التجراي ومصير إثيوبيا .. بقلم: خالد حسن يوسف


أعداد كبيرة من الجيش الإثيوبي والميليشيات الأمهرية، وقعوا أسرى لدى الجبهة الشعبية لتحرير التجراي، وهو ما لم يتقبله الكثيرين من المتابعين والذين أصيبوا بالذهول من هذا الحدث، خاصة وأن تلك الوقائع جاءت بالنسبة لهم مفاجئة، وصعب عليهم استيعاب أن عدة آلاف من الجنود وقعوا في قبضة قوات تنظيم سياسي أو إقليم.

خاصة وأن الكثيرين ممن إنتهوا كأسرى يحاربون في إطار واجهة قوات حكومية فيدرالية استطاعت فيما مضى اكتساح إقليم التجراي وسيطرت عليه، مما أسفر لتعرض الجبهة الشعبية لتحرير التجراي إلى خسائر كبيرة، وفقدان سيطرتها على المدن الرئيسية في الإقليم وانسحابها نحو الريف والجبال.

في حين جاء خبر أن مدن عديدة ومن ضمنها مقلي عاصمة التجراي قد عادت تحث سيطرة الجبهة، ثقيلا عليهم وأنه ليس منطقيا أن تندحر قوات الحكومة بتلك السرعة وأن تتعرض لذلك الكم الكبير من الخسائر في الأرواح والمعدات، مقارنة مع التقدم السريع الذي كانت قد أحرزته في بدايات الصراع، حيث اندحرت جبهة التجراي وإدارتها المحلية بصورة لا تحسد عليها.

الجدير بالإشارة أن واقع الإنتصار كان قد حدث خلال عقد الثمانينيات، حيث استطاعت الجبهة خلال حربها مع نظام منجيستو هيلا مريام أسر آلاف من الجنود، وذلك بالتعاون مع الجبهة الشعبية لتحرير اريتيريا، والتي كانت تمثل رفيقة نضال لشعبية التجراي، إذ خاضتا معا صراع مشترك ضد الحكومة الإثيوبية حتى أسقطتها في عام ١٩٩٠، وهو ما أدى إلى فرار منجيستو هيلا مريام نحو زيمبابوي واستقراره في هراري.

وتم حشد تلك القوات تحث مسمى ما عرف بالمسيرة الحمراء (كناية للبطش)، والمفارقة أن كل من جبهة التجراي وشعبية ارتريا، بدورهم حشدوا تلك القوات لصالحهم فيما بعد لأجل محاربة القوات الإثيوبية الحكومية، وذلك بعد تأهيلها أيديولوجيا وسياسيا، خاصة وأن مسألة أسر تلك الأعداد الكبيرة كانت إشكالية بحد ذاتها، لما تحمله من أعباء مادية وأمنية تجاه تلك التنظيمات، والنتيجة إستثمار الأسرى.

وتلك القوات التي جاءت في سياق المسيرة الحمراء كانت غالبيتها من فلاحي قومية الأورومو وشعوب جنوب إثيوبيا وينطبق الأمر ذاته على معطيات التي جرت في التجراي، فتلك الأقاليم تحديدا تمثل مخزون بشري لدولة الإثيوبية والتي أعتادت اللجوء إليها كلما تطلبت الحاجة للحصول على المقاتلين بأعداد كبيرة، ولم تكن الحكومة تمنح إهتمام كبير لتأهيل أولئك المقاتلين بقدر ما كانت تتخذهم كوقود لحروبها مع شعبيتي ارتريا والتجراي، ومؤشر ذلك عدم كفاتها عسكريا.

خلفية تلك الهزائم التي تعرضت لها القوات الحكومية في أراضي التجراي ومعها الجيش الاريتيري المتحالف مع القوات الإثيوبية، كما أن الطبيعة الجغرافية قد شكلت عامل هام في انتصارات جبهة التجراي، وساهمت بدور كبير في استنزاف قدرات الجيشين الإثيوبي والاريتيري وميليشيات قومية الأمهرة، وذلك بعد أشهر من اكتساح الإقليم وتدميره وتعرض سكانه لواقع إنساني متردي حاز على تعاطف غربي كبير.

إضافة لذلك أن هؤلاء المدنيين الذين تم تسخيرهم لخوض الحرب مع قومية التجراي يدركون أنهم قد تم توريطهم في حرب أهلية وقفت ورائها الحكومة، وذلك انطلاقا من حسابات صراعها مع الجبهة الشعبية لتحرير التجراي، خاصة وأن هؤلاء المغرر بهم يتلمسون عن قرب حجم الإنتهاكات التي مارستها القوات الفيدرالية وميليشيات الأمهرة ضد السكان المدنيين في إقليم التجراي.

إلا أن واقعة الصدام الغير معلن ما بين أديس أبابا وأسمرا، في ظل تغول القوات الاريتيرية تجاه التجراي، وممارسة الضغوط من قبل الغرب وفي طليعته الولايات المتحدة تجاه كل من أديس أبابا وأسمرا، أدى في المحصلة إلى انسحابهما من الإقليم، لا سيما وأن كلا الطرفين غير قادران على إدارة الإقليم في ظل واقع الصراع ورفضهم من قبل السكان.

وفي القادم المنظور من المتوقع أن تشكل الجبهة الشعبية لتحرير التجراي واقع إزعاج لكل من الحكومتين الإثيوبية والاريتيرية على المستوى العسكري، وأن تشن هجمات مسلحة في إتجاه إقليم الأمهرة واريتيريا، والدفع في إتجاه مهاجمة أديس أبابا خاصة وأن أقاليم الأورومو،بني شنقول يشهدان حالة مواجهة مع الحكومة، مما سيؤذي إلى تصدع حاجز الخوف لدى قوميات إثيوبيا واتساع رقعة الإضطراب جغرافيا.

وفي المقابل زيادة الضغوط والتحديات تجاه الحكومة الإثيوبية والقومية الأثيرة لديها(الأمهرة)، وإمكانية تصاعد حدة الحرب الأهلية والتي ترتفع وثيرتها بإستمرار، وتهدد الدولة الإثيوبية بالتفكك، بينما يجتهد الغرب وحلفاء إثيوبيا كصين، روسيا وعرب الخليج إلى محاولة إنقاذها بكل السبل، وحل أزماتها المتراكمة داخليا وإقليميا.

وبطبيعة الحال فإن العلاقة ما بين أديس أبابا ومقلي في القادم ستشهد المزيد من التدهور، و المشاهد الماثلة في الأفق تتراوح ما بين إسقاط حكومة أبيي أحمد ومحاولة إشراك التجراي مع قوى أخرى كبديل له أو انفصالهم عن إثيوبيا في ظل حالة التمزق القومي القائمة في الراهن، ولا شك أن مقلي ستدفع في كل الإتجاهات لأجل تصفية حساباتها مع كل من أديس أبابا،أسمرا وجيرانهم الأمهرة.

khalidsf5@gmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!