزيل الجهل به ، و علي التنمية الإقتصادية المتوازنة التي تقلِّص الفوارق المادية و الطبقية بين الناس ، و علي إتاحة الفرص المتساوية بل التمييز الإيجابي الي حين تقارب المسافات في التعليم و في تسنم المواقع القيادية السياسية و الاقتصادية للمجوعات الأقل فرصاً بغض النظر عن الأسباب التاريخية المنطقية و غير المنطقية لهذه الفوارق ، و بتجاوز الغُبن و المرارة بالتركيز علي المستقبل و فرصه بدلاً عن اجترار الماضي و الإستغراق في أطيافه المؤلمة.
الرئيس باراك أوباما فسّر الطاقة التي دفعته خلف الأمل الرئاسي في أنصع مثال للقوة التي تتولد من الإختلاف بقوله “ أنا أستمد الحُلُم من أبي ، و الإرادة من أمي “

د. محمد حسن فرج الله
إستشاري الطب النفسي

mohfaragalla@yahoo.com
//////////////////////


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!