دور الدبلوماسية في سودانٍ بين سدين  .. بقلم: الفاضل إحيمر – أوتاوا


لو أن ما خزَّنته إثيوبيا حتى الآن من مياهٍ خلف سدها الأخير، موضع النزاع مع جيرانها، أو ما سمحت بتدفقه نحو السودان ومصر كان مداداً لما كُتِب وسيكتب عن ذلك السد، لنفد قبل أن تنفد كلماته ولو جيء بمثله مدداً. وأنا لست بالخبير في كافة جوانب الأمر الجيوسياسية، الأمنية، البيئية، العملية، الاقتصادية وغير ذلك، ليس لدي ما أضيفه غير أني أود أن أطرح تساؤلين متصلين بالأمر: الأول، مرتبط بمجالٍ كنت قد عملت به لبعض الوقت والثاني …. له في بعض جوانبه صلة بذلك المجال.
يرتبط التساؤل الأول بسياسة السودان الخارجية وعلاقاته الدولية والإقليمية وبالدبلوماسية السودانية، أداة ذلك، وبمطبخها، وزارة الخارجية، أو غيرها من مطابخ وكثيرة ما هي. وأقدِّم لهذا التساؤل بأمرين أولها، أن أشيد بقاماتٍ عملت في مجال العلاقات الخارجية السودانية وأداتها، الدبلوماسية، عبر الحقب التي أعقبت الإستقلال وبالكثير الذي أنجزته خلال تلك الحقب مما رفع إسم السودان عالياً في عدة محافل رغم ما حاق بالدبلوماسية السودانية وأداتها وزارة الخارجية والعاملين بها، شأنهم شأن غيرهم في كل المرافق وشتى المجالات، من حيفٍ وظلمٍ ولحق بها من اعتداءٍ وجورٍ أضرَّ بالمؤسسة والممارسة كما الأفراد. وثاني الأمرين، أن أشيد بمن تعاملوا مع هذا الملف، ملف سد إثيوبيا، مؤخراً ويتعاملون معه حالياً من كافة الوزارات والمؤسسات، بما في ذلك الإعلامية، وبالكثير من الأفراد الحادبين، وإن كان ذاك قد جاء متأخراً ولم يسلم من بعض الأخطاء والهنات.
تساؤلي هو لماذا فشلت الدبلوماسية السودانية ودبلوماسية دولةٍ أخرى، لا أعطي نفسي حق التحدث عنها، لماذا فشلت في تحقيق ما تمكَّنت منه إثيوبيا. في إطار جهودها الدبلوماسية ومساعيها لاستقطاب الراي العام العالمي والإقليمي واستمالته لجانبها والفوز بتعاطفه وتعضيده لوجهة نظرها، كسبت إثيوبيا الشرق والغرب (تفهم أمريكا وحياد ولامبالاة روسيا والصين)، كسبت اليهود والنصارى وبعض المسلمين (إسرائيل اليهودية، أمريكا المسيحية وبعض الخليجيين المسلمين) كما كسبت السود والبيض (دول القارة الأفريقية وأمريكا، مرة أخرى). وحينما أقول كسبت فإن ذلك لا يعني بالضرورة الانحياز لها غير أن مجرد اتخاذ موقف المحايد يعتبر، من وجهة نظرنا نحن، الذين نرى أنفسنا متضررين ومظلومين وأصحاب حقٍ مبين، يصب في خانة الإنحياز لها. هذا، إذا تناسينا أن بعض الأطراف المشار إليها دعمت إنشاء السد معنوياً، إن جاز التعبير، ومادياً واستثمرت فيه وفيما يتوقع أن يجلبه من عائدات وفوائد.
لماذا فشلنا في الذي نجحت فيه إثيوبيا ودبلوماسيتنا لا تقل عنها عراقةً وما هي الدروس التي يمكن أن نستفيدها
من هذا عوضاً عن البكاء على اللبن المسكوب. من الواضح الجلي أن السودان يمرُّ الآن بواحدةٍ من أعقد المراحل التي عرفها كوطنٍ وأمةٍ وأن ما يحدث فيه الآن سوف تكون له آثار بعيدة وعميقة ليس على الصعيد الداخلي فقط بل أيضاً على صعيد علاقاته وسياساته وممارساته الخارجية. غير أننا ونحن كمن يمشي على حبلٍ كما الصراط مشدود، أو على قشر بيضٍ نخشى أن يتكسر أو فوق حقل ألغام، وعلى الرغم من أن التفكير في السياسة الخارجية يبدو الآن وتحت ظل الأزمات الخانقة التي تمسك بتلابيب البلد وكأنه ترف فكري وبذخ صفوي، فعلينا أن ندرك أن صياغة سياسة خارجية وتوفير ما يمكِّن من تنفيذها بفعاليةٍ ونجاح أمرٌ يمكن جعله في المرتبة الثانية أو الثالثة من قائمة الأولويات القومية لكن لا ينبغي إسقاطه منها تماماً وتركه لتصاريف الزمن والأقدار وحصره في اللهاث خلف المستجدات والتعاطي مع المحدثات خاصة والكثير من أزماتنا الداخلية، الماضية والحاضرة والمستقبلية، متصلٌ بأجندات ومخططات خارجية.
إنه من نافلة القول إن السياسة الخارجية لأي بلدٍ مرتبطة ارتباطاً عضوياً بأوضاعه الداخلية، مؤثرة فيها ومتأثرة بها. كما أنه هناك عدة عوامل تحدد بل تفرض السياسة الخارجية للبلد من بينها الزمان والمكان والظروف الموضوعية والإمكانيات والقدرات المكتسبة والطبيعية والقدرة على الإستفادة منها وتوظيفها التوظيف الصحيح وخلاف ذلك. غني عن الذكر أن البلد الضعيف لا يستطيع أن يتبنى أو ينفذ سياسة خارجية قوية وأنه في السياسة الخارجية فإن اليد العليا خير من اليد السفلى على غرار “من لا يملك قوته لا يملك قراره”، وأن النتائج والأسباب تتداخل فاقتصاد قوي يمكَّن من تبني سياسة خارجية مؤثرة وقوية تجلب بدورها مكاسب إقتصادية كما أن القوة العسكرية توفر ظروفاً أكثر مواتاةٍ لانتهاج سياسة خارجية مؤثرة وقوية حيث أن “الذئاب تعدو على من لا كلاب له وَتَتَّقي مَربَضَ المُستَنفِرِ الحامي”. ولقد صدق من قال “إنما العاجز من لا يستبد” و”القوي محق”might is right  وأن حق القوة كثيراً ما دحر قوة الحق. ولإكمال الصورة بقدر ما يسمح به الحيز فإن العلاقة بين السياسة الخارجية والمؤسسات المنفذة لها والأفراد العاملين في تلك المؤسسات كالعلاقة بين العقيدة لدى الجيوش ومؤسساتها وعدتها وعتادها وقواتها. وفي عالم اليوم للحروب بين الدول وجهان عسكري ودبلوماسي وصار الكسب بالثانية أكثر مما هو بالأولى وأقلَّ تكلفة وأدوم وأبعد أثراً. والشيء بالشيء يذكر فأن جيشاً يسند ظهره إلى جبهةٍ داخلية متضعضعة أو إلى وضعٍ تتعدد فيه “الجيوش” إنما يسند ظهره إلى حائطٍ مائل ويتبع ذلك افتقار سياسته الخارجية إلى بعضٍ من أهم عناصر ثقلها وتأثيرها، ولعلنا قرأنا وسمعنا التصريحات الإثيوبية في هذا الصدد، “من كانَ بيتُهُ من زُجاج لا يرمي الناسَ بالحجارة”، والتي حاولنا مجاراتها بالحديث عن الأوضاع في إقليم “التغراي”. ربما تكون جملة ظروف ومعطيات قد جعلت إثيوبيا أثيرة لدى بعض الجهات غير أن ذلك لا يعني أن نستسلم خاصة وأن السودان قد اتخذ مؤخراً وعلى الصعيد الدولي ما صيَّره أكثر قبولاً مما يجعله لزاماً عليه أن يستمر في طرق الحديد وهو حامي.
والتساؤل الثاني، هو لماذا تتضارب تصريحات المسؤولين تجاه سد النهضة بل لماذا تتناقض وتتضارب حتى
تصريحات الجهة الواحدة أو المسؤول الواحد بين الحين والآخر؟ السودان هو ذات السودان، وإثيوبيا هي نفس إثيوبيا وكذاك مصر، والسد هو عين السد والمخاطر والفوائد، إن وجدت، لا تتبدل ولا تتمحور فلماذا لا تكون لدينا سياسة واحدة ثابته تجاه الأمر برمته وموقف واحد في إطار تلك السياسة؟ لماذا تتناقض وتتبدل تصريحات المسؤولين السودانيين بينما تظل تصريحات مسؤولي الطرفين الآخرين (مصر وإثيوبيا) موحدة ومتناغمة ثابتة وكل تعديلٍ فيها يبني على ما سبقه، يرسِّخه ويؤكِّده ولا ينفيه أو يناقضه؟ أولم يكن ممكناً أن ننشئ جهازاً قومياً تمثَّل فيه كل الأطراف المؤهلة المعنية وأن يقتل ذلك الجهاز الأمر بحثاً قبل التوصل لموقف موحَّدٍ من الأمر يُعبَّر عنه دون تناقض وتنافر وأن يكون ذلك الجهاز هو وحده الذي يُرجع إليه لبحث تطورات الأمر ومستجداته والبت فيها؟ أولم يكن ممكناً أن تكون للأمر ثوابت لا تنازل عنها وهوامش للمناورة متفقٌ عليها؟
أمر أخير، كان من المفترض أن يستفيد ذلك الجهاز، إن وجد وكان فاعلاً وفعَّالاً، من حقيقة أن السودان يتوسط دولتي المنبع والمصب وأنه كان بإمكانه أن يتبع سياسة تجعل من ذلك ميزة يوظِّفها لصالحه. كان في الإمكان أن نسعى لأن “نلعب على الحبلين” بذكاء لا أن نكون “ركيب سرجين وقيع ومساك دربين ضهيب”، أن نكون ضاغطين وليس ورقة ضغطٍ او بيدقاً في لعبة شطرنج.
وكما يقول الأستاذ الجليل ساخر السبيل، الفاتح جبرا، وفي كسرةٍ أخيرة: لماذا نتبنى نحن بمن في ذلك رئيس حكومتنا، السيد/ عبد الله حمدوك، تسمية إثيوبيا لسدها “سد النهضة الإثيوبي العظيم” The Grand Ethiopian Renaissance Dam (GERD) ؟  نهضة من؟ وعظيم عند من؟ اليس هذا في حدِّ ذاته بنصرٍ دبلوماسي ولو معنوي لإثيوبيا؟ أم هل ترى ينطبق علينا، وسوداننا بين سدين “المصري” والإثيوبي”، قوله تعالى “حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا؟
الفاضل إحيمر – أوتاوا
ihaimir@aol.com

أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!