قانون النقابات لسنة 2021 وورطة ترقيع المرقع (1) .. بقلم: صديق الزيلعي


أجاز مجلس الوزراء مسودة قانون النقابات لسنة 2021 المقدم من وزيرة العمل. وكانت وزيرة العمل قد اجرت اتصالات بعد توجيه حمدوك بتوسيع دائرة المشاورات. بعد كل تلك الاتصالات والوعود قدمت مسودة القانون الجديد لمجلس الوزراء. وكانت وزيرة العمل السابقة قد اعدت مسودة هي ترقيع للقانون الانقاذي لسنة 2010. أما المسودة الجديدة فقد عدلت بعض فقرات تلك المسودة. وهكذا حصلنا على قانون هو ترقيع للمرقع. سأحلل القانون في مجوعة من المقالات استهدافا لتنوير الرأي العام، وخاصة المهتمين بالعمل النقابي.
مقدمة لا بد منها:
هذه المقدمة ضرورية لفهم السياق السياسي والإطار الزمني الذي تعاملت به سلطة المجلس العسكري، ثم السلطة المدنية بعد اختيارها. سأبد بالمجلس العسكري، ثم بقية المقالات ستناقش موقف الحكومة الانتقالية، وأخيرا نتعرض لمواد القانون.
قررت اللجنة الأمنية لنظام البشير بعد استلام السلطة، تكوين ما سمي بالمجلس العسكري الانتقالي. أدى استمرار الاعتصام امام قيادة الجيش، وديمومة المظاهرات الجماهيرية في كافة ارجاء السودان لوضع مقلق لكافة الأطراف. فالعسكر يصرون ان الثورة نجحت في عزل البشير، وعليهم الحكم لفترة محددة حتى اجراء انتخابات عامة. أما الثوار فقد رفضوا ذلك، وطالبوا بحكومة مدنية. كان المجلس العسكري، خلال تلك الفترة العصيبة من تطور الحراك، يسعى لكسب الثوار، بكل السبل. وأجرى المجلس تغييرات في تشكيلته تنازلا امام رفض الثوار المدنيين. كما قرر، في إطار كسب ود الشارع الثائر، ان يجمد النقابات والاتحادات. جاء في اخبار قناة روسيا اليوم القرار الآتي، نقلا عن اعلام المجلس العسكري الانتقالي:
” أصدر المجلس العسكري في السودان قرارا بتجميد نشاط النقابات والاتحادات المهنية والاتحاد العام لأصحاب العمل السوداني، وذلك في اجتماعه صباح الأحد 28 أبريل 2019. كما نص القرار على تكليف عدد من اللجان لحصر وضبط العهد والأصول والمعاملات المالية مع تخويل اللجان سلطة القيام باي أعمال أو واجبات تمليها الظروف وتتعلق بالنواحي الاجتماعية والتكافلية والإنسانية لمنسوبي النقابات والاتحادات المختلفة. ووجه القرار مسجل تنظيمات العمل بالشروع في تكوين لجان تسيير لمهام هذه التنظيمات لحين انعقاد الجمعيات العمومية.”
نلاحظ ان القرار صدر بعد حوالي الأسبوعان من تاريخ عزل البشير، وفي ظل حراك جماهيري متعاظم، وغضب هائل على النظام السابق، وعلى منظماته. كما نلاحظ، أيضا، ان القرار كلف مسجل تنظيمات العمل على تكوين لجان تسييرية. فالمسجل هو جزء اصيل من النظام السابق، واداة فعالة له في السيطرة العمل النقابي، ولعب أدوارا مهمة في ذلك. تلك الملاحظات تقودنا لاستنتاج ان القرار قصد به امتصاص الغضب الجماهيري، والانحناء امام العاصفة، ولكنه حافظ على سيطرة عناصر النظام السابق على العمل النقابي، رغم تجميده. وتأكيدا لهذا الاستنتاج ننشر خبر وكالة الاناضول بتاريخ 22 مايو 2019:
” قرر المجلس العسكري الأربعاء 22 مايو 2019 الغاء تجميد نشاط النقابات والاتحادات المهنية والاتحاد العام لأصحاب العمل. جاء ذلك في بيان صادر عن اعلام المجلس العسكري اطلعت عليه وكالة الاناضول. وأوضح البيان لن المجلس العسكري عكف على مراجعة القرارات التي تم اتخاذها خلال هذه المرحلة الاستثنائية التي تمر بها بلادنا، وذلك حفاظا على المصالح العامة والخاصة. وأضاف في هذا الإطار تم معالجة قرار تجميد التنظيمات النقابية في ضو القوانين المنظمة للعمل النقابي في البلاد والاتفاقات الدولية المتعلقة بهذا الشأن. وتابع انه تم التوصل الى ضرورة فك تجميد هذه التنظيمات التزاما بالمواثيق الدولية وتثبيتا للمكاسب التي يحققها تقلد السودانيين لهذه المنظمات بمواقع إقليمية ودولية غاية في الأهمية.”
وقد وصفت قوى الحرية والتغيير وتجمع المهنيين السودانيين قرار المجلس العسكري الانتقالي بفك حظر النقابات والاتحادات بانه ردة تخدم أجندة الثورة المضادة والعودة الى مربع الطغيان.
نرى هنا العجلة في ارجاع نفس القيادات، التي فرضها النظام، بعد 3 أسابيع من تجميدها. ورغم ان لجان التسيير التي كونها المسجل، كانت من تفس الكوادر، الا ان المجلس العسكري يريد ان تعود بكامل سلطاتها السابقة، وبنفس كوادرها، مما يشكل اعترافا صريحا بدعمه لها. الأمر الذي يوضح ان قرار التجميد كان محاولة للانحناء امام عاصفة المد الجماهيري، وفي انتظار أن تمر أو تخبو. كما ان قرار فك التجميد تم في إطار بحث المجلس العسكري عن حاضنة جماهيرية له. فقد جمع رجالات الإدارة الأهلية والتنظيمات الصوفية وغيرها في إطار مواجهته لقوى الحرية والتغيير. وهكذا شكل القرار دفعة قوية للعناصر التي سادت الحركة النقابية خلال النظام السابق، وارجعها معززة مكرمة لمواقع القيادة مرة أخرى. الأمر الذي ساعدها في إعادة تنظيم صفوفها، والتحرك بفعالية، داخليا وخارجيا.
نلاحظ ارتباط غريب، يثير التساؤل، وهو ارتباط فك التجميد بالمذبحة التي تمت امام القيادة العامة للقوات المسلحة في فجر 3 يونيو 2019. وكانت التصريحات وكل الأدلة تشير للتخطيط المسبق لتنفيذ المذبحة، ويصير طبيعيا ان قرارا لفك تجميد النقابات يصدر فبل عشرة أيام من المذبحة، وفي ظل خلافات حادة بين المجلس العسكري، المتمسك بالسلطة، وقوى الحرية والتغيير الرافضة لانفراده بالسلطة، وإصرار المجلس العسكري بانها لا تمثل الثورة او الشعب السوداني.
نود ان نركز هنا، ان مواقف المجلس العسكري الانتقالي، قد اثارت قلق قطاعات من النقابيين، وازدادت شكوكهم حول نوايا المجلس العسكري. وستزداد مظاهر القلق وعدم الثقة في العسكريين، مع الأيام وتوالي الاحداث، خاصة مذبحة الاعتصام. ظن المجلس العسكري انه قد تخلص من عقبة الاعتصام، وحان وقت الانفراد بالسلطة. فقرر وقف التفاوض مع قوى الحرية والتغيير، والانفراد بالسلطة. أمام هذا الموقف ساهم تجمع المهنيين وقوى الحرية والتغيير في تنظيم مواكب ضخمة في كل السودان رفضا لهيمنة العسكر. أدى ذلك لتراجع العسكر والقبول بالتفاوض. ولكن مواقف العسكر، في نفس الوقت، اقنعت غالبية النشطاء النقابيين بخطورة ما يقوم به العسكر، وضرورة التصدي لهم. (نواصل).

siddigelzailaee@gmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!