مبادرة رئيس الوزراء: الأزمة والانتقال والمخرج!! .. بقلم: عيسى إبراهيم


ركن نقاش
اطلعت على رأيين متباينين يقوِّمان مبادرة رئيس الوزراء التي تحدد الأزمة والانتقال والمخرج لناشطين كريمين في مجال الرأي، واتضح لي من تباين تقويمي الناشطين أن المبادرة ينقصها الوضوح الكافي في ما طرحته من جوانب تسعى لتشريح الأزمة الماثلة والانتقال والمخرج؛ فهي في جوانب تماثل قصة الفيل والعميان (أو معصوبي العينين) المشهورة، وفي أخريات من الجوانب تماثل نقاط الحبر المنثورة عشوائياً على الورق وتعطى للمرضى النفسانيين ليجتهدوا في تفسير هذه المنثورات العشوائية وبابداء تفسيراتهم تتضح الحالة النفسية للمرضى النفسانيين لأصحاب الشأن من المختصين بأمراض النفس البشرية!..
الأزمة الوطنية والاستقلال وغياب المشروع الوطني الجامع:
لعله من مفتتح المبادرة يتضح بجلاء سيرها معصوبة العينين وعدم دقتها في توصيف واقعنا السياسي المأزوم أساساً بنظام الحكم طوال الـ 64 عاماً من الاستقلال فقد حكمنا العسكر على ثلاث فترات (عبود “6 سنوات” ونميري “16 سنة” وسوار الذهب (سنة انتقالية) والبشير (30 سنة) الجملة 53 عاماً) اقتطعوا 53 عاماً من استقلالنا المزعوم، صحيح أن الانظمة العسكرية تباينت بين عسكرية صرفة ثم “حزبسكرية” تعاورها اليسار واليمين، والسنوات المتبقية حكمتنا فترات حزبية طائفية قصيرة بلا مذهبية ولا برامج موجهة لسيرنا وانما هو التخبط بلا رشد!..
الأزمة فكرية أساساً تمظهرت في تباينات:
مانعانيه في الأساس وقاد إلى غموض المبادرة الظن بأن التحديات التي تواجه الانتقال الذي ننشده هي: “الوضع الاقتصادي والترتيبات الأمنية والعدالة والسيادة الوطنية والعلاقات الخارجية واستكمال السلام وتعدد مراكز القرار وتضاربها والوضع الأمني والتوترات الاجتماعية والفساد وتعثر إزالة التمكين وبناء المؤسسات”، أو هي ” الانقسامات داخل الكتلة الانتقالية وعدم وجود مركز موحد للقرار وغياب الأولويات والتصور المشترك للانتقال”، أو هو: ” تصاعد الخلاف بين شركاء الفترة الانتقالية”، هذه – حقيقة – ليست الأزمة وانما تمظهرات الأزمة في تباينات، الأزمة الحقيقية أزمة فكرية؛ أزمة أسس التوجيه، فمثلاً حينما قال الفريق أول كباشي عن تعهد حمدوك للحلو بشأن العلمانية وعقدت المحادثات بقيادة الكباشي ورفضه لحياد الدولة تجاه مواطنيها بحيث تخدمهم بلا تفرقة بسبب الدين أو الآيدلوج أو الانتماء السياسي، كما هو حادث في تركيا، تصدى كباشي للأمر رافضاً ومعلقاً بقوله: “عطاء من لا يملك لمن لا يستحق” مسقطاً وعد رئيس الوزراء للحلو، وهذا يدلل على قصور في قراءة الواقع السوداني ولقد قيل عن الحالة السودانية توصيفاً: “قارة في وطن”، الأمر الذي يحكي عن التباينات في السودان عقائد وسحنات ولغات ولهجات وثقافات وسبل مختلفة في كسب العيش وفقر مدقع وغنى فاحش، مما لا يمكن الانكباب على حل هذه الاشكالات إلا بمعرفة فكرية عميقة تعرف جذور المشاكل وتعقيداتها، ونؤكد لمن عسى يريد تأكيداً أن حرية العقيدة لا تستمد من العلمانية وانما تستمد من أصول القرآن الكريم؛ من ذلك مثلاً قوله تعالى: “لا اكراه في الدين قد تبيَّن الرشد من الغي”، وقوله تعالى: “وقل الحقُّ من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”، وقوله تعالى: “ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفانت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون”، ونسأل كباشي من أين لكم كاسلاميين في عهد الانقاذ اختياركم في دستوركم المواطنة كمعيار للحقوق والواجبات بدلاً عن المعيار الشرعي “مسلم وذمي”، وأمر آخر ما الذي جعلكم تقرون في دستوركم الانقاذي استبعاد شرط الاسلام عن من يترشح لرئاسة الجمهورية؟، ولماذا قبلتم في دولتكم الدينية بعد اتفاقية نيفاشا أن يكون النائب الأول لرئيس الجمهورية مسيحياً، ثم تحرموننا أن نرتق نسيجنا الاجتماعي من داخل القرآن؟!..
للوحدة الفكرية قاعدة وقمة:
“في عجالة” الوحدة الفكرية ليست غريبة على السودان الذي هو قارة في وطن، فقد كان الشعب السوداني يتمتع بها قبل بروز التيارات الدينية المتهوِّسة، وقبل سير الطائفية السياسية في ركاب المتهوِّسيسن؛ فقد كان الشعب السوداني يتعايش مع المتناقضات المجتمعية في سلاسة وبلا ضيق، وكمثال: في البر الشرقي ببورتسودان عايشت في طفولتي (في عقدي الخمسينات والستينات) في ديم أبوحشيش وديم أبو الدهب وجود بيوت “الانادي” منفصلة في أطراف الحيين، ولو تتبعنا هذا المسار لوجدناه طابعاً ملازماً للتعايش السلمي بين السودانيين، وهذه هي الوحدة الفكرية المسالمة في قاعدة (على مستوى عاطفي قاعدي) ، واذا مددنا البصر لعممنا هذا التعايش المسالم ليبلغ في قمته أن تكون هناك حكومة ديمقراطية اشتراكية تعمل لاكفاء الناس حاجتهم، فالديمقراطية هي الحرية السياسية والاشتراكية هي الحرية الاقتصادية (وفيها يُحَرَّم على الفرد والافراد القلائل امتلاك رأس المال المنتج المستغل لعرق الآخرين لمراكمة الثروة) ويأتي القانون ليحمي الحق العام والحق الخاص، وهذه هي الطريقة المثلى لادارة التباينات السودانية!؛ فالدين على مستوى العقيدة يفرق بين الناس، ولكنه على مستوى العلم يوحِّد بين الناس (فالحقيقة عنده هي ما عليه العالمون)؛ “وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم…”، فالدين على مستوى العلم ينظر للخلق بعين الوحدة في راهنهم المعاش؛ فكلهم عنده مسلمون، “أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه يرجعون”!..
لماذا عقيدة عسكرية جديدة؟:
تقول المبادرة عبر أسس التسوية السياسية الشاملة: ” الشروع مباشرة وعبر جدول زمني متفق عليه في عملية الوصول لجيش واحد مهني وقومي بعقيدة عسكرية جديدة عبر عملية للإصلاح الشامل وبما يعبر عن تنوع السودان الفريد”، ونتساءل: لماذا عقيدة عسكرية جديدة؟، وجيشنا القومي كانت عقيدته القتالية هي حماية الوطن والمواطن بلا فرز عرقي أو ديني أو جنسي، وهو ما كان يعبِّر عن تنوع السودان الفريد ويحفظ له فرادته بين الأمم!..
توحيد مراكز القرار:
الوثيقة الدستورية الحاكمة للفترة الانتقالية أقرت بأيلولة كل سلطات رئيس الجمهورية للسيد رئيس الوزراء وقالت أن مجلس السيادة سلطاته تشريفية لا غير، فمن الذي أهمل في كبح جماح طموحات قيادات مجلس السيادة العسكرية؟!..
تنفيذ اتفاق السلام:
في اتهامات صدعت بها بعض قوى الكفاح المسلح أن عسكر الانتقالية هم من يسوفون في تنفيذ الترتيبات الأمنية التي أقرها العسكريون أنفسهم (حميدتي وكباشي) وقد استبعدت قوى الكفاج المسلح أن يكون المال هو العقبة أمام الدمج والتسريح!..
تفلتات الوزراء: من يتصدى لها؟:
جاء ضمن المبادرة في أسس التسوية السياسية الشاملة: ” الاتفاق على آلية موحدة للسياسة الخارجية وإنهاء التضارب الذي شهدته الفترة الماضية”، صحيح حدث تضارب في الفترة الماضية بين الحاضنة المؤدلجة التي كانت ضد سياسات رفع الدعم المُقَر من البنك الدولي وسياسات الانتقالية الساعية إلى معالجة اختلالات الاقتصاد الكلي، ولكن هل سلُمت الفترة الحالية من تضارب السياسات؟، لقد أعلنت الحكومة أنها مع ما يفيض به مشروع سد النهضة من مكاسب للسودان ومازلنا نشهد تصريحات وزيرة الخارجية الرامية في كفة التصعيد، وما زلنا نشاهد “المناقرة” بين وزير المالية “جبريل” ولجنة تفكيك نظام الانقاذ، وقرأنا مخالفته بالالتقاء بالسفير الاثيوبي في السودان بلا اختصاص ولا تنسيق أو استئذان بطريقة تفر عن عدم التزامه بالمؤسسية، فهل هناك من يتصدى لها غير السيد رئيس الوزراء؟!..
في باب الطريق إلى الأمام:
نقر ما جاء في باب اصلاح القطاع الأمني والعسكري بنقاطة الثمانية ونتمنى أن يكون ما ورد متوافقاً عليه بين الانتقالية المدنية وشقها العسكري، كما نقر أيضاً ما جاء من خطوات في باب العدالة، وقضايا الاقتصاد، والسلام، وتفكيك نظام الثلاثين من يونيو ومحاربة الفساد، والسياسة الخارجية والسيادة الوطنية، والمجلس التشريعي الانتقالي، ونتمنى أن تتسارع الخطوات نحو اقرار المبادرة والشروع في انزالها إلى أرض الواقع..
eisay1947@gmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك