شـرٌ لا بـد مـنـه  .. بقلـم: عمـر العمـر


  على الرغم من توقيت مبادرة حمدوك المتأخر كثيراً. بغض النظر عن ظهيرها الخارجي أو الداخلي المساند ، بغض النظر عن باع حمدوك غير القصير في تعقيدات الوضع المأزوم  الراهن، فمما الا ريب فيه أن مبادرة رئيس الوزراء تشكل كوة ضوء داخل  عتمة  النفق السياسي  الراهن. كما لا يستطيع أحدٌ تبرئة حمدوك  من المساهمة في مراكمة أوزار وهدر السنتين الفائتتين فما من أحدٌ من الساسة الجائلين على خشبة المسرح  يجرؤ على التنصل كذلك من دورٍ في الإخفاق المريع.” فمن اليسير محاكمة الآخرين حينما لا يعاني احدنا تلك المحنة” وفق إيزابيل الليندي الروائية التشيلية. لذلك فإن توسعة كوة الضوء مهمة تتطلب حتما مشاركة جميع قوى التغيير، لا أستثني أحداً. بما أن الحوار هو عمود الدأب الديمقراطي فهو محور اي جهد إصلاحيٍ شفاف بناء.
لذلك لا مبرر البتة للوجل ، الجفول أو النكوص عن قاعات الحوار. الإفتراضية .فالنقاش وسيلة للبناء ، ليس أداة للهدم كما ينادي هيغل.
***     ***     ***
الخروج الجماعي الآمن من  قاعات الحوار  يتم بعد تسليط الأضواء الكاشفة الماحصة على عورات وأخطاء تجربة سنتي العجز الماحق. مثلما نبغي إعمال مبضع الجراحة الموضوعية الدقيقة يجب كذلك ممارسة فضيلة النقد الذاتي الغائبة. هذان ركنان يتطلبان الطهارة الثورية والاستقامة الوطنية.
ثمة ذنوبٌ لن يتم غفرانها دون المجاهرة إعترافاً بارتكابها. هناك خطايا أكير من غض النقد الجارح عنها . لأن السكوت عليها يفضي بأصحابها إلى التوغل في الأثام كما يجهض الفرصة المتاحة. تلك واجبات لا يحرّض عليها التخويف من مخاطر الإحتقان داخل الثكنات العسكرية كما يلوح لنا البعض ترهيباً، بل تستوجبها فروض تعميق الممارسة الديمقراطية. فالمشاركة في الحوار الجماعي عند المنحنى الوطني الحالي يبدوـ للممتنعين أو المتمنعين ـ مثل الزواج وفق الحكمة المتداولة “شرٌ لابد منه”، أو هكذا ينبغي استيعابه. ربما  يجب تذكير قيادات الأحزاب  أن الشارع العام لم ينتظر الساسة  المترددين حينما ثار في وجه الظالمين.
***    ***    ***
القضية الماثلة مسألة وطنية جذورها في ثورة مجيدة، سقياها دماء شباب زكية وفروعها مستقبل شعب كريم. نحن مطالبون بالحديث الشجاع عن خذي إعتمار دولة الثورة قبعة عسكرية. تلك خطيئة وضعت شعارات الثوار وتطلعاتهم تحت إمرة الجنرالات .إنحياز الضباط والجنود إلى جانب الثوار لايعني إرتهان الثورة إلى قبضة الجنرالات .  حتى تصبح مراحعة التجربة القاصرة ذات جدوى ينبغي الإعتراف علنا بخطيئة المحاصصة . تلك هي الحاضنة  الخبيثة مُفرّخة نسختين من حكومة مهيضة ضعيفة القدرات واهنة السلطات .المحاصصة جريمة في حق الثورة والوطن إذ منحت العسكر دون وجه حق ولاية على المنظومة العسكرية مما أفقد حكومة الثورة سلطتها الشرعية على الجيش وأجهزة الأمن . هما أنياب الدولة القابضة أكثر إثارة للدهشة فقدان حكومة الثورة السلطة العليا على جهاز العدالة ” القضاء”  مما جعلها أسيرة العجز والإرتباك بعد تجريدها من امكانات انتزاع الحقوق وزجر الوالغين فيها. كل ذلك أثقل كاهل حكومة حمدوك بعبء القصور في كبح  الإنفلات الأمني الجموح فهو مسؤولية السلطة التنفيذية ليس غير.
 ***    ***     ***
   مبادرة حمدوك لم تات بجديد . محاورها منصوص عليها في مبادرات سابقة لعل أيرزها ” عقد الإمام” و ” العودة إلى منصة التأسيس”. عديد من الكتاب والصحافيين نادوا بما جاء به حمدوك. سِمتُ مبادرة حمدوك المميز محاولته استثمار “السلطة التنفيذية” مركز جذب مغنطيسي بغية تجميع القوى السياسية المبعثرة ـ والسلطة عظمة النزاع الشرس بين تلك القوى.  .ربما يرى بعضٌ في ذلك محاولة من جانب حمدوك للقفز فوق استثماره في  تلك البعثرة. بل ربما يدين بعضٌ آخر تعميقه تشققات الفسيفساء السياسية. كلاهما لا يجانبان الصواب لكنهما لا يبلغان اليقين. فكما مشهد القوى السياسية لا يسر فأداء حمدوك لم يتسم بالبراعة . لكن الأهم ألا يمنح ذلك التوصيف أولئك الأباعيض حق الإمتناع عن ولوج قاعات الحوار. فعلى قدر درجة الوعي الجماعي داخل قاعات الحوار تتبلور خارطة الغد.
***     ***     ***
وحده من لا يملك ما يقول في شأن التردي الراهن أو المعوز من الرؤى والخيال لرسم بوابات الخروج أو المسكون بالخوف والمحمّل بالخطايا من لا يستطيع المشاركة في جهد إضاءة العتمة بالحوار المنطقي. يقيني الراسخ أن رفض المبادرة من منطلق نقد نصوصها أو أداء حمدوك ــ ولوجاء نقداً
موضوعياً ــ يمثل مساهمة في إغلاق كوة الضوء بدلا عن توسعتها . نعم
اتسم أداء حكومة حمدوك بالإرتباك. البطء، التحفظ، الوجل بل بالنأي عن طريق قوى الثورة ، خاصة على المسار الإقتصادي. لكن ذلك لا يمنح أيا من قوى الثورة النكوص عن المشاركة في الجهد الجماعي إذ يهيء ذلك فرص المحاسبة والتصحيح و التقويم حتى ولو اقتضى ذلك استبدال الحكومة أو رئيسها. نعم ثمة خطوات إيجابية في رصيد حمدوك لكن الثوار لا يكتفون عادة بنصف كوب. ربما ذك ما جعل الأستاذ عبدالله علي إبراهيم يقول “أزمة الثورة مقدورٌ عليها”
***     ***     ***
من الخطل الفادح توهم نهاية الصراع السياسي بانتصار الثورة في إزاحة الطبقة العليا من نظام الإنقاذ. مثلما هو وهم مزعج الإعتقاد بأن تشكيل حكومة إنتقالية يعني ولوج آفاق المرحلة الديمقراطية. نحن نخوض تجربة مخاض عسير تتشابك فيها تعقيدات الحمل المبكر والولادة القيصرية كما أعباء التنشئة. التلاقي على مراجعة التجربة الراهنة يشكل تمرينا جادا على ممارسة الديمقراطية. فـ” الديمقراطية هي فن التراضي” وفق استاذنا الراحل منصور خالد. إعتقادي يجب توجبه بوصلة النقاش أولاً لجهة تحديد القوى المفترض إشراكها في التمرين الديمقراطي. ذلك أمر تثيره حتمية الفرز بين الكتلة صانعة الثورة وما أسمها حمدوك بـ “الكتلة الإنتقالية”  ذلك فرز يعليه واجب إسكات أصوات تنادي بفتح الأبواب أمام الملوثين بآثام الإنقاذ. مع الإعتراف باستمرار قبض الطبقة الطفيلية على العديد من مفاصل الدولة ، إلا أن ذلك الإعتراف لأ يدفع لجهة منحهم شرعنة وجودهم. أنت لا تسطيع أن تركض مع “الغزلان وكلاب الصيد في وقت واحد” كما كتب الأستاذ سليمان حامد.
***    ***     ***
  سؤال ملح يبرز من نصوص مبادرة حمدوك: لماذا اختار حمدوك تحديد سقف زماني لتشكيل المجلس التشريعي دون سواه؟ كيف يتم تشكيل المجلس قبل الإتفاق إن لم يكن الإجماع على كيفية تخليق آلية تشكيله؟ بل أكثر من ذلك لم يحدد حمدوك أصلاً ماهية آلية إدارة المبادرة نفسها. إن صدق القول بأن جهة أعدت مسبقا قائمة بعضوية المجلس يكون حمدوك أطلق النار على قدمي المبادرة قبل نهوضها على ساقين .لكن السؤال الأكثر إلحاحا : ما هو السيناريو لمرحلة ما بعد إخفاق الرجل في تجميع القوى السياسية أو تمرير المبادرة؟ الإجابة تعيدنا بالضرورة إلى ظهير المبادرة الحقيقي إذ هو من يملك بالضرورة تصورا مسبقأ للبديل أو نرقب قول الشارع فهو من يملك القول الفصل.
aloomar@gmail.com

أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك