ولماذا تندمج الحركات المسلحة في جيشكم بينما تظل ميليشيات الجنجويد كما هي يا محمد عثمان؟ .. بقلم: عبدالغني بريش فيوف


مفهوم الجيش الوطني في الدول التي تحترم شعوبها، وانظمتها، ودساتيرها، وقوانينها، يختلف عن تلك الدول التي لا تأبه بالدساتير والقوانين وغيرها.. فبينما مفهوم الجيش الوطني في الأولى، هو مجموعة أفراد هدفهم الأساسي حماية الوطن والحدود والمشاركة في العمليات العسكرية ضد العدو، وليس لهم أي توجه سياسي أو عرقي أو عقائدي.. اما مفهومه في الثانية، فهو مجموعة افراد يقومون بقتل المواطنين لصالح النظام القائم، وليس لديهم أي حس وطني او أي ولاء للوطن، وهم بالتالي مثلهم مثل أفراد الشركات الأمنية التي تقتل بمقابل مالي ويتدخل في الشأن السياسي بالانقلابات.
كتبت من قبل مقالا في ذات الموضوع، قلت فيه ليس لدى السودان -جيش وطني بمفهوم الدول التي تحترم دساتيرها وقوانينها، بل ان ما يسمى بالجيش الوطني في السودان عبارة عن مجموعة من التكوينات العسكرية التي يحتكر قيادتها مجموعة من الأفراد.
بعد نجاح ثورة ديسمبر 2018م، كثُر الحديث عن تكوين جيش وطني بعقيدة وطنية يتمتع بالاستقلال والحياد التام تجاه النظم السياسية القائمة، لكن هذا الحديث المستمر حتى اليوم لم يلق آذانا صاغية من الجهات المسؤولة.
كان على الحكومة الانتقالية منذ البداية، العمل على تكوين جيش وطني واحد، لكنها بدلا سمحت بتكاثر الجيوش السودانية، لتزداد عددا، ويصبح لدى السودان اليوم أكثر من خمس جيوش مدججة بكل أنواع الأسلحة والعتاد على النحو التالي:
الجيش السوداني (عبد الفتاح البرهان)..
الدعم السريع (ميليشيا الجنجويد) محمد حمدان دقلو..
جيوش الحركات الموقعة على اتفاق جوبا..
جيش الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال..
جيوش القبائل..
جيش كتائب الظل والمجاهدين..
عزيزي القارئ..
دولة بهذا العدد الهائل من الجيوش والميليشيات لا يمكنها ان تستقر سياسيا واقتصاديا وامنيا واجتماعيا وولخ، ولنا في ذلك أمثلة كثيرة -كـ (اليمن، ليبيا، سوريا، لبنان، العراق، أفغانستان). فالسودان حتما سينضم لهذه القائمة قريبا إذا لم تعمل حكومته الانتقالية على جمع كل هذه الجيوش وتدريبها ليس على عقيدة القتال وحمل السلاح فقط، بل تدريبها على الأساس المعنوي “الأخلاقي” للقتال، إذ لماذا يموت الجندي في معركة من المعارك، أو يصبح معاقا، وهو لا يرى مبررا للأوامر الصادرة إليه!
قبل أسبوعين، تناقلت وسائل الاعلام في السودان خبرا يقول ان هناك توتر بين جيش البرهان وقوات الدعم السريع -ميليشيات أولاد دقلو، وأن هذا التوتر سيؤدي حتما الى صدام بين الاثنين آجلا أو عاجلا. إلا ان الناطق باسم البرهان خرج للناس ببيان نفى فيه هذا الخبر، وأضاف ان الدعم السريع تابع للجيش السوداني وليس هناك ما يؤدي الى الصدام بينهما.
بعد النفي البرهاني للخبر، خرج محمد حمدان، وصرح للصحف السودانية، قائلا ان قواته أنشئ بقانون برلمان منتخب، وأنها لم ولن تخضع للقوات المسلحة السودانية وأي محاولة لدمجها لها بالقوة ستؤدي الى (فرتقة البلد دي).
ما زاد الوضع تعقيدا وتأزما، هو لقاء تلفزيوني بثّته قناة “النيل الأزرق”، وحَدّدَ فيه رئيس هيئة أركان القوات المسلحة، الفريق أول محمد عثمان الحسين، مصير قوات الدعم السريع، وأنهى حالة الجدل الدائرة بشأن دمج القوات في الجيش.
قائلا، أن قوات الدعم السريع منشأة بموجب قانون وفقاً لأحكام الوثيقة الدستورية وتتبع للقائد العام للقوات المسلحة، مشيراً إلى أنها ستظل كما هي مساندة للجيش.
وأكد رئيس الأركان أن بند الترتيبات الأمنية في اتفاقية السلام، نصّت على دمج الحركات المسلحة في الجيش والدعم السريع والشرطة وجهاز المخابرات، لافتاً إلى أن قوات الدعم السريع هي قواتٌ داعمة للقوات المسلحة.
عزيزي القارئ..
ما قاله الفريق اول محمد عثمان الحسين في لقائه التلفزيوني، كلام استفزازي ومرفوض جملة وتفصيلا، كوّن كل الجيوش المذكورة في الأعلى، بما فيها ما يسمى بالجيش السوداني، لا ينطبق عليها مفهوم الجيش الوطني، إذ انها كلها، عبارة عن مجموعة من المرتزقة تقوم بقتل المواطنين لصالح قادتها، فمثلها مثل أفراد الشركات الأمنية التي تقتل بمقابل مالي، ليس لديهم أي حس وطني أو ولاء للوطن.
ولطالما ليس لدى السودان جيش وطني رسالته هي حماية المواطن، وصيانة الوطن أرضا وسماء ومياها وأنسانا وسيادة، فإن أي حديث عن دمج قوات الحركات المسلحة والدعم السريع وغيرها من الجيوش في الجيش السوداني (المزعوم)، حديث غير مقبول، فالمطلوب هو تسريح وفرتقة كل تلك الجيوش وبناء جيش وطني مؤمن بالأهداف والشعارات الوطنية، تكون وظيفته الدفاع عن السيادة العليا للدولة تجاه الخارج أولاً، والابتعاد عن الفكر الانقلابي ثانياً.
للتوضيح فقط..
هذا المقال، ليس دفاعا عن أي من الجيوش السودانية المذكورة، بل دفاعا عن الوطن وعن المواطن الذي يحتاج الى الأمن والاستقرار، وهذا لا يتأتى إلا بتكوين جيش مهني، يتسع أولا لكل أبناء الوطن ولا يكون حصرا على منطقة أو قبيلة أو جهة أو لون سياسي أو طائفة أو شريحة اجتماعية معينة دون سواها، وتكون رسالته صيانة الوطن أرضا وسماء ومياها وأنسانا وسيادة، وإن تنطلق عقيدته القتالية من هذه الوظيفة الوطنية، لا بالتدخل في الشؤون السياسية والقيام بالانقلاب لاستلام السلطة.

bresh2@msn.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك