ضمير مستتر .. فًخّ الشيطان، سد إثيوبى للإيجار بالجدك ! .. بقلم: علاء الدين حمدى شوَّالى/كاتب وباحث سياسى مصرى


– مشكلتنا، فى مصر والسودان، أننا حصرنا مسألة تجنب أضرار السد الاثيوبى فقط فى آلية إطالة فترة الملئ وليس فى فكرة إنشاء السد من الأساس وأثره المدمر الذى سيتبلور فى النهاية ليعيد تشكيل مجتمعات وادى النيل بعد إنسحاب ثقافة “دولة النهر” والخنوع للسلطة من ذاكرتها الجمعية، فتتحول مع الوقت الى شراذم همجية تتعامل مع الدولة بعنف وشدة طالما فقدت الدولة أهم مسوغات كونها دولة، كما كتبنا فأسهبنا فى دراستنا “مصر وسد النهضة .. ضباببة الواقع وتخوفات المستقبل”.
– إطالة فترة الملئ هذه كانت الشغل الشاغل الذى تم الترويج له من البداية فور توقيع إتفاق المبادئ مارس 2015، فبات هو الهدف الرئيس المعلن للعامة من المفاوضات العقيمة، ثم أصبح هو الصورة الذهنية الوحيدة لدى الرأى العام عن حل المشكلة والأمل المبتغى لنهايتها وأقصى معانى الإنتصار فيها، ليتحول الفشل الاثيوبى “الفنى” اليوم فى إستكمال الملئ الثانى الى نصر مؤزر فى نظر ذلك الرأى العام على أغلبه، على غير الحقيقة وعلى غير السواد القادم مستقبلاً !
– هنا، فمن الإنصاف أن نشيد بالذكاء السياسى المصرى والسودانى، على الأقل حتى كتابة هذه السطور، الذى لم يعبر عن رأيه الرسمى بخصوص ذلك التأجيل القهرى لعملية الملئ الثانى، ولم يُستَدرَج الى “الزيطة” مع “همبكة” بعض المروجين للنصر الزائف ونظريات العين الحمراء، ربما يقينا منه أن التراجع الإثيوبى كان إضطرارياً لأسباب فنية تقنية معروفة لهم وللخبراء والمهتمين من البداية، وليست مفاجئة ابداٌ لأى متابع، ولا علاقة لها بفكرة الحل العسكرى التى كان الجميع يعلم جيداً، من أديس أبابا الى الخرطوم الى القاهرة، أن نتيجتها غير حاسمة ولا مؤثرة عملياً حتى على فرض عدم الإعتراض الدولى عليها، بل ربما ستؤدى الى إضعاف الموقف المصرى السودانى بشدة !
ببساطة لأن أية ضربة عسكرية من المستحيل، على حد علمى المتواضع دون إقحام نفسى فى خبرات عسكرية، من المستحيل أن تكون نتيجتها مساواة السد العملاق بالأرض دفعة واحدة، وإنما ستؤدى فقط الى أضرار محدودة، أو حتى كبيرة، سيمكن للاثيوبيين تجاوزها سريعاً ثم اخراج لسانهم لتحالف دولتى المصب اللتان لن يمكنهما إعادة الكرة مرة أخرى، حتى على فرض إغماض العالم عينيه عن المرة الأولى، وذلك أيضاً مستحيل.
وربما نجد فى ذلك تفسيراً للإستفزازات الإثيوبية المستمرة لإستدراج الضربة العسكرية بأى شكل، ليس لعيوب فى بنية السد كما يظن بعض حسنى النية، وإنما يقينا أن إثيوبيا ستكون هى المستفيد الوحيد من الضربة العسكرية لأنها ستمنح السد شهادة البقاء الى الأبد، كما ستمنح النظام الإثيوبى المترنح نصراً سياسياً كبيراً ونفوذاً واسعا على المستوى الإفريقى، ودفعة معنوية هائلة يحتاجها النظام داخلياً ليعيد توحيد إثيوبيا متناحرة القوميات التى توشك أن تفتتها الحرب الأهلية.
– صحيح أن الإتفاقات الأمنية المصرية فى أفريقيا هى شئ رائع يسمح لمصر بإستعادة زخمها ونفوذها الإفريقى الذى هجرته وتنازلت عنه طواعية بعد نصر أكتوبر 1973 لتتحول إفريقيا الى منتجعات وملاعب لكل دول العالم، حتى دول الخليج. إلا أنه من الخطأ الجسيم أن نربط المناورات المصرية السودانية، وبين الدعم الأمنى والتحريضى الذى يقدمه العدو الى الإثيوبيين، وبين الموقف المصرى الذكى جداً فى إنتصار المقاومة فى غزة وما تلاه من تواجد مصرى داخلها فى عمق العدو قد يضع نهاية لجرائمه المتكررة على غزة خشية إدخال مصر الى حلقة المواجهة المباشرة معه.
أقول من الخطأ الربط بين ذلك فنؤمن أن بعضه أو جميعه هو السبب فى تراجع الإثيوبيين المدعومين صينياٌ وعربياً، وروسياٌ أيضاً على إستحياء، عن خطوة الملئ الثانى، وأثق أن النظام المصرى، فى ثوبه الجديد، يعلم ذلك تماماً.
– نقطة أخرى شديدة الأهمية، أثق أيضاً أن الجانبين، المصرى والسودانى يعيانها جيداً ولو من باب تخفيف الضرر، أقصد عدم منح الأمان للإثيوبيين فى مسألة مبدأ الملئ المتدرج دون ضمانات دولية ملزمة بأن الملئ سيكون فقط من مياه الفيضانات الموسمية وليس من النيل الأزرق.
وهى نقطة فنية جسيمة الخطورة مفادها أن الملئ من النيل الأزرق، حتى لو كان متدرجاً، فمعناه إجبار مصر على السحب من مخزون بحيرة السد العالى، فنفادها تدريجياً، فتعطيل توربينات توليد الكهرباء الملحقة بالسد، وذلك كان أحد إعتراضات شخصى الضعيف على تصريحات الوزير”سامح شكرى” التى أكد فيها عدم وقوع ضرر على مصر من الملئ الثانى لوجود مخزون كبير فى بحيرة السد العالى، حتى لو كانت تلك التصريحات مناورة تمويه، كما تركونا لبراغيث الظن والتخمين !
– الشاهد، وحتى يمكن تطهير الجرح ليلتئم على نظافة، ولأننا تركنا السد الإثيوبى ينمو ويستفيل على مرأى منا حتى أصبح واقعاً بينما جلسنا للتفاوض سنوات كثيرة على اللاشئ ..
فحل المشكلة بأخف الأضرار، أو لإنقاذ ما يمكن قبل أن تصبح أزمة، ليست أبدا فى الإكتفاء بمد فترة الملئ لـ 7 أو 10 سنوات أو الملئ من مياه الفيضان دون النيل الأزرق فقط، ولكنها أيضاً فى عناصر فنية كثيرة جداً يعلمها الخبراء والمتخصصون، سبق وإستعرضناها فى أكثر من مقال أو موضع، أصبح أهمها اليوم هو منع الإرتفاعات المزمعة على السد مستقبلاً، والأهم مشاركة مصر والسودان فى إدارة السد ومراقبته مشاركة كاملة غير مشروطة.
– أما سيناريوهات المخاطر الكثيرة التى تحدثنا عنها من قبل بإستفاضة واسعة، فربما أحد أبسط أسوأها هو “فخ الشيطان”، على طريقة إفتكاسة “الصكوك السيادية” فيما يخص أصول الدولة !
أقصد توسيع دائرة اصحاب المصالح حول مصر والسودان على طريقة “نأخذ من كل قبيلة رجل”، بأن تقرر إثيوبيا رهن السد، أو تأجيره بنظام الجدك، أو منح حق إمتياز إدارته للعدو مباشرةً، سواء علناً أو بطريق غير مباشرة عبر دولة شقيقة أو أكثر، لا تصنف أى منها كعدو على المستوى المصرى الرسمى أو بعض الشعبى، أو عبر شركة أو “كونسرتيوم” من شركاء أشقاء، فيكون إحد الخيارين بمثابة المحلل للعدو، خاصة وعبث “الأشقاء” فى إفريقيا ظاهر غير مبرر، ونوايا بعضهم تجاه مصر هى نفس نوايا العدو، لكن بإسلوب المنح والمساعدات والصدقات وزكاة الفطر، وتحت مظلة الإخوة الناعمة الأوسع تغلغلاً والأشد فتكاً وخطراً !
علاء الدين حمدى شوَّالى
كاتب وباحث سياسى مصرى

aladdinhamdy@yahoo.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك