البرنس مُعتقلا..!! .. بقلم: كمال الهِدَي


تأمُلات

منذ أيام الثورة ظللنا نطالع منشورات شبه إسبوعية ممهورة باسم كابتن الهلال السابق هيثم مصطفى يدعو فيها للاصطفاف والوقوف مع الثوار في وجه الهجمة الشرسة لأجهزة أمن (الساقط) البشير.
وقد كنت أصفق يداً بيد كلما وقع بصري على واحد من تلك المنشورات لاعتبارات عديدة، إلا أنني تغاضيت عن الأمر، ولم أشأ تناوله لأننا كنا بصدد الأهم وقتذاك.
لكن المثير للاشمئزاز أن تستمر هذه الدعاية الرخيصة حتى بعد أن أنجز الشعب ثورته(جزئياً) وتشكلت حكومة هذه الثورة برئاسة الدكتور حمدوك.
فحتى يومنا هذا ما زلنا نقرأ بين الفينة والأخرى المنشورات الموقعة باسم هيثم، وصار الفتى أشبه بمناضل جسور يناهض حكومة الثورة، بل ويطالب بإسقاطها.
لم أصدق في يوم أن يكون هيثم مصطفى قد كتب ولو سطراً واحداً مما ظللنا نقرأه.
ولأنني أعرف تماماً الطريقة التي تجري بها الأمور في هذا المجال ونزوع البعض المستمر لاستغلال عاطفة الجماهير اتطرق اليوم لهذا الموضوع بعد أن فات حده.
فقد بلغ السيل الزبى حقيقة واستمرأ البعض استدرار تعاطف الجماهير مع نجمها السابق الموهوب.
بالأمس القريب قرأنا خبراً مفاده أن لجنة إزالة التمكين أرسلت قوة لاعتقال هيثم مصطفى من شقته بحي المنشية، وهو ما لا أتوقع حدوثه اطلاقاً.
ولو كانت الحكومة ( لا اللجنة) تعتقل كل من يقول كلمة ضدها لأمتلأت المعتقلات بالرافضين لسياساتها.
وما يفوت على دعاة التجهيل والتسطيح في هذا البلد أن البرنس ليس رقماً في مجال الإعلام ولا مناضلاً جسوراً تهابه الحكومات حتى يُعتقل.
هو مجرد لاعب كرة سابق أبدع في الميادين وحظي بشهرة واسعة، لكنه لا يملك قدرات وملكات أي دور آخر مما يحاول البعض ربطه به لأشياء في أنفسهم.
وأرجو ممن يريدون (التطبيل) لهيثم أو فرد مهما علا شأنه عندهم أن يفعلوا ذلك بعيداً عن قضايا الوطن الكبيرة.
فلاعبنا السابق نجم رائع وصاحب تمريرة جميلة تضع المهاجمين في مواجهة المرمى مباشرة وكم أطربنا بمثل تلك التمريرات، لكن عندما نأتي على المواقف السياسية والقدرة على الكتابة الناقدة فليس لهيثم أي باع في هذين المجالين.
لا يُعقل أن يحاول البعض جرنا لقضايا انصرافيه و(شتل) لا طائل من ورائه.
فعلى أيام المخلوع ونظامه البغيض كان قائد الهلال السابق واحداً من المقربين من بعض النافذين في الدولة، وقد تابعتم جميعاً تدخل جهات عليا بما فيها القصر الجمهوري نفسه لحل بعض مشاكل هيثم مع ناديه السابق، فلماذا نتناسى ذلك ونسارع للترويج لمثل هذه المنشورات لمجرد أن اللاعب كان معشوق الجماهير!
متى نعقل و(نفرز) الكيمان فرزاً واضحاً، بدلاً من اهدار وقتنا فيما لا يفيد!
أيام الثورة ظهر هيثم في القيادة بعد أن بانت الأمور واتضحت كحال الكثيرين ممن تماهوا مع نظام الكيزان قبل أن يحاولوا القفز من سفينتهم الغارقة في الأيام الأخيرة.
وليس كل من زار القيادة وتصور وسط المعتصمين ثائراً حقيقياً يفترض أن نفرغ أنفسنا لمتابعة أخباره ونشر تغريداته أو هاشتاقاته، وحتى لو كان ثائراً حقيقياً فأمره لا يستحق منا كل ذلك، لأن هناك من فقدوا أرواحهم وثكُلت أمهاتهم من أجل هذا التغيير.
أشك تماماً في أن يكون هيثم قد كتب سطراً واحداً مما ظل يُنشر في السوشيال ميديا بإسمه، فرب العزة جل شأنه عرفناه بالعقل ولم نره بالأعين.
وقد سمعنا البرنس يتكلم ورأينا وعرفنا القدرات والإمكانيات فكفاكم ابتذالاً يا قوم.
ما ضيع هذا البلد غير هذه الفئة التي لا هم لها سوى التطبيل للأفراد والقيام بدور (خادم الفكي) في وقت يحتاج فيه الوطن لجهود الرجال والنساء المخلصين لتخليصه من أزماته المتلاحقة.
وحتى إن افترضنا أن قوة قد اعتقلت هيثم مصطفى بالفعل، فهل يرى البعض أن ذلك أكبر من فصل الأبرياء من وظائفهم واهمال قضايا العدالة والاقتصاص لشهداء الوطن!!
ثم أن حكومتنا الحالية حكومة ثورة يا قوم، ومع اختلافنا مع أغلب سياساتها، إلا أن المطالبة بإسقاطها ليس مدعاة للاعتقال، وعلى (الطبالين) أن يواكبوا المرحلة.
إذ كيف يتوقع مُفبرِك الخبر من لجنة إزالة التمكين أن تعتقل من ينتقد الحكومة أو يُطالب بإسقاطها، فهيثم استفاد من اسمه نعم، لكنه ليس فاسداً مالياً ولا سرق أموال الشعب حتى تكون اللجنة طرفاً في أمر يتعلق به.
ارحموا أنفسكم ولا تضحكوا الناس فيكم.
وتقودني جزئية أن هذه الحكومة حكومة ثورة لتساؤل حول الغرض من تتريس الشوارع هذه الأيام.
فمن الواضح أن البعض تختلط عليهم الأمور بدرجة يصعب عليهم معها التفريق بين هذا وذاك.
خلال أشهر الكر والفر كان الشباب يترسون الشوارع لإعاقة حركة القتلة وكلاب أمن البشير، أما الآن فالأمر مختلف جداً.
لا أقر سياسات حكومة الدكتور حمدوك لمثالبها ونواقصها التي لا تحصى ولا تعد، وأرى أنها أقل قامة من هذه الثورة العظيمة.
لكن ذلك لا يتطلب تتريس الشوارع.
وليحتج كل من يريد بكل هدوء ودون تعطيل لمصالح البشر، وحين تحاول السلطات قمع المعارضين لسياساتها يصبح لكل حادث حديث.
أما الآن فمثل هذه التصرفات تخدم أغراض أعداء الثورة الدنيئة، وتفسح المجال للمقاطيع لإثارة الفتن ونشر الشائعات وزيادة الطين بِلة.
لقد قدم شبابنا صورة زاهية إبان الثورة بالرغم من القمع والقتل والتعذيب الذي مارسته الأجهزة الأمنية، فكيف يفسحون المجال الآن للمخربين والقتلة والمجرمين واللصوص والمفسدين الذين أضاعوا وطناً موحداً اسمه السودان!!

kamalalhidai@hotmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!