والسـاكت عن الحقـوق .. بقلـم: عمـر العمر


حمدوك تحدث في خطابه الأخير بلسان ناشط سياسي .لم يتكلم بعقل رئيس حكومة. المواطنون ترقبوا خطاباً يبشرهم بقرارات فورية تخفف بعضاً من الأزمات الضاغطة على تلافيف أدمغتهم وجيوبهم . توقعوا شيئأ من شأنه توفيرأساسيات الحياة ؛شيئا من معالجة ندرة الخبز، شح الوقود ، جفاف صنابير الماء ،خطوط الكهرباء وخواء صيدليات الدواء. ما أصابهم من خطاب رئيس الوزراء ما يسقي ظمأهم لأي من كل ذلك مثلما لم يهدئ من قلقهم ازاء إنفلات الأمن والأسعار. خطابٌ يتضمن الكثير من الوعود مثلما هو خال من البشارات. حمدوك لا يزال يرجو من الشعب طول النفس على درب الصبر الطويل ، كأنه لم يقرأ قول نهرو ” التاريخ يسير إبان الثورات بقدم طولها سبعة فراسخ”. ركوناً إلى تفضبله ترك الكلام للأفعال ليس للأقوال التزمت الصمت أياما ترقبا لقرارات من رئيس الوزراء لمّا تصدر بعد. ربما يجدر تذكير حمدوك بالحكمة الصينية” لا تقدم الوعود في موسم الفرح”
***** ***** *****

بدلاً عنه أصدر حميدتي قرارا بتشكيل قوة عسكرية تضبط الإنفلات الأمني داخل العاصمة. تلك بدعة جنجويدية . فضبط الأمن داخل المدائن من مهام الشرطة. تكليف قوة بتلك المهمة يشكل تجاوزاً لوزير الداخلية وجهاز الشرطة كما رئيس الوزراء.كما أن بروز قوات عسكرية عبر شوارع العاصمة وساحاتها يمثل أحد مظاهر عدم الإستقرار الأمني والسياسي.أكثر من ذلك ليس ثمة مسوغ دستوري لتشكيل ونشر مثل هذه القوات بغية تثبيت أمن العاصمة. رغم ذلك يؤثر حمدوك الصمت، مع أن الخطابة فنٌ يزيد قامات الساسة جاذبية وتيهاً.كما أن التقدم عبر أجهزة الإعلام بات يؤمن على صعيد العالم بأسره كسب أكثر من نصف المعارك.
***** ***** *****

حتى حديث حمدوك بلسان الناشط االسياسي خلا من رؤية الفاعل المبادر بقدر ما انطوى على شكايا العاجز المؤمّل.فشتات قوى الثورة هوفي الواقع مخاض حكومته وحاضنها ومهدها.الرهان الثوري كان على قدرة حمدوك بما لديه من تفويض شعبي عارم لا يجارى من أجل رتق الفنوق ، تجميع الصفوف ، سحب القاطرة وعبور المتاريس والمهابط.ذلك أفدح رهاناتنا خسارة. هو من حدثنا كثيرا في زهو عن “الشراكة النموذجية”بينما يشهد الشارع العام حدة التشظي داخل مكونات الحاضنة السياسية كما يرى الشارع حدة الإنقسام بينها وبين العسكر.أ الآن أفاق حمدوك من خدر السلطة ليحذرنا من مغبة ذلك الإهتراء على مصيرالثورة والثوار؟
**** **** ****

شكاية حمدوك من ذلك التشظي لا تبرئه من الضلوع فيه أو تكريسه .محاولته تبرير ذلك الإنغماس بالحرص على حفظ التوازن هو في الواقع استثمار من قبل حمدوك في ذلك التشظي حرصا على الإحتفاظ بموقعه. فالحفاظ على” التوازن الصعب” يكون بطرح المبادرات ليس بالإختباء وراء الصراعات.ذلك لم يكن ديدن حمدوك.على النقيض ظل الرجل شاهدا ــ على طريقة عادل إمام ــ ازاء تصدع كتلة قوى الحرية والتغيير مقابل ترهل معسكر الجنرالات النظاميين والمستتبعين. قوة الثوري الحقيقية تكمن في اتخاذ القرارات المناسبةــ الصعبةــ في الوقت الملائم. الموقف الثوري يتمثل في إعلان الإنحياز إلى جماهير الثورة بغض النظر عن مواقف قوى الحاضنة السياسية.
*** *** ***
جميل جداً قول حمدوك ” ما يحدث لا يشبه الثورة والثوار” مثل قوله ” و السند الحقيقي للحكومة هم الجماهير”.هو يبلغ نفاذ بصيرة الثائر الحقيقي بقوله” لن نستطيع أن نجني ثمار الثورة إلا بوحدة القوى صانعتها” لكنه لم يكن دقيقا أو أمينا عندما قال”التدهور الأمني يعود بالأساس إلى تشظي قوى الثورة”. فالكل يعزو ذلك التدهور إلى وهن السلطة التنفيذية. كما إفتقد حمدوك الجرأة والأمانة حينما لم يمارس نقدا صريحا لضعف إدارته بل ذهب لتغليف تلك الرخاوة بالأناة والحكمة إذ قال إنه تحمل” إتهامات بالضعف وعدم القدرة على المواجهة.” من أجل الثورة في الواقع هي ليست إتهامات بقدرما هي تشريح لحال إدارته.
**** **** ****

حمدوك يجأر بالشكوى في خطابه أكثر مما يرسم خارطة طريق للخروج من المأزق الوطني الراهن. فالحديث عن ” الأحزمة الخمسة ” مثله في شأن برنامجي “سلعتي” و”ثمرات ” كلام مكرور لا يسمن ولا يغن من جوع .مع ذلك ففي تحذير حمدوك من من يتربصون بالثورة وإلحاحه على “حتمية وحدة قوى الثورة ” ما يستوجب التوقف بعين نافذة. فثمة تحركات خفية لم تبلغ طور النضج بعد تذهب في إتجاهات متباينة متقاطعة. هذه التحركات ليست وقفا كما هو مألوفٌ على القوى المضادة لحركة الثورة بل من داخل معسكرها كذلك.فهل استشعرت دوائر رئس الوزراء خطرأ يهدد مسار الثورة أو موقع الرجل أم الإثنين معاً؟
هناك تيار يرى سقوط السلطة التنفيذية رهينة في قبضة ثالوث حزبي غير مؤسس جماهيرياً. وهناك تيار يسعى إلى استرداد الهيمنة على حكومة الثورة من منطلق قاعدة شعبية عريضة . هناك قوى تستهدف إعادة بناء دولة الثورة برمتها على أنقاض الدولة الحالية. من المحاولات المعلنة استبدال المكون المدني داخل مجلس السيادة بعد قناعات واسعة بقعود المكون الحالي. من الأقاويل المتداولة ما يؤشر إلى الذهاب لجهة استبدل رئيس الوزراء في ضوء محاججة بتدني أدائه. من الهمسات المكتومة ما يفيد رغبة جموح لجهة “ركل”
حمدوك إلى الأعلى برفعه رئيساً لمجلس السيادة تقديراً لقدرته على الحفاظ على ” التوازن الصعب ” مع العسكر داخل المجلس وخارجه.
*** **** ***

بغض النظلر عن مصداقية تلك الفرضيات فلا يمكن تصور تلك التحركات ــ بعضها عل الأقل ىــ بمعزل عن ظهير خارجي . فالتقاطعات الخارجية على الساحة السودانية لا تنفي مثل هذه الفرضية بقدر تأكيدها.بل هناك من يفترض عدم رضاء المعاضدين الخارجيين لقوى الثورة وخصومهم ازاء ما تشهده الساحة السودانية ومن ثم ربما هناك سباق تتضافر فيه قوى داخلية مع خارجية من أجل تصجيج المسار : كلٌ وفق رؤاه ، كل حسب قدراته وسرعته.
**** *** ****

واجب اللحظة التاريخية يتبلور في إعادة رص صفوف الثوار وإعادة بناء هياكل أجهزة قوى الثورة ، من ثم إعاة بناء أجهزة الدولة باستكمال الأجهزة المنسية عمدا مثل المجلس التشريعي و المحكمة الدستورية. إذ “لا يستقيم الظل والعود أعوج.”الخلاف مع حمدوك كماهو مع قوى الحرية ليس على السياسات بقدر ما هوعلى جوهر القيادة. فالسياسي الواجل المتردد لا يكتب تاريخاً زاهياً البتة. هل نستعيد قولة الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت عقب الهجوم على بيرل هاربور ” الشيء الوحيد الذي يجب أن نخافه هو الخوف نفسه”؟


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك