لقد استرد الله أمانته وأعطاك محبة خلقه: (إلى عبد العزيز بركة ساكن في حزنه النبيل) ! .. بقلم: فضيلي جمّاع/لندن


منذ أن وقعت عيني يوم أمس على الخبر الحزين ، خبر رحيل “المستنير” إلى الرحاب السماوية ، وأنا أجرّب كل أرقام هاتفك ووسائل تواصلك عندي لعلّي أسمع صوتك. أو لعلك تسمع منّي كلمات عزاء أسوقها إليك رغم بعد المسافات. أن تسمع صوتي لا أن تقرأ كلمات عزائي في الولد العبقري عبر منابر التواصل. جرّبت كل أرقام هاتفك، وقد نسيت أنك و جبل الأحزان فوق كتفيك ربما اخترت أن تجد السلوى في الإنزواء والبكاء بعيداً حتى يجف ملح الدمع. وعندما طالعت هذا الصباح حِبْر بكائك المرير عليه أيقنت أن الحزن أكثر صدقاً من الفرح. كأني أراك جالساً منتصف الليل إلى الطاولة، تكتب وتكتب وتكتب. ولا تقف عن الكتابة في هذا المقال إلا ريثما تمسح دمعك الذي بلل خديك.
رحل المستنير ، ولن يعود. ورحلت قبله في عمر باكر الرقيقة ، جميلة الإبتسامة عفاف عباس محمد نور، رفيقة دربك وأم المستنير والمهاتما. فعشت الترمّل باكراً يا صديقي. وحين ضاقت بك أرض وطنك تحت حكم النازيين الجدد.. حين استلوا السيوف والخناجر خوفاً من الكلمة ، حينها حملت الزغب وضربت في أرض الله الواسعة بحثاً عن الطمأنينة وراحة البال.. وبحثاً عن مستقبل للولدين بعيداً عن وطنهما الأصل. لكنّ الحزن لاحقك يا صديقي في النمسا. كنت لا تخفي عني معاناة الولد العبقري وهو يعيش الكآبة في عمره الباكر. وكنت – يا لجهلي – أحاول أن أدخل الطمأنينة إلى قلبك بأنّ العمر كفيل بأن يذهب عنه أعراض الكآبة. لم أكن أعرف أنّ عمر المستنير قصير ، لكنه احتشد بالتفكير في الحياة وكتابة الشعر والموسيقى حتى إذا ضاق جسده النحيل بهذا الحمل الثقيل ودع الحياة باكراً.
لكنّي ما كتبت هذا الكلام لأزيدك حزناً على حزن. كتبت لأقول بأنّ الله الذي أخذ أمانته ، قد عوضك ما لن تراه إلا إذا احتسبت المستنير عنده ، وشكرته على أن وهبك ما لا يجلبه المال ولا السلطان يا صديقي. فقد أعطاك محبّة خلقه الذين تداعوا عبر مواقع التواصل بالمئات والآلاف – وجلهم لم يروك إلا عبر كتبك- ليبدوا تضامنهم معك في الضراء. كثيرون وكثيرات كتبوا وكتبن باعتبار أن المستنير إبنهم وليس إبنك وحدك. وفي هذا ما يخفف عنك أرتال الحزن. ثم إن الله لم يدعك وحيداً في تلك البلاد الباردة. ترك لك من صلبك شقيقه النجيب المهاتما ، هذا الذي كلما حكيت لي عنه وعن نبوغه الباكر وعن محاولاته كل غريب وكيف أنه فاز على رفاقه أبناء البيض بجائزة التزلج وهو القادم من خشم القربة – كلما حكيت لي عن نبوغه الباكر ضحكت وقلت العبارة الشهيرة : من شابه أباه فما ظلم!
دعني أعزي عبرك توأم شعري عالم عباس محمد نور عالم وآل محمد نور عالم وأخص الشاعر حافظ عباس والأخ محمد عباس بفرنسا ، وباقي الإخوة والأخوات فالخال والد.
تقبل الله المستنير في رحابه وجعل مثواه الجنة وألزمكم وإيانا الصير.
فضيلي جمّاع
لندن
21 يونيو 2021


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك