السودان ورفع «الدعم»…. ما الجديد؟؟ .. بقلم: محمود عابدين


*يقدر الزمن الذي قضيناه كسودانيين في الحديث عن «الدعم» واللادعم  نحو نصف قرن من الزمان.. أربعون عاما ونيف ونحن ندور في نفس الدائرة الشريرة سياسياّ واقتصاديا. يعني هذا ببساطة أننا لم نتقدم قيد أنملة إلى الأمام كأمة سودانية.. فهل نحن دولة فاشلة؟؟.. ومن المسؤول عن فشلنا وبقاءنا في مؤخرة دول العالم من حيث التنمية والنماء، وان نكون في المقدمة من حيث البؤس والشقاء ّ؟؟*
منذ أن بدأ السودان تبني وصفات صندوق النقد الدولي في منتصف سبعينات القرن الماضي ونحن نسمع ونقرأ ونتابع ما يسمى برفع الدعم، وما يسميه وزير المالية جبريل ابراهيم ب «الجراحة المؤلمة» للاقتصاد السوداني.
نفس الملامح و«شبح» اللهث خلف سراب  الحلول المستوردة بلا طائل. حلقة مفرغة من الأزمات تنتهي إلى المزيد من الأزمات والاعباء التي تثقل كاهل المواطن…
في كل الأحوال لم يأت وزير المالية القادم من دهاليز  و«غابات السياسة» بجديد، لا من حيث المنهج، ولا من حيث الوصف. فقد خبر السودان هذه الوصفة الدولية وحريتها عديد المرات، وذاق علقمها مراراّ  لينتهي به المطاف إلى حد «اليأس» من التعافي. وزراء كثر اعتلوا منصات المؤتمرات الصحفية، وكرروا نفس ما قاله جبريل إبراهيم وما سيقوله القادم من بعده…غير أن جبريل بدا متحدياّ اكثر من سابقيه.
عند وقوعه لأول مرة في مصيدة صندوق النقد في العام  1978،  كانت الخيارات المتاحة أمام السودان عديدة لان الوضع لم يك بكل هذا السوء الذي ورثه من أسوأ نظام كان همه الأول تجريد السودان من كافة موارده الاقتصادية.
(حدس ما حدس) بلغة حراس «الانقاذ»، على ما يبدو مع سبق الاصرار  والترصد، وغاص السودان في وحل ومستنقع أزمات لا حلول لها. أزمات اقتصادية لا يستحقها اذا وجد من يستثمر في مقدراته وموارده المتاحة. لكن اليوم وبعد تجريد اقتصاده من كافة مقومات الحياة ربما تضاءلت الفرص إلى درجة ال «لا» بديل غير سكة الصندوق … والسودان هو بلد اللابديل في كل شئ حتى في تمويل اقتصاده.. فبحر الديون خلفه،  والصندوق الدولي والدويلات الطامعة في موارده أمامه فكيف الطريق إلى النجاة؟؟…!!
كان السودان وقت وقوعه الاول في براثن مؤسسات التمويل الدولية يستحوذ (على سبيل المثال لا الحصر) على موارد اقتصادية مهمة: مشروع الجزيرة يوفر له محصول نقدي رئيس يغطي  اكثر من نصف وارداته. كان لديه منتج  نقدي اخر مهم يحتكره وهو الصمغ العربي. وكان السودان يحظى بشبكة متطورة (نسبيا) من سكك الحديد تربط كافة اقاليمه ومدنه.
أما مؤشر القوة الرئيس حينذاك، فهو ان الجنيه السوداني كان يعادل دولارين ونصف الدولار كاقوى عملة عربية…!!!… من يصدق من جيل اليوم كل هذا؟؟
هذا فضلا عن الخدمة المدنية المتميزة والقوات النظامية المنضبطة…الخ. باختصار كان السودان وطناّ للجميع،ّ يتقاسم فيه شعبه حلوه ومره.. ولكن؟؟
اورته النظم العسكرية المهالك، من عبود، مرورا بجعفر نميري، وليس انتهاءّ بالعسكرتارية الثالثة (نظام الانقاذ) الذي قضى على أخضر البلاد ويابسه، وباع مواردها من أراضي ومياه وموانئ وأساطيل نقل وغيرها للدول الأجنبية….!!
 لا اعرف لماذا بدا الوزير جبريل متحمسا وهو يعيد درس رفع الدعم أمام نفس الشعب الذي مر عليه عشرات الوزراء وهم يتحدثون عن نفس الأزمة وعن نفس القضية وعن نفس الحل بلا حلول…!!.
ما لم يتوقف عنده الوزير جبريل جهلا او تجاهلا، هو أنه في كل مرة يعتلي فيه وزير منصة الترويج لسياسة الإصلاح وإعادة الهيكلة كانت مديونية السودان الخارجية تتفاقم بوتيرة متسارعة لا يمكن اللحاق بها. لا تتوفر لدينا أرقام عن مديونية السودان الخارجية في العام 1978، لكن أغلب الظن أنها لم تتجاوز بضعة ملايين من الدولارات أغلبها قروض ميسرة، لكن النظام  الذي بدأ الاقتراض الخارجي منذ ذلك العام عبر بوابة الصندوق، خلف وراءه نحو 11 بليون دولار عند سقوطه في العام 1985…وعند حدوث انقلاب  الانقاذ كانت هذه الديون قد ارتفعت تقريبا إلى سقف 13 بليون دولار. وبسبب عدم خدمة الدين من قبل نظام الانقاذ وعدم الإلتزام باقساط المدفوعات إلى جانب القروض الجديدة ارتفعت ديون السودان الخارجية وتضاعفت حتى بلغت 60 مليار دولار.
تقول بعض التقارير ان حوالي ‭‭‭85‬‬‬ بالمئة من ديون السودان الحالية متأخرات – فوائد غير مدفوعة وغرامات. تعادل هذه الديون في الوقت الراهن ضعف الناتج الإجمالي المحلي الاجمالي للسودان، اي ضعف القيمة السوقية لكافة المنتجات والخدمات اي مجمل النشاط الاقتصادي الذي يقوم به نحو 30 مليون سوداني محليا… المزارعون والصناعيون وعمال المطاعم والمشافي والأندية الرياضية… اي نشاط محلي يقوم به أي سوداني، كلها مجتمعة تساوي نصف قيمة ديون السودان الخارجية ناهيك عن الديون الداخلية التي قال عنها  تقرير سابق لصندوق النقد الدولي قبل أكثر من 10 سنوات، أن السودان جدول سدادها لمدة 100 سنة قادمة. وحاليا لا أحد يعلم ما حجم الدين المحلي للدولة التي عاث فيها الاسلامويون فسادا طيلة 30 عاما من الحكم..‬‬‬‬‬‬‬‬‬
هذه الحقائق البينة تعطي صورة عن حجم الأزمة التي اقحم فيها السودان… وما خفي أعظم… وتوضح المستنقع الذي يقبع فيه الوطن اقتصاديا ويجعله في غياب إبداع سياسات جديدة يسلك هذا الطريق الشائك والوعر خضوعا لسياسات الصندوق.
يقدر نصيب الفرد من ديون السودان الخارجية نحو 2000 دولار اي ما يعادل مليار جنيه بأسعار الصرف الجارية. هكذا تم تكبيل الانسان السوداني بهذه الديون التي هي فوق طاقته الإنتاجية.. ثم ياتي سعادة الوزير القادم ضمن اتفاق سلام هش، ليخاطب الشعب متكئا على عصا حركته المسلحة بأسلوب لا يخلو من التحدي وبعض الصلف..
كان الأحرى بالوزير ان يكون دبلوماسيا وهو يشرح للرأي العام السوداني واحدا من أخطر القرارات التي تمس حياته بشكل مباشر.. قرار لا يسنده مجلس تشريعي ولا أي صوت يمثل الشعب وكان الاوجب للوزير أن يعود إلى الوراء مقلبا صفحات التاريخ فيما يتعلق بقصة الصندوق مع السودان وبغيره من الدول النامية التي تم تكبيلها بهذه السياسات التي تعمق التبعية كنمط جديد للاستعمار الحديث…
مر على السودان عشرات الوزراء منذ أيام جعفر نميري مرورا بزمن الصادق المهدي وتدرجنا في وعينا معهم ونحن نتابع قراراتهم برفع الدعم… لم يحصد السودان اي نتيجة إيجابية حتى اليوم سوى المزيد من تدهور الاقتصاد..
تفاقمت مديونية السودان كما أشرنا في زمن الانقاذ سيئ الصيت من13 مليار حتى 60 مليار دولار وأصبحت لكل دولة نصيب ودين واجب السداد ولو على حساب الأجيال القادمة. الخطير أن نظام الانقاذ كان قد بدا في مقايضة بعض الديون بموارد البلاد الاقتصادية مثل منح الصين 800 الف فدان من اخصب الأراضي الزراعية بمشروع الجزيرة مقابل ديونها التي تقارب 10 مليارات دولار …كما عكف نظام الانقاذ على إغراء دول الاقليم بمنح الأراضي الزراعية أو تأجيرها لسنوات طويلة، مقابل الحصول على تسهيلات او قروض يستخدمها كمسكنات لتجاوز ازماته.. لدرجة أن السودان أصبح مطمعا لدويلات صغيرة في المنطقة بعضها يتطلع إلى موانيها وبعضها إلى معادنها، وبعضها إلى ثروتها الحيوانية وصمغها العربي.. وبعضها حتى في رجاله ليخوضوا معاركهم مع الآخرين… فهل من هوان أكثر من هذا؟
هكذا وبسبب الديون المتراكمة بدأت مقصلة  تجريد السودان من معظم الموارد التي كانت ترفد اقتصاده حتى الماضي القريب وتكفيه على الأقل هوان التسول من الآخرين..
تبعا لذلك، إلى جانب التشوه الاقتصادي الماثل أمامنا، يبدو أن الخيارات تضاءلت أمام السودان، ولم يعد أمامه سوى الاستسلام لصندوق النقد الدولي وسياساته.
يعتقد محللون ان أسوأ ما خلفه نظام الانقاذ البائد هو ذاك الكم من العملاء الذين لا يبالون بوطنهم واصبحوا جاهزين للتضحية بالوطن لصالح الاجنبي دون أن يرف لهم جفن. والا كيف لنا أن نفسر كل تلك الاتفاقيات الجائرة التي منحت الأرض والمياه والذهب والرجال  للاخرين؟؟.. كيف ولماذا ومقابل ماذا تم التفريط في مؤسسات الدولة وبيعها بابخس الأثمان؟
يقول أحد الاقتصاديين ان السودان الذي يتطلع للتحرر من عبء مديونيته الخارجية الضخمة، قد يجد صعوبة في الخروج من بيت الطاعة الصندوقي على الاقل في هذه المرحلة. لذا عليه التماهي مع سياسات الصندوق مرغما اخاك لا بطل…
*مسألة رفع الدعم*
بالعودة إلى سياسات رفع الدعم والتي تأتي نتيجة إملاءات صندوق النقد الدولي، يبدو أن الوقت قد حان للعودة للمفهوم الاوسع لمعنى الدعم. وقد لاحظنا أن الوزير  لم يوضح في مؤتمره الصحفي من اين لشعب نصفه عاطل عن العمل وخارج منظومة الإنتاج، ونصفه الآخر بالكاد يجد قوت يومه، أن يجد ما يسد به فجوة الدعم المرفوع.
كان الأولى للوزير  ان يضع استعادة الشركات المنهوبة من قبل الجيش وشركائه في التمكين، في مقدمة اولوياته. والأولى استعادة النظام المالي القديم الذي يمكن وزارة المالية من حاكمية المال العام…إلى جانب مراجعة كافة اتفاقيات الاستثمار الأجنبي التي كانت وبالا على مصالح البلاد.
رفع الدعم كان لابد ان تسبقه تلك الاولويات وكذلك  استيعاب المفهوم الاوسع لمعنى الدعم.. الذي لم يعد محصوراّ في الدعم السلعي. الدعم الذي لا مناص عنه بنظرنا هو دعم المواطن المنتج وليس الدعم المفتوح مشرع الابواب، او دعم الاستهلاك الذي يزيد الطلب على الواردات السلعية، وبالتالي لا يحدث الاختراق المطلوب في جدار الحلقة المفرغة.
يقول اقتصاديون ان دعم الإنتاج من خلال توفير مدخلات الإنتاج لذوي الدخل المحدود والفئات الفقيرة في المجتمع، يجب أن يسبق أي خطوة نحو رفع للدعم، ذلك أن دعم الفئات الضعيفة بأدوات الإنتاج هو المطلوب وهذا وحده هو الذي ينقل شريحة كبيرة من هؤلاء من مستنقع البطالة والفقر  إلى رحاب الإنتاج ودعم الناتج المحلي.. وبذلك تكون هذه الفئة اضافة وليس خصما على المجتمع. كما أن دعم الفئات الضعيفة بأدوات الإنتاج، يمكنها من التمتع  بالعيش الكريم بعيدا عن الاعتماد على الآخرين.
خلاصة القول أنه لا جديد في الحديث عن المكرور عن رفع الدعم من دون البحث في عمق الأزمة الحقيقية وهو الإنتاج… لا حلول من دون اختراق النظام الذي خلفه نظام الانقاذ…والتحول نحو الإنتاج…الإنتاج الذي يمول الخزينة العامة ولا يعمل خارج منظومتها.. فوزير المالية أمامه مهمة استعادة الشركات والقطاعات الهاربة والضغط عليها.. قبل اللجوء إلى الحلول الأخرى..
صحفي اقتصادي وباحث
*محمود عابدين*
zico.omer@yahoo.com

أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!