إني أرى شجراً يمشي !! .. بقلم: عزالدين صغيرون


عندما يكون الحديث عن الدولة السودانية ووجودها، وعن ما يهدد بقاءها بالفناء، فإن الحديث حينئذ ينبغي أن يكون صادقاً، واضحاً مباشراً، صريحاً، شفافاً، مهما بدا صادماً، أو جارحاً، أو محرجاً للبعض. ومع ما تتعرض له الدولة السودانية الآن من خطر التمزق والانهيار والفناء، بعد أن بدأ تفكيكها الفعلي بانفصال ثلث مساحتها، وشبه انفصال ما يُسمى بالمناطق المحررة من سلطة الدولة المركزية، في دارفور وكردفان والنيل الأزرق، واحتلال مصر لمثلث حلايب وشلاتين، وما استقطعته الحبشة من شرقها في الفشقة وبني شنقول. هذا غير الانفلات الأمني في شرق وغرب ووسط وجنوب البلاد، يجعل من التصدي بشجاعة مع النفس لمهددات أمن السودان الوجودية أمراً لازماً لا ينبغي التلاعب فيه.
(اختلال التوازن الداخلي والفوضى)
ولعل أول ما ينبغي التنبيه إلى خطره – طالما نتحدث عن مهددات وجود وبقاء الدولة – هو حملة السلاح في الجيش والأجهزة الأمنية والشرطية الذين يشكلون المهدد الأول والأكبر والأكثر خطورة على وجود الدولة. وهذه مفارقة تدعو للغرابة ينبغي التوقف عندها طويلاً.
لأن السائد المعلوم بالضرورة في كل العالم أن وظيفة الجيوش في الدول الطبيعية تتلخص في القيام بالدفاع عن أمن الدولة ضد أي تهديد خارجي يستهدف وجودها وحدودها ومقدراتها، يساعدها في ذلك أجهزة الأمن الاستخبارية التي تمد جهاز الدولة التنفيذي بالمعلومات اللازمة، ومن ثم يكلف الجيش بالمهام المطلوب منه القيام بها.
وهذا يعني أن قيادة الجيش – وكافة الأجهزة الأمنية – ليست هي الجهة المسؤولة عن قرار الحرب والسلام في الدول الحقيقية. لأن هذا الحق من صميم مسؤوليات الجهازين التنفيذي والتشريعي. والمؤسسات العسكرية والأمنية مثلها مثل كل المدنية الأخرى تخضع لسلطة هذين الجهازين. سلطة القيادة التنفيذية المباشرة، وسلطة الجهاز التشريعي غير المباشرة.
ما الذي يحدث حين تتداخل حدود السلطات في أجهزة الدولة ؟.
يختل توزنها الداخلي وتسود الفوضى أعلى قمة هرم الدولة.
والدولة رغم اعتباريتها، إلا أنها مثل الشخص الطبيعي المتعين، يبدأ الخلل في “رأسها” أولاً، ومن ثم ينتقل إلى الأعضاء الأخرى. فأجهزة سلطات الدولة هي بمثابة العقل عند الشخص الطبيعي، يصاب بالاعتلال، فينتقل المرض إلى بقية الجوارح والحواس الخارجية، ووظائف الأعضاء الحيوية الداخلية. ويتداعى جسد الدولة.
وهذا بالضبط ما حدث ويحدث لكيان الدولة السودانية الحديثة التي ظلت تعاني في غرفة الإنعاش منذ قيامها بعد الاستقلال إلى يومنا هذا. فلا هي ميتة تُنعى ولا هي حيَّة تُرجى.
إليك مثال لما يمكن أن يحدث نتيجة لتداخل الفضاءات في عقل الدولة:
– في عام 1958 ومع التجربة الديمقراطية الأولى بعد الاستقلال، قادت صراعات الأحزاب على السلطة إلى تقويض الديمقراطية بتسليم حزب الأمة الحكم لمجلس عسكري تكوَّن برئاسة الفريق إبراهيم عبود !.
أطاحت به ثورة شعبية عام 1964، أعادت النظام الديمقراطي النيابي.
– مرة أخرى وبسبب صراع الأحزاب على السلطة دبرت أحزاب اليسار في عام 1969، هذه المرة، انقلاباً عسكرياً بقيادة العقيد جعفر محمد نميري ضد الحكومة اليمينية التي كانت تعدّ العدة لفرض دستور إسلامي يكرس سيطرتها على السلطة بعد أن أقصت الحزب الشيوعي من البرلمان وحظرت حزبه. إلا أن العقيد الذي أصبح مشيراً أقصى حلفاءه واستأثر بالسلطة.
ومرة أخرى أيضاً أطاح الشعب بنظامه عام 1985 في ثورة شعبية سلمية وأعاد الحكم الديمقراطي البرلماني.
– ولم تلبث الديمقراطية سوى سوى ثلاث، عادت بعدها حليمة الأحزاب إلى قديم صراعاتها على السلطة ليدبر الاتجاه الإسلامي انقلاباً عسكرياً عام 1989، واستمر حكم الإسلامويين ثلاثة عقود “حدث فيها ما حدث”.
وأطاح الشعب للمرة الثالثة بنظامهم، وهاهي القوى السياسية تتصارع قبل أن تصل إلى بر الحكم النيابي حتى !.
(تداخل الفضائين والتفكك الداخلي)
ما تخرج به من هذا الموجز التاريخي من ملاحظات يمكن تلخيصه في الآتي:
– أن الأحزاب، وهي المؤسسة المناط بها مباشرة العمل السياسي في الدولة تتدخل في الفضاء العسكري. وهو ليس المجال الذي أعدت له.
– وأن المؤسسة العسكرية، وهي المؤسسة التي ينبغي أن تخضع لسلطة الجهاز التنفيذي ويناط بها مسؤولية الدفاع عن أمن وحماية حدود الدولة تحتكر الفضاء السياسي المدني. وهو ليس المجال الذي أعدت له.
وما ينتج عن هذا التداخل والخلط بين الفضائين فسادهما معاً.
وهذا هو حال الدولة السودانية الآن:
* مؤسسات سياسية مدنية عاجزة عن تحمل مسؤولياتها، تعاني من الفشل المزمن عن إدراك مهامها.
* ومؤسسات عسكرية وأمنية انشغلت بالشأن السياسي وأهملت إعداد نفسها للقيام بمهماتها. فاقتطعت الدول المجاورة من أطرافها، واخترقتها استخباراتها.
وهكذا تتفكك الدول من داخلها حين تتداخل وتختلط فضاءات مؤسساتها وتصاب بالعطب والعجز عن أداء مهماتها والفشل.
وما تخرج به من ذلك: أن اختلاط، وتبادل المواقع والأدوار بين فضائي العسكر والسياسيين يفسدهما معاً، ويتسبب في اعتلال عقل الدولة، وفي عجزها وفشلها واندثارها بالتالي. لأن ما أصاب الرأس من عطب سينتقل حتماً إلى بقية مكونات الدولة (مجتمعاتها ومؤسساتها).
(جيش الدولة ..أم دولة الجيش)
الآن لم يعد الصمت ممكناً في ظل التهديد الوجودي الذي يتعرض له السودان وشعبه، بتفكيك الدولة وتمزق نسيجها الاجتماعي، بعد أن أحكمت لجنة البشير الأمنية قبضتها على كل القوى المسلحة في الجيش والحركات والمليشيات والشرطة والاستخبارات. ونجحت بسبب تشرذم الأحزاب وضعف المكون المدني في السلطة الانتقالية وعدم وضوح رؤيته في السيطرة على فضاء السلطة التنفيذية واستحوذت أكثر من 80% من موارد السودان الاقتصادية، إلى درجة دعت الجهات الأمريكية الرقابية تتساءل عن سر غياب موارد الجيش والقوى الأمنية عن الميزانية العامة للدولة.
إن كل المعطيات باتت تؤكد بوضوح أن أصبح داخل الدولة، وأنه لم يترك لبقية مكونات الدولة مجالاً تعمل فيه أو مساحة تتحرك فيها.
وبعبارة أوضح أن اللجنة الأمنية اختطفت الدولة.
وأن المعادلة الطبيعية انقلبت رأساً على عقب، بعد أن لم تعد الدولة السودانية تمتلك جيشاً وأجهزة أمنية تعمل في خدمة الوطن.
وإنما أصبح للجيش والأجهزة الأمنية – بقيادة لجنة البشير بعد رحيله – دولة كاملة الدسم، بلا شعب أو مؤسسات. يتصرف فيها كما يشاء.
ولجنته الأمنية هي التي تقرر السياسات الداخلية، وتحدد من يشاركها في السلطة وموقعه وحدود سلطته فيها.
وهي التي تحدد علاقات “دولتها” بالعالم الخارجي، فتعلن الحرب على من تشاء، وتسالم من تشاء، وتمنح من الدول قواعد على أرضها وفق ما ترى، وتبيع أو تتنازل من حدود وطنها وفق ما يحقق بقاءها في السلطة، ويضمن استدامة هذه السلطة.
انقلبت المعادلة الطبيعية في منطق الدولة الحديثة. وبدلاً من “جيش الدولة”، نحن نتحدث الآن عن “دولة الجيش”.
فإلى أين يقودنا هذا ؟!.
(التاريخ في كبسولة للشباب)
حسناً.
بنفس الصراحة والوضوح، إننا لن نستطيع أن نفعل شيئاً لمعالجة هذا الموقف والخروج من هذا النفق دون توصيف “حالة” الدولة السودانية، ومعرفة نقاط الضعف والثغرات البنيوية في كيانها. وما هي القوى الداخلية والخارجية التي تستثمر في نقاط الضعف والثغرات، وتسهم في تفكيكها. وأكثر من ذلك أن نعرف كيف تعمل، وما هي الأدوات والآليات التي تستخدمها لتحقيق أهدافها.
لقد قدمت تجربة عامين بعد الثورة للشباب – الذين كانوا أكثر اكتواء وتضررا من حكم الإسلامويين – درساً مختصراً لتاريخ كامل من فشل النخب السياسية والعسكرية في إدارة دولة توفرت لها كل أسباب وعوامل الاستقرار والقوة والاستدامة والرفاه، ولكنهم ظلوا كثور الساقية يدورون عبثاً في حلقة مفرغة. من دورة برلمانية يطلق عليها زوراً ديمقراطية، يعقبها انقلاب وحكم عسكري، تتلوه ثورة شعبية. وتعود الأحزاب لتمارس ما كانت تمارسه من تلاعب ومكايدات وصراع لا يقل غباء عن سابقه، يضع الانقلاب التالي له حداً. وهكذا بين قيادات الأحزاب والعسكر صار السودان كرة تتقاذفها أقدامهما. ومما يزيد الوضع سوءاً أن لكل منهما قوى خارجية يستعين بها في صراعه على السلطة (وكله بثمنه).
الخطر الذي يأتي من باب الأحزاب أقل تعقيداً وأخف ضرراً وأسهل علاجاً، لأنه ممكن العلاج بمزيد من الديمقراطية داخل الأحزاب أولاً، وبإشاعتها في الفضاء المدني، وأن يدها عن مؤسسات المجتمع وتتركها لحالها.
إلا أن المؤسسات العسكرية والأمنية فتمثل عقدة المنشار العصية التي تهدد كيان واستقرار الدولة، باحتكارها السلاح من ناحية، وهيمنتها الاقتصادية من ناحية أخرى. وربما يكون إدمان العسكر على سلطة الحكم واستسهالهم استخدام السلاح ضد شعبهم دون رادع أو عقاب، مع ضعف الأحزاب واختراقها المؤسسة العسكرية لكسب الضباط فيها، يجعل من عملية موضعة هذه المؤسسات في مواقعها الدستورية الصحيحة تحت سلطة الجهاز التنفيذي المدني أمراً في غاية الصعوبة. وهذا ما جعل العسكر يحكمون أكثر من نصف قرن منذ الاستقلال.
وسنرى فيما بعد، حتى لا نُتهم بإطلاق الكلام جزافاً كيف أن هيمنة اللجنة الأمنية تقود إلى تفكيك الدولة، وأننا الآن نجلس على برميل بارود يوشك على الانفجار.
izzeddin9@gmail.com

أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك