الرجل غير المناسب – الفساد في السودان كنموذج أصغر لنظيره في بريطانيا (2)  .. بقلم: مازن سخاروف


الرجل غير المناسب ظاهرة تاريخية مستمرة تستحق التوقف.  فهناك شخصيات عديدة في الدولة البريطانية تُعتبر في نظر شريحة كبيرة من “النخب” السودانية ممن يشار إليها بالبنان ويتبارى في التبرك بها ألسنة خطباء وأقلام شعراء وأدباء وأدعياء للأدب والشعر كذلك.  تلك الـ”أسماء في حياتنا” من بلاط الخواجة إن لم توجد في المقرر الوطني (في كتب التاريخ  والأدب الإنجليزي مثلا) فهي ترد بالنقل والثرثرة رغم أنف السامع فتصبح في دائرة الإطلاع العام وتتماهى (في النهاية) مع الواقع.   تلك البروباقاندا المفروضة فرضا على البيئة المحلية تُرش بكثافة ووفرة في كل الإتجاهات فتساقط جراد الإمبراطورية كجلمود صخر حطه السيل من عل.  تحسبها من صيت أصحابها معلقة من المعلقات أو أهزوجة مرفوعة إلى السحاب: الفيلسوف برترند رسل؛ “القائد” (الفاتح) كتشنر؛  ونستون تشرشل “الرجل العظيم”.  القائمة تطول والمحتفى بهم من الرجال البريطانيين الأفذاذ يفتخر بهم بعض مثقفينا بين مَن غبطهم على على مجدهم وسؤددهم وبين من شغفهم حبا فطالبَ, مِثلَ عثمان مرغني (رئيس تحرير جريدة التيار) بعودتهم لحكم السودان بإسم “بريطانيا جوة” أو Brin على غرار “بريطانيا برة”, أو Brexit.
للإنصاف فهناك مثقفون يستدلون بمشاهير البريطانيين ضمنما  يُكتب ويُنشر دون شطط أو أشواق عنيفة لماضي المستعمر.  لكن الملاحظ بشكل عام في المنقول كتابة وشفاهة عن الإنجليز “النشامى” أن المقتبِسَ مولعٌ مبهورٌ بمن يَقتبسُ عنه كالحواري مع شيخه؛ والإشارة من هؤلاء لأولئك تأتي أكثر منها مُترعة بثناء القول والتهافت في إبداء الإعجاب منها رأيا معتدلا.  هذا ما يبدو من حال أصحاب السترات الأنيقة والعمائم اللبرالية على السواء في بلدنا المتيم بحب الإنجليز.  وليدات الإنجليز (وما أكثرهم) ما برحوا في التكالب و”الكبكبة” ودلق آنية الحليب على ثرى وطأه من يعتبرونهم أسيادهم وأسياد البرية.
لو أخذنا الثالوث المقدس, كتشنر, تشرشل واللورد برترند رسل, فسنجد أن كلا منهم حالة دراسية للرجل غير المناسب وللفاشل الذي يتم إنقاذه  من العقاب, بل وترقيته بعد الفشل.  كتشنر كان سيئ السمعة في الجيش وخارج الجيش ومن الرداءة والإنحطاط ما جعله يُعرف بكتشنر “الرمة” (1).  برترند رسل لم يتخل عن طبقيته حتى وهو في السجن (رغم أن سجنه كان من فئة “خمسة نجوم”) – وافتضح امره حين حاول التنطع في فلسفة الرياضيات فطلع من إثنيهما بخفي حنين بعد أن أراق ماء وجهه (2).  سأخصص هذه السلسلة لتشرشل , وسأفرد حلقات منفصلة عن كتشنر واللورد رسل حتى يعلم الذين افتتنوا بهم حقيقة هؤلاء.
الهوامش:
============
(1) على عكس ما هو شائع, كتشنر لم يكن له أيّ نصيب من أخلاق الفرسان.  ولم يُعرف سوى بالأنانية والجبن.  وهناك ما هو أسوأ من ذلك بكثير.  وفي كل ذلك حديث آت.
(2) عالم الرياضيات النمساوي كورت قيدِل كتب ورقة علمية في عام 1931 ترد على “شخبطات” برترند رسل في الفلسفة (المنطق الرياضي بشكل أدق) في عمل الثاني الشهير أسس رياضية Principia Mathematica الذي نشر مع وايتْهِد في عام 1910 (الجزء الأول), ثم عام 1913 (الجزئين الثاني والثالث, آخر الأجزاء).  الـ PM  طبعا غير عمل بذات العنوان لإسحق نيوتن قبلها بأكثر من قرنين  (مع إضافة التعريف), أي il Principia Mathematica, والعنوان الكامل لمؤلف نيوتن هو:
Philosophiæ Naturalis Principia Mathematica, أو Mathematical Principles of Natural Philosophy
أو الأسس الرياضية للفلسفة الطبيعية.  ورقة قيدل في جزئها الأول المشهورة بـ”نظرية النقصان” (بعنوان Über formal unentscheidbare Sätze der Principia Mathematica und verwandter Systeme I), والتي رغم أهميتها لم تجد من يترجمها إلى الإنجليزية إلا بعد واحد وثلاثين عاما مما تعدون (راجع Urquhart, 2016), كشفت ثغرات أساسية في كتاب البرنسِبِيا الذي وضعه رسل مع وايتهِد.  الغريب في الأمر أن رسِل رغم اطلاعه على نبأ الورقة الشهيرة, ورغم أن البعض طلب منه شخصيا الرد, فقد تذرع الرجل بأسباب عديدة ليكتب عن الورقة دون التعرض إلى ما جاء فيها من انتقادات.  وفي النهاية “انبرش” كما يقال في الرندوق ليقول بإن الإنتقادات محقة ولكنه لن يستطيع كتابة رد نظرا لأنه لم يعد لدراسة المنطق منذ عشرات السنين.  أوركوهارت, المصدر السابق.  سنعود إن شاء الله في كتابات أخرى لبرترند رسل وزميله في المشروع الإمبراطوري للمبيدات الثقافية, إيتش دجي ويلز.
(3) “عمر الدقير والطيب مصطفى في الميدان الشرقي” مع عبد الباقي االظافر, حلقة تلفزيونية في قناة أم درمان. نشرت على موقع يوتيوب, 2017
رابط الحلقة  (1) هنا:
https://sudanile.com/archives/141130
jsmtaz2014@gmail.com

أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك