نحـن أمـةٌ مفجـوعـة  .. بقلـم: عمـر العمـر


كما قالت الروائية التشيكية إيزابيل الليندي “لا يوجد على وجه الأرض من لا يعاني من الفقد ،لكن مشاركة أحزاننا تعيننا كثيرا على الشفاء”.
عندما يكون الإحساس بالفقد على مستوى الأمة فإن الإشتراك في الحزن يفاقم
الشعور بالفقد أكثر من تخفيف الآلام. نحن أمة   مفجوعة في مبدعيها إن لم يصعقنا موتهم المباغت يفجعنا رحيلهم  عند منحنيات الأزمنة الحر جة. ما غياب القدال والحلو غير فصل من تراجيديا الرحيل المر لكوكبة  من مبدعين بذلوا جهدا  سخياً من أجل تحويل الوعي فينا إلى روح جماعية. لعل دموعنا لم تجف بعد على  غياب الزميل مبارك بشير الفجائي في صمته المهذّب المعهود.
***     ***    ***
الموت مثل الحب حين يصعقنا يعري حقيقة هشاشاتنا الخبيئة . رغم حضور هذا الكائن الخرافي في حياتنا اليومية إلا أننا لم نألفه أو نتأقلم على التعايش معه . مع ذلك فهولا يكف عن ممارسة الإختطاف بلا استئذان كما لا نكف نحن عن الإحساس بالفقد والبكاء .الحزن وحده  شمعة تضيئ عتمة كل البيوت  بالدموع. لكن على قدر يقظة البذل على الصعيد القومي يتم نصب سرادق العزاء على ساحة الوطن.أؤلئك هم من يعزفون على العقول والعصب من أجل كتابة مستقبل مفعم بالأمل  بدلاًعن التسليم بحياة تكتنفها  الخيبات والخنوع .
***     ***     ***
   يالها من لوحة جروتسكية خالدة رسمها نخبة من شعراء ، كتاب وساسة .تنفذ ألوانها عبر كل مشاهد البؤس والعنف والكوابيس لجهة إضاءة مساحات من القطيعة مع كافة أشكال التخلف، الرؤى التقليدية ، يحرضون على الأبداع بدلاً عن الإتباع . كلهم ينطلقون من وحدة الجذور ووحدة الإحساس بالألم .ينشدون التوق إلى وحدة الأغصان وصناعة الأمل عوضا عن التوغل في التشرزم .كلهم يتقافزن إلى ذاكرة كل منا دونما ترتيب زماني أو نسق توصيفي أو خاطر تصنيفي. فقط مناسبات الأحزان وحدها تحرك دولاب الذاكرة.
***    ***    ***
القدال شكّل مع الراحلين محجوب شريف ومحمد الحسن سالم حُميد مثلث إبداع عصي على الكسر والتفكيك بفعل عوامل التعرية الإجتماعية. هو مثلث تنويري يتميز ببراعة فائقة على تنوير الجماهير وتجييشها من أجل الحرية، التقدم والعدالة. هو مثلث يختص بديباجة لها نفاذ السحر في الجماهير لأنها مستقاة من أنفاس الشعب ونبضه ، تفصح عن ألامه وأماله. قيمة عيسى الحلو لا تنبع فقط  من روائعه القصصية وقراءته النقدية بل هو أكثر من ذلك صوفي الصفحات الأدبية في صحافتنا اليومية ، عايشها بتجرد وتواضع  يفوقان حرصه على نصاعة طزاجتها في كل الظروف .
***     ***     ***
        ذلك المثلث يستدعي إلى  الذاكرة  مثلث إبداع مبكر متساوي الأضلاع قوامه معاوية نور ، عرفات محمد عبد الله والتيجاني يوسف بشير. تلك ثلة مضيئة من مبدعين متعددي المواهب والقدرات اشرأبوا  من جيل ما  تحت ظل الهزيمة حسب توصيف شاعرنا الجزل محمد المكي إبراهيم .كلهم بكّروا في إشعال الحس الوطني وحمل مشاعل الفكر القومي والجمال. اتسمت سيرهم الذاتية بوهج من الوعي ونبوغ  مبكر ومعدن صلب  وطّدهم على النضال والصمود. محمود عباس العقاد قال  عن معاوية ” لوعاش لكان نجما مفردا في سماء الفكر العربي”. لكن الموت اختطفه وهو على عتبة الأربعين. لا نزال  نتمنى مع أنور المعداوي حفلا ضخما  لم يكتمل في الخرطوم يليق بمقام نور.
***     ***     ***
مثل معاوية  نور عاش عرفات محمد عبد الله حياة قصيرة حافلة بالتنوير إذ ساهم عبر الكتابة في بث الوعي . الموت غيّبه و هو عند منحنى الأربعين . هو أحد مؤسسي “اللواء الأبيض” ونشطاء تأسيس نادي الخريجين، مدرستي  أم درمان الأهلية والأحفاد. لوقلنا أنه مؤسس “مجلة الفجر” لزان رصيده التاريخي ثراءً.تلك المطبوعة أنموذج تنويري وطني إنتقاه عبد الخالق محجوب في بث ما أستطاع من الوعي عندما أسس  مجلة “الفجر الجديد” .عبد الخالق صاحب قماشة متفردة في الخطاب السياسي السوداني المكتوب والمنطوق ذات مفردات جاذبة ومصطلحات  زاهية باقية بالإضافة إلى أسلوب خطابي لم يجار. هو كذلك كتب له القدر رحيلاً مبكرا. هي سنوات العمر ذاتها  عندما ذهب إلى المشنقة شهيدا في رباطة جأش أصبحت مثلاً .يالفاجعة الأربعينيات .
***     ***     ****
  التيجاني يوسف بشير تجرع مثل سابقيه من الحرمان والمعاناة داخل محيطه بما في ذلك المعهد العلمي والعائلة. تلك الفظاظة حرمته من الحياة الهانئة الآنية والمستقبلية لكن ذلك لم يقمع لديه حذوة الصمود والتصدي والنضال .
أهم من ذلك ان تلك القسوة لم تنل من قدرات ” الصوفي المعذّب” الأدبية فأنتج  قصائد نصّبنه “أشراقة” للشعر السوداني. الدكتور عبد المجيد عابدين أستاذ الأدب الجامعي أعمل ذهنيته النقدية في شعر التيجاني في كتاب موسوم ” التيجاني شاعر الجمال”. ذلك أحد الأعمال المرجعية في مكتبة الشعر السوداني.
***     ***     ***
  وحده عبد الهادي الصديق يقف متقدما بمسافات على غيره في حقل النقد الأدبي .فهو وحده تفرّد في كسر البراويز التقليدية  في ردهات النقد  برؤى لا تقل إبداعاً عن شاعرية الشعراء انفسهم ، إن لم تتفوق عليها. لعل “مقاربة الجمال النائم ” تقرّب هذه الرؤية. في هذه الدراسة النقدية وازن عبدالهادي بين شاعرية التيجاني يوسف بشير و والموسيقار الروسي إليتش تشايوفسكي . مع أن محور المقاربة قرآءة في قصيدة التيجاني ” الجمال المسحور ” وباليه تشايكوفسكي ” الجمال النائم” إلا أن بصيرة الناقد الفنان أقلعت من صالة “الميوزيك هول ” في نيويورك إلى خلفيات حياة الشاعر والموسيقارليبصّرنا بعذابات مسرح رومانسياتهما. تلك هي رؤى عبد الهادي الثرية  في بضع أعماله المغايرة؛” نقوش على قبر الخليل”،” عناق الأشرعة”
فجيعتي في عبد الهادي ؛ الصديق الصدوق نقي الذهن واالفؤاد لا تقل عن خسارة الحقل الأدبي في ناقد رحل في غفلة منا جمبعا وأخذ معه مقعده الفريد العالي تاركا مكانه شاغراً كما  كان قبله.
***    ***     ***
  لولم يكتب خليل فرح غير ” عازة” لكفاه . لكن الخليل ترك نقوشأ ذهبية شكّلت نقلة مفتاحية في قماشة  الغناء السوداني جعلت رحيله بعد معاناة في جهازه التنفسي وهوعلى عتبات الأربعين فقداً جللا يا لفاجعتنا عتد الأربعين. ففي سيرة الشاعر الثائر فورة من النشاط السياسي جعل منه كما قال علي المك ” لا يذكر الخليل إلا ويذكر الوطن” .خليل فرح استخدم ذهنية المهندس الميكانيكي في تحريك دولاب العمل السياسي المناضل بروح سودانية قومية بالغة الشفافية والإنتماء . كذلك لا تذكر الصحافة السودانية إلا و يبرزمن عمق التكوين اسم حسين شريف رائدها بلا منازع. هو من هندس بقلمه مفاهيم سياسية ، إجتماعية وإقتصادية . كما  نقش قبل رحيله على عتبات الأربعين كذلك أقوالا لا تزال عالقة في الذاكرة الجمعية على شاكلة” شعب بلا جريدة كقلب بلا لسان.هو من سك مصطلح ” المسألة السودانية ” . لعلها لاتزال مطروحة على طاولات التداول بحثا عن إجابات  برؤى حديثة.
***     ***     ***
  ربما لا توازي لحظة مصرع جون قرنق منعطفاّ قاصمأً حرجاً في التاريخ السوداني منذ رحيل الإمام المهدي. كلاهما تركا مشروعا لم يكتمل .إبان حياة المهدي ظل السودان فقط قادرا على الإحتفاظ بسيادته كما القدرة على مصادمة القوى الخارجية. بموت قرنق المباغت وسط الأدغال تهشّم حلم” السودان الجديد” بهما فقدنا كاريزما ذات رؤى نافذة وإرادة سياسية غلابة .الموت  لم يتح لهما سوى بضعة من أشهر بعد تسنهما السلطة. المهدي رحل وهوعلى بدايات سلم الأربعينيات. فيا لفجيعتنا عند عتبة الأربعينيات. ما من أحدٍ تملّك قدرة تجميع الحلم المهشّم في الغابة مثلما لم يستطع أحدٌ تعبئة الشغور  في المشهد السياسي في الخرطوم .تلك اللحظة الحرجة هي بداية منحنى التجزئة والإنفصال كما هي بداية إندياح دوائر الظلام ،الفوضى والعبث  الجهوي المسلّح بـ” عنف البادية”.
aloomar@gmail.com

أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك