“ينطيكم العافية… إتفضلوا” واحلام الشباب المؤودة!!! .. بقلم: بشير عبدالقادر


صديقي القديم الجديد عبدالقادر ابوسيل رغم سنين غربته الطويلة في المملكة العربية السعودية لكن عشق السودان وتحديدا “كردفان الغرة ام خيرا جوه و بره” حيث مرتع صباه لم يفارقه لحظة، وهو يعتقد ان غربته هي حقيقة “اقسى نضال” وان رحلة الشقاء في عمره بدأت منذ أن وطأت قدماه “خرطوم الفيل” التي رمت به شمالا الى قاهرة المعز ثم عادت مرة أخرى وقذفته شرقاَ نحو غربة لم تنته بعد في المملكة السعودية، تتخلها بعض السفرات السريعة جيئة وذهابا بين جدة وبورت سودان والخرطوم، ليجد أنه لم يعش في كردفانه الخضراء سوى سنين قليلة وإن بقيت محفورة في القلب ولكنها تكاد لا تحسب بالسنين مقارنة بما عاشه خارجها!!!
يحلم ابوسيل بأن يكون حصاد غربته الحصول على مزرعة في ضواحي كردفان ولتكن مدينة “بارا” مثلا، يعيش فيها ناسكا متعبدا على “ترانيم” والحان خرير مياه الجداول وجوار الظباء، وثغاة الاغنام ، وخوار الابقار، وهديل الحمائم ونقنقة الدجاج وسجع القماري وفوق ذلك ضحكات احفاده!!! وفي إنتظار أن “يلبن” نتاج غربته يحاول ابوسيل تقديم النصح لبني وطنه في الخارج بأنه مهما كبر ماتحصلوا عليه من حياة كريمة هناك و”كماليات” فإن “العرجة لي مراحها”، وينصح الشباب بالداخل الا يضيعوا أعمارهم في الحلم بالاغتراب او الهجرة “يقد بالسمبك” ، خاصة وهو يرى العشرات من شباب السودان يغرقون في البحر الابيض المتوسط ،دون أن يعرف لهم خبر ولا أثر!!
كمثال فقط ، غرق 130 شاب في 27/04/2021م في البحر الابيض المتوسط ، وقبلها غرقت مجموعة الشباب التي ضمت الشاعر عبدالوهاب محمد همت “لاتينوس” في 20/08/2020م، وليس اخرها غرق 9 من شباب ام دوم أمس 03/07/2021م، ذكرت الأخبار من بينهم الشهداء ( خالد ادم (دقاشية) ،عماد الزبير، عبدو ود ابوً شنب، مازن إبراهيم بله، عبدالرحمن الصادق (اخو الفنان تمبش)، -احمد علي (مونجا ود الاحامدة، مزمل خالد (الزمول)). رحمة الله عليهم جميعا.
يعتصر الحزن قلب صديقي ابوسيل وهو يرى شباب السودان تتخطفهم المنافي والبحار وقبلها قد يضطرون لبيع بعض أجزاء اجسادهم كالكلى وغيرها في قاهرة المعز للحصول على المال لدفعه للمهربين!!! ومن بقي منهم بالسودان ان لم يضيع بالمخدرات التي ادخلها منتسبي نظام الانقاذ البائد للقضاء على مقاومة الشباب بعشرات الحاويات!!! اما من ثبت من الشباب وحاول المقاومة الايجابية بعيدا عن الجلوس مع “ستات الشاي” فشارك بهمة في المحاولات الايجابية والنفرات مثل شباب شارع الحوادث او الحلم الاخضر او لجان المقاومة او ازرع بس وغيرها ، كانت ولا زالت بعض الجهات ولا سيما كتائب الظل والمتآمرون في القوات النظامية وغير النظامية تهتم بزهق ارواحهم كما حدث مع شهداء دارفور وجبال النوبة وكجبار ومعسكر العيلفون وشهداء سبتمبر 2013م و الشهيد سنهوري ود. بابكر ود. محجوب التاج محجوب وأخوانهم واخواتهم من شهداء، مجزرة فض الاعتصام في 29 رمضان 2019م كالشهيدة ميادة، واستمرار القتل المجاني مع الشهيد ود عكر وغيره من الشباب.!!!
اكتب هذا المقال لاشارك صديقي ابوسيل حزنه على غرق وتشرد كثير من الشباب في المنافي، واوجه صوت لوم وعتاب لكل الاباء والامهات وقبلهم لكل الاحزاب وقبلهم للحركات المسلحة التي تحب ان تدعى “حركات الكفاح المسلح” ، وكذلك لهؤلاء “الضلاليين” والمتامرين من نظام الانقاذ البائد الذين يغامرون بأرواح الشباب في حروب قبلية مثل السيد محمد الأمين ترك وغيره، اقول لهم انكم في غمرة الانشغال بمصالحكم الذاتية الضيقة تتناسون انكم تتاجرون بالبلاد ارضا وشعبا وانكم تدفعون بهؤلاء الشباب الذين ينبغي ان يكونوا زاد وأمل المستقبل الى الانتحار البطيء بالداخل او الموت غرقا ، ومن بقى منهم تدفعون بهم كوقود نار في معارك قديمة بينكم للتشبث بالسلطة و للانتقام ممن نازعكم فيها وإعادة الوصول الي كرسي السلطة..
موت هؤلاء الشباب هو ذنب ثقيل في رقاب كل هؤلاء المتصارعين حول السلطة الذين يدفعون كثير من الشباب لليأس والبحث عن الاغتراب او الهجرة هربا من السودان وجحيمه.
يقول صديقي ابوسيل يجب على الشباب عدم الاكتراث او الالتفات لصراع “عجائز السياسة” من أمثال مبارك المهدي و”ترك” وكل من تعدى سن الخمسين وما زال يبحث عن السلطة، يجب على الشباب تجاوز هذه الاطر القديمة للاحزاب الطائفية والعقائدية وغيرها. فهؤلاء الشباب الذين أظهروا وحدتهم الوطنية الصادقة وهم يتغنون “يا عسكري ومغرور، كل البلد دارفور”، يجب عليهم الانخراط في منظمات مجتمع وطني والتوجه نحو “إختراع” أشكال سياسية جديدة لا تعتمد القبلية او الطائفية او العقائدية، بل تحالفات وطنية تعمل وفق برنامج سياسي متوافق على خطوطه العريضة وهي العمل بأخلاص ووطنية لمصلحة السودان وشعبه والتفريق الواضح بين الدولة والحكومة ، فعلى الكل أن يعمل على تثبيت الدولة واستدامة الاستقرار السياسي وان اختلف رأيه مع الحكومة القائمة فيظل يدعم الدولة وممثلها الشرعي والتنفيذي أي الحكومة في انتظار ان يكون التنافس هو تنافس برامج في الانتخابات النزيهة في الدورة المقبلة!!
أخيرا، يجب على الشباب ان يتصالحوا فيما بينهم ولا نملك غير الوصية وان ندعو لهم بالخير بما تسميه العرب الاستنطاء أي (قلب العين الى نون ) ، ومنها جملة صديقنا “الدعيتر” فيا أحبتنا الشباب “ينطيكم العافية” وشمروا عن سواعدكم و عمروا ارض السودان ففيها من الخير ما “يكفي ويزيد”!!
رحمة الله على كل الشهداء من شباب السودان بما فيهم الغرقى ومنهم الشاعر الشهيد عبدالوهاب محمد همت “لا تينوس” القائل:
“” عبثاً ، ستمضي نحو حتفكَ ؛
اليوم ، أو غداً
أو حتى بعد غد ،
لا أحد بوسعه وقف عجلة الخراب
***
عبثاً ، كل شيء قد احتضر ؛
*** ،
ولم يتبق ،
غير فراغ يصطخب بعنف ،
غير جثث تدخل في صمت كئيب “.
دعونا نترحم عليه ونتوجه برسالة لكل الشباب الباحث عن الهجرة غير الشرعية بوصيته مع تغيير كلمة الاحباط الى امل بالقول.
“انه سيء جدا”
“أن تموت في عرضِ البحرِ
حيث الموج يصطفق بصخب في رأسكَ
والماء يأرجح جسدكَ
كقارب مثقوب .”
….
فى مقتبل العمر
دون أن تبلغ الثلاثين بعد .”

wadrawda@hotmail.fr


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!