فلننصرف إلى ما ينفع شعوبنا !! .. بقلم: فضيلي جماع


طالعت لغطاً اليوم في مواقع التواصل الإجتماعي حول إسم “مصطفى” كواحد من الأسماء التي اقترنت بالشاعر والمناضل إدوارد لينو وور، وإن غاب إسم مصطفى وكذلك إسم “دوت” وبقي إسم إدوارد. يعيب البعض – ومنهم الروائي والصحفي آرثر غابريال على البروفيسور فرانسيس- مدينق دينق أن ذكر في رثائه للمناضل إدوارد لينو أنّ واحداً من الأسماء التي حملها (مصطفى). ينكر الأستاذ آرثر غبريال وآخرون إقتران هذا الإسم بالراحل المقيم إدوارد لينو ، بل يقول بعضهم أنّ أسرة الفقيد أنكرت هذا الزعم بتاتاً. تابعت مداخلات كثيرة ، بعضها من السخف بأني لم أعره اهتماما ، خاصة حين يكون دافع التعليق التحامل والكراهية لثقافة أو دين أو إثنية من الإثنيات. بيد أني توقفت عند بعض المداخلات التي طرحت أسئلة أو حاولت إضافة معلومة. كنت سأنصرف عن كل هذا اللغط باعتباره (ونسة فيس بوك وواتساب) نرمي معظمها وراءنا متى دخلنا يوماً جديداً. لكني رأيت أن أكتب ما أحسبه مساهمة متواضعة في هذا الحوار ، الذي قد يكون ثرياً ومثمراً لو أننا نظرنا للموضوع بهدوء ، وبعيداً عن الغلواء والشطط وإلغاء حق الآخر في أن يكون ما قاله يستحق أن نقف عنده ، ونحاول قراءته بهدوء. فالآخر المختلف قد يملك من الحقائق ما لا نملك. لذا فإنني استميح قراء هذا المقال الإذن لي بهذه المساهمة المتواضعة منطلقا من معرفتي بأسرة أستاذ الجيل لينو وور أبيي ، وهي معرفة أدّعي أنها تصل حد الصداقة المتينة والعلائق الإنسانية التي تأتي قبل الدين والقبيلة واللغة.
* إدوارد لينو لم يكن صديقي .. كان في مرتبة أخي الأكبر بحكم السن وتفاوت المرحلة الدراسية. فهو زميل الدراسة لشقيقي علي جماع وآخرين من أبناء المجلد – مسقط رأسي. أذكر منهم أحمد جبريل علي (مرعي) ومكرم عيدو جورج وكامل بابو نمر وآخرين. ولأنّ إيقاع الحياة لا يسير على خط مستقيم، فإنّ التجربة المرة للحرب الطويلة والبشعة في جنوب السودان وانعكاستها على أفكار الناس ومواقفهم من السلطة المركزية ومن الثوار في الجنوب هو الذي جعلني وإدوارد أكثر تقارباً رغم بعد المكان. صرت وإياه (أصدقاء قلم) وشركاء في قناعات سياسية واجتماعية كثيرة. ليس بالضرورة أننا كنا متفقين في أطروحاتنا حول كل الأمور.. أبداً. فقد نتفق هنا ونختلف هناك. لكني أقسم صادقاً أنّ المودة بيننا بقيت أعلى من غبن عابر مبعثه الإختلاف السياسي أو الديني أو الإثني.
* إدوارد لينو وأسرة الأستاذ لينو وور لمن لا يعرفون لا يدعي أفرادها إنتماءهم للمجلد مثلما هم أصلاً من أبيي (من حيث الأب)..بينما أمهم هي أنجلينا إبنة العم النور دلدوم من الشخصيات المرموقة بحي دفاع بالمجلد. وكان إسمها ” التاية” – حسب مذكرات أخيها التوم النور دلدوم. وهم في الأصل من واو وينسبون لعشيرة (أندوقو). وأعتقد أنها إحدى أفخاذ عشيرة فرتيت ببحر الغزال. السيدة أنجلينا (التاية) دلدوم – والدة إدوارد هي أخت التوم النور لأبيه. فوالدة التوم النور من المسيرية (عشيرة الفيارين). ولإدوارد أخوات من أمه. لذا كان عادياً في ذاك الوقت أن يحمل الطفل إسماً ذا علاقة بالبيئة الثقافية التي ولد فيها. ولعل البعض لا يصدقون أن من بين الأسماء التي يحملها رجال ونساء من قبيلة المسيرية أسماء ذات أصول دينكاوية – دينق وكوال ونامكير. بل إن بنت عمة كاتب هذه السطور إسمها خادم الله (جامبول).. والطريف إذا لم تذكر إسمها الدينكاوي فلا أحد يدلك عليها. وأعرف عددا كبيرا من شيوخ المسيرية وكبار رجالاتها يحملون إسم دينق ومنهم العم دينق بلايل أطال الله عمره.

* توفيت السيدة أنجلينا – والدة إدوارد وآن وهيلين وإخلاص – بمدينة واو إن لم تخني الذاكرة ودفنت بها. كان إدوار وقتها مقاتلاً وقائداً عسكرياً بالحركة الشعبية لتحرير السودان التي بقيادة الدكتور جون قرنق. وقد عرفت لاحقاً أنّ خاله الفريق التوم النور والذي يقود مليشيا تقف في صف حكومة الخرطوم هو الذي استقبل إبن اخته القائد إدوارد لينو ذات ليلة بسيارته ودخل به سراً إلى المدينة، ومن ثم إلى المقابر ليلقي نظرة الوداع على قبر أمه. مثل هذا التصرف ليس غريبا على السودانيين في الجنوب أو الشمال. بل هي علاقة الدم والرحم التي تعلو على كل علاقة.. والخال والد كما يقولون.
* يوم رحيل إدوارد تواصلت معي سيدتان من طرفي الدنيا: هيلين لينو – من الولايات المتحدة الأميريكية. وبعد ساعة اتصلت بي شقيقتها الصغرى إخلاص لويس (عبد الرحمن) من هولندا. كانت كل منهما تبدأ بالبكاء عبر الهاتف وهي تزف لي نبأ رحيل إدوارد. كنت أجفف دمعتي وأنا أقوم بدور الأخ الذي يحاول أن يعزي أخته ويشرح لها أن هذه حال الدنيا. لمن يفرقون الناس على أساس الدين والإسم واللون والقبيلة ، أنا على تواصل حميم مع عدد كبير من أبناء وبنات جنوب السودان .. أؤكد لهؤلاء أنني لم أر اللون والدين والعرق حاجزا يصدني عن أصدقائي أولئك. إسألوا إن شئتم أسرة الأستاذ لينو وور أو الأستاذ الصحفي (العمدة) مصطفى بيونق أو مولانا رفائيل تيكلي ابيم بقت (ود العمدة) – شقيق صديقي وزميل دراستي الراحل المقيم مارك مجاك ابيم بقت. إسألوا أصدقاء القلم في جنوب السودان: الصحفي الأديب ملوال دينق، وشول كات ميول كات وجورج مارشيانو ومشام مشام والدكتورة نيبول دي برنابا والشاعرة ريجويس ستانسلاوس وآخرين وأخريات كم أنا فخور بصداقتهم دون أن تقف علامة استفهام يومًاً واحداً لتسد الطريق بيني وبينهم أو أرى ضبابا كثيفا حجب عني إسم واحد أو واحدة منهم.
أود أن اختم لناكري إسم مصطفى الذي نسب لمرحلة من حياة إدوارد لينو: ماذا ينقص نضال وإنسانية ونظافة يد إدوارد لينو وور ابيي إن عرفنا أنه كان ينادى بمصطفى أو أي إسم عربي آخر؟ وهل أضاف الإسم الكنسي (فرانسيس) شيئاً لعلم الرجل ومكانته ومواهبه العديدة، وهو الذي سمي في الأصل “مدينق” ؟ دعونا من هذه الفرقعات التي تنقص من إنسانيتنا بدلا من أن تعليها.
ولننصرف إلى ما يفيد وينفع شعوبنا : السلام والإستقرار والرفاه .. وحق الإنسان في العيش بكرامة! لأجل تلك المبادئ السامية عاش إدوارد لينو الشاعر المثقف وحمل البندقية ورحل من الدنيا نظيف اليد. بينما تساقط عشرات المثقفين الزيف والثوار الوهم ! هل شفعت لهم أسماؤهم؟

• فضيلي جمّاع
• لندن – 15 يونيو 2021

fjamma16@yahoo.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك