طَبَّقْتُوا روشتة البنك الدولي خلاص؟! ما قلنا أخير الطِّب البلدي!!  .. بقلم: عثمان محمد حسن


* سنتان مرتا منذ الإطاحة بالنظام المنحل وأهداف الثورة لم تخرج من عنق الزجاجة حتى اللحظة، مع أنها تتلألأ على طاولات الجالسين تحت قبة المجلس السيادي و مجلس الوزراء.. وكان بإمكانهم  وضعها بسهولة ويسر على قنوات التنفيذ وتحقيق شيئ من العدالة الاجتماعية، لولا غياب الإرادة السياسية المشوَّشة بالمصالح الشخصية وبرهاب المساءلة عن جرائم ارتكبها من بيدهم قرار الفعل في السودان المنكوب بهم، أمنياً واجتماعياً واقتصادياً..
* إنعقد المؤتمر الاقتصادي في 26 سبتمبر 2020، للبحث عن أنجع علاج للاقتصاد السوداني المريض.. ودار نقاش علمي جاد بين إقتصاديين يرون أن روشتة البنك الدولي هي العلاج والخلاص من أمراض الاقتصاد السوداني المزمنة، وعلى رأسهم د.عبد الله حمدوك وبطانته الاقتصادية، وبين اقتصاديين يرون علاجات أخرى أنجع من روشتة البنك الدولي وإقتصاديين آخرين يدعمون روشتة البنك الدولي، مع تحفظ شديد حول رفع الدعم دون وضع حلول ناجعة للآثار الجانبية الخطيرة المؤكدة يُتوقع حدوثها إذا تم تطبيق الروشتة على علاتها..
* إختتم المؤتمر فعالياته في 29 سبتمبر 2020 بتوصيات مثالية..   لكن المسئولين وضعوا التوصيات على الرف ومضوا في طريق تبني روشتة البنك الدولي، لا يلوون على شيئ، بينما الاقتصاد السوداني يزداد مرضاً على مرض.. والجنية السوداني يتهاوى..
* كان سعر صرف الجنيه السوداني عند انعقاد المؤتمر الاقتصادي، في حدود 200 جنيهاً مقابل الدولار، وصار سعر صرفه اليوم في حدود 450 جنيهاً للدولار.. أي أن صحة الجنيه تدهورت بنسبة 125 %  خلال 9 أشهر.. بينما كان أصحاب القرار يبحثون عن علاج الأزمة الاقتصادية في الخارج، ويستدينون من النظام المصرفي في الداخل متجاوزين معايير الرشد الاقتصادي في طباعة العملة.. متوقعين المن والسلوى من البنك الدولي والصناديق السيادية.. وحذف الديون السودان لتمكينهم من الاقتراض مجدداً علاوة على هرولة الشركات متعددة الجنسية للاستثمار المباشر.. وهذا الاستثمار المباشر لن يحدث مع وجود موانع لحدوثها.. وسأكتب عنها في المقال القادم بإذن الله..
* حُق لنا أن نتساءل عما إذا كان المعنيون بتطبيق روشتة البنك الدولي قد استخدموا نموذج  تصحيح متغيرات الخطأ العشوائي
Variables Equilibrium Correction Model
( VECM)
 قبل الإقدام على تبني روشتة البنك الدولي.. وهذا النموذج يقيس تأثير  القروض الخارجية، طويلة الأجل على القروض الخارجية  قصيرة الأجل، وبالتالي، على النمو الاقتصادي خلال الفترات السابقة.. والقياس يركز على الانحرافات عن التوازن طويل الأمد وأسبابها بغرض إصحاحها.. وذلك لأن آخر الانحرافات عن التوازن طويل الأمد يؤثر على ديناميكية التوازن قصير الأمد؛ وأن إعادة التوازن تحتاج إلى إحداث تعديلات في المتغيرات الأخرى وليس تعديل متغير واحد فقط، مثل رفع الدعم عن السلع..
* على أيِّ، إستبشرنا خيراً بما جاء في توصيات المؤتمر الاقتصادي من حيث ” تاكيد ولاية وزارة المالية علي المال العام…. وضبط مصادر التوسع النقدي…. والتحكم في معدلات نمو عرض النقود من خلال تمويل الحكومة عبر الاستدانة المؤقتة من البنك المركزي…. وتحجيم تمويل الحكومة من المصارف وفق السياسات دون استثناء…. ومراجعة دور الشركات الحكومية، وشركات الإمتياز للذهب
…. وتفعيل الدور الحكومي في تجارة الذهب، اضافة لتفعيل الدور الرقابي للحكومة والرقابة على الحدود لمكافحة التهريب.. وحماية المنتج المحلي في كافة مراحل الإنتاج…. وتأكيد دور الدولة في النشاط الاقتصادي… وإزالة التشوهات الهيكلية… والخ”..
* وقلنا ما يلي:- إنها توصيات مثالية تُطَمئن، حقاً، لكن سابق خبرتنا مع مناكفات جنرالات المجلس العسكري، سيئ السمعة، و خليفته، المكوِّن العسكري بالمجلس السيادي، تؤكد لنا أن الجنرالات سوف يقفون حجر عثرة أمام التوصيات وقوفَهم أمام عدوٍّ غاشم يهدد (وجودهم).. وأنهم سوف يبذلون كل ما لديهم من (عضلات) وقوة نارية لتعطيل بنود التوصيات قبل الشروع في وضعها موضع التنفيذ..!!
* وقلنا:- لن يكون من السهل تنازل الجنرالات عن الشركات ( التجارية) العسكرية عالية الربحية لتعود ولايتها (الطبيعية) لوزارة المالية.. لذا ينبغي على الحكومة (المدنية) التمسك بتنفيذ تلك التوصيات دون تراجع حتى لو أدى الأمر إلى فض الشراكة المدنية العسكرية.. إذ لا فائدة من شراكة تكون فيها كلمة العسكر هي العليا دائماً وكلمة المدني (كلام ساكت)!
* وقلنا:- أما المؤسسات العسكرية الأخرى، ذات الطابع العسكري، أي تلك العاملة للارتقاء بالمستوى المهني للقوات المسلحة.. ويُضاف إليها تلك المؤسسات العسكرية المستهدِفة دعمَ منسوبيها من العسكر والمدنيين معيشياً، فلا غضاضة في أن تستمر تحت ولاية وزارة الدفاع..
* وقلنا:- ولن يكون من السهل تكيُّف الجنرالات مع استعادة البنك المركزي مسئولياته الطبيعية كبنك للحكومة وبنك للبنوك التجارية.. ولا كمسئول عن حجم الكتلة النقدية المتداولة في الأسواق يضيف كتلة النقود أو ينقصها عن طريق عملية السوق المفتوحة
Open market operation
متى تطلبت الظروف الإضافة إلى الكتلة النقدية المتداولة في السوق أو إنقاصها لمعالجة أي اختلال تحدثه الكتلة النقدية على الأسعار في السوق..
* وقلنا:- ما لم يتم تنفيذ التوصيات بإرادة سياسية جازمة وحاسمة لإزالة التشوهات التى تنهش في النخاع الشوكي للاقتصاد السوداني، فسوف تظل الازمات الاقتصادية المصاحبة لضيق معائش السودانيين تتوالى شديدةَ القسوة على الغالبية الغالبة من الشعب..
* وقلنا:- عليك، أيتها الحكومة، التقيُّد بالتوصيات المعلنة في المؤتمر لأنها تقربنا من تحقيق أهداف ثورة ديسمبر المجيدة..
* ولكن الحكومة سدرت في غيها مع روشتة البنك الدولي.. وانتهى الأمر برفع الدعم بصورة تهدد الأمن الاقتصادي في السودان.. ما يؤدي إلى تهديد الأمن الاجتماعي والسلامة الاجتماعية.. وقد شاهدنا نذر التهديد في تفلتات العاصمة عقب الاعلان عن رفع دعم الوقود بشكل صادم..
* والله يكضب الشينة!
_____________________________
حاشية:-
 أثناء مباريات كرة السلة بين كليات جامعة الخرطوم، في أواخر الستينيات، كنا نشجع كليتنا، كلية الإقتصاد والدراسات الاجتماعية، عند لقائها بكلية الطب والصيدلة ونهتف بنغمة واحدة عند إصابة لاعبينا سلة كلية الطب حيث تقول مجموعة: ” ما قلنا أخير،،،”! وتتم مجموعة أخرى: “الطب البلدي!”
وتستمر الحال على ذاك المنوال: ما قلنا أخير الطب البلدي!”
 وكان طلاب الطب يردون علينا بهتاف مضاد:- ” ناس الكوتات أمشوا الكوشات!” مشيرين إلى الفساد الذي يقال أن وزارة التجارة موبوءة به..
* هل نهتف اليوم ضد المسئولين عن اقتصاد السودان: ” ناس الكوتات أمشوا الكوشات!” أم نقول للبنك الدولي وروشتته: ” ما قلنا أخير الطب البلدي!!”
osmanabuasad@gmail.com

أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!