مواقف وأقوال جانبت الصواب والمروءة! .. بقلم: محمد التجاني عمر قش


شهدت الساحة السودانية خلال الأسبوع المنصرم بعض المواقف والأقوال التي لابد من تناولها حتى يكون الناس على بينة من الأمر. أول تلك المواقف قرار لجنة إزالة التمكين بإخراج أسرة الأستاذ علي عثمان محمد طه من منزلهم في رابعة النهار وفي يوم شديد الحر، مع أن من ضمن أفراد هذه الأسرة الكريمة أطفال رضع ونساء هن من أكارم نساء السودان، إذ يكفي أن يكون الجد الأكبر لهؤلاء هو الشيخ عبد الله ود جاد الله كسار قلم مكميك، وهو بلا أدنى شك أحد عظماء السودان الذين سطروا تاريخهم عبر مواقف مشرفة شكلت جزءاً من وجدان الشعب السوداني وذاكرته الشعبية، فكان من باب أولى إكرام أولئك النسوة إكراماً لذلك الرجل العظيم. لكن للأسف الشديد يبدو أن اللجنة مصدرة هذا القرار قد نسيت أخلاق المروءة التي عرف بها المجتمع السوداني، وإلا لما أقدمت على هذا الفعل الشنيع الذي لا يعدو كونه تشفي وتصفية حسابات مع اشخاص غير ذوي صفة في الصراع الدائر بين اللجنة وخصومها السياسيين. ومن السلوك المستقر في عرفنا السوداني أن المرأة محل تقدير واحترام بغض النظر عمن تكون أو إلى أية فئة تنتمي، فهي مكرمة في كل الأحوال وتحت كل الظروف، ولذلك فإن قرار إخلاء المنزل المذكور يتنافى مع كل القيم الموروثة لدى الشعب السوداني كما أنه يتعارض مع حق الإنسان في الحصول على المأوى المناسب بموجب كافة القوانين والأعراف الدولية المستقرة والمعمول بها في دول العالم، ولهذا نرى أن لجنة إزالة التمكين قد جانبت الصواب وخالفت الشعار الذي ترفعه الثورة المزعومة التي أتت بها وظلوا يرددونه في كل المناسبات ألا وهو حرية، سلام وعدالة، فأين العدالة وهم يشردون حرائر السودان؟ وأقول لحفيدات عبد الله ود جاد الله هنالك ألف بيت مفتوحة أبوابها لكن في كل أرجاء السودان تستطعن الدخول في أيهن أردتن، “وتشليكن الرؤوس قبل البيوت”.
وموقف آخر شهدته الساحة هو ما حدث مع السيد/ يس العاص، الذي يزعم أنه ممثل مسار شمال كردفان، حيث تعدت عليه مجموعة كانت حاضرة في أحد اللقاءات السياسية، ومنع العاص من الحديث وأخرج من القاعة بشكل غير لائق بعد تبادل بعض الألفاظ التي تنم عن قدر من العنصرة والجهوية، ومهما يكن الأمر فإن هذا السلوك مرفوض تماماً إذا أردنا أن نرسي منهاجاً للتعامل السياسي في السودان. لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام: من الذي فوَض السيد العاص لينصب نفسه ممثلاً أوحداً لشمال كردفان، أم أنه قد استخدم طريقة خطف المناصب، كما هو الحال السائد في البلاد الآن، واهتبل الفرصة لفرض نفسه دون تفويض من أهل الولاية؟ مثل هذا التصرف الفردي من شانه أن يولد الغبن ويؤدي إلى مزيد من التوتر والاحتقان بين مكونات المجتمع الكردفاني الذي عرف بالتجانس والاستقرار على المستوى الاجتماعي والسياسي، فشمال كردفان لم يحدث أن احترب أهلها أو حملوا السلاح في وجه الدولة فلماذا يريد هؤلاء تعكير صفوها في هذا الزمن المملوخ؟
ومن جانب آخر سمعت قولاً مموجاً بثته بعض الجهات المغرضة والشريرة، عبر الأسافير، فقد دعوا لإخراج الغرابة والكردافة، حسب قولهم، من مدن الشمال، وكأنهم قد نسوا أن هؤلاء سودانيون يكفل لهم القانون حق الإقامة في أي مكان من ربوع الوطن، مثلما يوجد شماليون في فروبرنقا وبارا والجمامة والنهود ونيالا ولم يعتبروا أناساً غرباء، ينبغي عليهم مغادرة تلك الديار، بل هم أهل لهم مكانتهم وتقديرهم، ونشهد لهم بدورهم الطليعي في مجال التجارة والعمران؛ حتى صاروا جزءاً من النسيج الاجتماعي، سيما وأنهم مرحب بهم حيثما حلوا في غرب السودان وكردفان، وهذا القول إنما هو تمظهر لموجة الجهوية العارمة التي تجتاح مجتمعنا الآن ونخشى أن تكون لها انعكاسات على الأجيال المقبلة، ولا نملك إلا أن نقول دعوها فإنها منتنة.
أما المهندس خالد عمر يوسف سلك، القيادي بحزب المؤتمر السوداني، ووزير شؤون رئاسة مجلس الوزراء، فقد عبر عن موقف وتوجه علماني بواح، وكأنه لا صلة له بالإسلام ديناً ولا فكراً، فقد قال بشكل صريح ودون مواربة: “إن الدولة الدينية قد مزقت السودان، وهذا البلد لا يمكن أن يحكم بدين واحد؛ لذلك لابد من وجود دستور علماني لا ينحاز لجهة معينة كما أن هذا يجب ألا يكون مطلباً لعبد العزيز الحلو والحركة الشعبية، بل مطلباً للشعب السوداني بأكمله!” أيها الوزير معظم الشعب السوداني استهجن ما قلت لأنه لا يستند على الحقائق والواقع؛ فمجتمعنا يمثل المسلمون فيه ما يزيد عن 90%، مما يجعل من المستحيل تجاوز الدين، فيما يتعلق بالمعادلة السياسية والتشريع في السودان، خصوصاً إذا علمنا أن الدين الإسلامي قد ظل أحد أهم عناصر ومرتكزات الهوية والثقافة، عبر العصور، منذ قيام سلطنة الفونج. وهل تستطيع تكرار ما قلت أمام حشد انتخابي يا حفيد حكيم الجزيرة الشيخ محمد عبد الله الوالي؟

tijani@hejailanlaw.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك