الفصل الحادي عشر من كتاب “ما وراء السودان الحديث”: القَرَابِين: مغامرة البحيرة المقدسة .. بقلم: هنري سيسيل جاكسون .. ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي


الفصل الحادي عشر من كتاب “ما وراء السودان الحديث Behind The Modern Sudan”
 القَرَابِين: مغامرة البحيرة المقدسة
Sacrifices: the Adventure of the Holy Lake
Henry Cecil Jackson هنري سيسيل جاكسون
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
مقدمة: هذه ترجمة للفصل الحادي عشر من كتاب “ما وراء السودان الحديث Beyond the Modern Sudan”، للإداري البريطاني هنري سيسيل جاكسون. نشرت دار نشر ماكميلان الكتاب في لندن عام 1955م.
عمل جاكسون في مجال الإدارة بالسودان لأربعة وعشرين عاما متصلة، وحكم مديريتي بربر وحلفا، ولخص تجربته في الحكم والإدارة في عدد من المقالات والكتب التي وصف في بعضها عادات السودانيين وأمثالهم في مختلف المديريات التي عمل فيها، وأرَّخَ في بعضها الآخر لبعض الشخصيات السودانية مثل عثمان دقنة والزبير باشا رحمة. وقد ترجمنا من قبل بعض فصول هذا الكتاب، ومقتطفات من بعض كتب ومقالات مختلفة لهذا الإداري الكاتب.
المترجم
******  ********   *********
القَرَابِين: كم من هذه القَرَابِين ظلت تعني الكثير للناس عبر الأزمان! وتقدم القَرَابِين لأسباب شديدة الاختلاف، مصحوبة بطقوس متنوعة. إلا أن تقديم القَرَابِين يشتمل في الغالب على قتل إنسان أو حيوان، من خلال إراقة دراماتيكيّة للدماء في كثير من الأحيان. ومنذ أزمان سحيقة سعى الإنسان لتفادي غضب آلهة ذات طبع متقلب، واسترضاء أرواح خبيثة مؤذية بتقديمه لها تلك القَرَابِين.
وتُقدم في مختلف مناطق السودان القَرَابِين الملائمة في كل مناسبة يمكن تخيلها. وعندهم لكل مرحلة مهمة في حياة الإنسان على الأرض (مثل الميلاد والختان والزواج والدفن) أو أحداث الحياة المجتمعية (مثل إعادة بناء القرية، أو إعلان الحرب، أو عقد اجتماعات الصلح بين المتحاربين) قرابينها وطقوسها الخاصة.
لقد كان يُعْتَقَدُ أن الآلهة والأرواح تبدي سُخطها من الإنسان بإيقاع المصائب عليه بطرق عديدة. وكانت كل الظواهر الطبيعية تُفَسَّرُ على ضوء ذلك الاعتقاد. وكانت كثير من الكوارث مثل تفشي الأمراض الوبائية في البشر والحيوانات، أو العواصف والصواعق التي تدمر البيوت والأشجار تُنْسَبُ لذلك السُخط، الذي يتطلب رفعه أو تخفيفه التقديم الفوري للقَرَابِين. وكان موسما بَذْر البذور وحصاد المحصول بالطبع من أهم أوقات تقديم القَرَابِين. وكانت تقدم قرابين خاصة لضمان فيضان النيل، وجلب الخصوبة، ولاستجلاب (إنزال) المطر (1).
وكان من الطبيعي في بلاد تعتمد فيها حياة الناس على فيضان النيل أو هطول أمطار غزيرة أن تُقدم بكثرة مثل تلك القَرَابِين لإطفاء نيران غضب الآلهة عند تأخر أو انقطاع المطر، أو عند انحسار منسوب مياه النيل. وكان من الطبيعي أيضا أن يؤمن السوداني الجنوبي بإله السماء، إذ أن الأمطار تهطل من السماء لتجلب لهم النماء والازدهار، بل الحياة نفسها، لهم ولأبقارهم. ومن السماوات تأتيهم أيضا الصواعق التي تحمل معها في كثير من الأحايين الموت والكوارث لهم ولأنعامهم. لذا كانوا يقدمون القرابين عندما يزداد البرق ويغدو أكثر وضوحا ولمعانا، أو عندما يشتد دوي الرعد ويصبح أكثر إرعابا من المعتاد. ولضمان عدم الإصابة بالصواعق أثناء العواصف الرعدية، كانوا يزيلون من أجسادهم الأساور وكل الحلي اللامعة التي قد تثير حسد وغيرة الآلهة. وعند اشتداد العواصف الرعدية كان الشلك يجلسون – عندما يكون ذلك ممكنا – في الجهة الشمالية من مدخل قطاطيهم. وعند سماعي لتلك العادات لأول مرة تذكرت أن ممرضتي حذرتني قبل سنوات عديدة ألا أجلس بين النافذة والمدفأة في غُضون العاصفة الرعدية، وأن أغطي المرآة إن كان هنالك أحد معي بالغرفة. من الغريب أن نتفكر في أننا – نحن المتحضرون، إلى حد ما، في شمال ديفون – نتشارك مع الجنوبيين السودانيين غير المتحضرين في بعض الخرافات، وهم على بعد آلاف الأميال!
عندما كنت في ود مدني عام 1917م تأخر هطول الأمطار والفيضان، فقرر الدينكا بالمدينة تقديم قربان لجلب المطر والفيضان. غرز كبيرهم حربة حديدية في الأرض وجلسوا حولها متجهين بأبصارهم ناحية الشرق. وأتوا بثور وقيدوا أرجله مع بعضها، ثم شرعوا في ضرب الطبول والغناء، والسير في موكب إلى النهر. هنالك ذبحوا ثورهم قربانا لأرواح النهر كي تتغذى عليها، ورموا في جوفه أيضا بعض السمن والذرة والسمسم ومنتجات زراعية أخرى بينما كانوا يترنمون بصيحات يقولون فيها “دينق ديت Deng Dit، يا إلهنا العظيم”. وبعد ذلك عاد الجمع إلى حيث كانت الحربة، وحرصوا على ألَا يَلْتَفِتْ مِنْهمْ أَحَدٌ خشية ألا تتقَبَّلَ روح المياه (المقدسة) قرابينهم (2).
وفي هذا الأوقات الأكثر حضارة يُقدم للنيل أحد الحيوانات كقربان. أما في أزمان سالفة فقد كان القربان هو فتاة صغيرة (3). ولا يُعْرَفُ على وجه الدقة الأفكار التي كانت خلف اختيار فتاة كقربان. فالبعض يعتقد أن الفتاة كانت متزوجة من “الروح المقدسة للمياه”، وأن الفيضان هو ثمرة ذلك الزواج. بينما يرى آخرون أن النهر كان يطالب بقبض روح شخص كل عام، كما هو الحال إلى وقت قريب مع سكان ديفون الذين يعيشون بالقرب من نهر دارت (Dart).
وفي مصر إبان عهد ازدهارها الأكبر، كانت تقدم للنيل بالقرب من القاهرة فتاة، قربانا له كل عام عند بلوغ منسوب النيل مستوىً معين (4). ولا يزال يُقدم إلى الآن شكل رمزي لذلك القربان السنوي. ويُلْقَى ذلك الرمز (إما دمية عروس مصنوعة من القش أو عامود طيني) في النيل ليجرفه بعيدا في احتفال رسمي سنوي يقام بين الأسبوعين الأول والثالث من أغسطس.
أما في السودان، فقد استمرت عادة إلقاء فتاة صغيرة في النيل كقربان حتى وقت قريب. فخلال سنوات حكم سلطنة الفونج لكل السودان (منذ بداية عام القرن السادس عشر إلى حين سقطت بعد هزيمة جيش إسماعيل لها في عام 1821م) كانت تٌقدم سنويا صبية صغيرة كقربان لـ “إله النهر River God” في النيل الأزرق، بمنطقة “جبل الدالي”. لا أعلم إن كانت تلك العادة قد استمرت بعد ذلك أم لا. ولكني أذكر أنه ذات أحد الأعوام التي عملت فيها بمديرية النيل الأزرق تم العثور على جثتي بنتين صغيرتين جَرَفَتِهما مياه النهر إلى نواحي الروصيرص. وكانت هنالك دلائل على أنهما لقيتا موتا عنيفا. وكان هنالك كثيرون في ود مدني على اقتناع تام بأنهما ألقيتا في النهر كقربانين من أجل زيادة منسوب النيل.
وكانت هنالك أشكال أخرى من أشكال القرابين ترتبط بما تعتقده بعض القبائل مثل الشلك والأنواك من أن ملوكها “أشباه آلهة”، ووسطاء بينهم وبين الآلهة، وأنهم ينطقون باسمهم معبرين عن آمالهم وتطلعاتهم. وصار الملك عندهم يعني سعادة ورفاه شعبه، وأنعامه كذلك. لذا فقد كان يقومون بقتل زعيمهم إن طعَن في السنِّ وأصابه الخَرَف حتى لا يصيب الوهن أفراد شعبه وبهائمهم. ويبقى الملك عند الشلك محتجزا في كوخه مع اثنتين من العَذْراوات صغيرات السن، ويُسَدُّ باب الكوخ عليهم ويتركوا إلى أن يموتوا. وظلت تلك العادة ممارسةً لنحو 150 عاما مضت، عندما كان الملك يتحمل تلك القسوة، إلى أن نادي ملك من مقبرته من هم في الخارج ألا يقتلوا بعد الآن من سيخلفونه في الملك بتلك الطريقة.
وعند بعض القبائل (الجنوبية) الأخرى يقوم “جالب / صانع المطر rain maker” الذي يشعر بتناقص قدراته على جلب المطر، وأن وقت حِمامه قد دنا، باستدعاء أولاده ويسر إليهم بوصاياه الأخيرة. ويظل الرجل التعيس ينطق بوصاياه الأخيرة بينما يَجِد رجال قبيلته في دفنه حيا، إلى أن يموت اختناقا من التراب الذي يهال على جسده.
وتقدم القرابين البشرية بعد موت أولئك الزعماء، ربما لأن بعضهم كان من المفترض أن لهم صلة بآلهتهم، أملا في أن يؤمن ذلك لأولئك الزعماء عبورا مريحا ورفقة طيبة في رحلتهم من قبورهم إلى الحياة الأخرى. ليس ذلك فحسب، ولكن أملا أيضا في أن يدعوا ويشفع لهم ملوكهم عند ربهم. وكانت مثل تلك القرابين البشرية تُقدم في أماكن بعيدة عن بعضها البعض مثل أوغندا وبكين والمكسيك، إضافة للسودان ومصر. وعندما عملت لفترة قصيرة في مروي (ليست مروي الواقعة جنوب نهر أتبرا) كنت أتمشى مع زوجتي ونطوف معا حول مقابر الملوك والملكات وجدت أنه من الصعوبة علي أن أصدق أنه تحت أَدِيم تلك الأرض التي كنا نَطَأَها مئات البشر الذين دفنوا في أزمان سالفة وهم أحياء، ليرافقوا ويحرسوا ملوكهم الموتى في طريقهم المظلم للعالم الآخر. وفي أنبيو – أمنمحات Inebuw- Amenemhat  (كرمة الحديثة) على الحدود بين مديريتي حلفا ودنقلا كانوا يدفنون حكامهم مع زوجاتهم وخدمهم وكل ما بيوتهم، مع عسل وزيت وسيوف وخناجر – أي كل ما سيحتاجه الميت في حياته الجديدة. وكانت هناك في أحد ممرات المقبرة هياكل عظيمة لـ 350 من الذكور والإناث، ودُفِنَ مع كل فرد منهم القليل من مقتنياته الشخصية. وتوجد في جنوب السودان مثل تلك القرابين، ولكننا لا نعلم شيئا عن الأزمان التي قُدمت فيها. غير أن سير صمويل بيكر سجل لنا (في كتابه Ismailia الإسماعيلية، ص 205) ما كتبه “ابن بطوطة” في عام 1346م: “ولكن أحد الثقات أخبرني وأنا بالسودان أن بعض الكفار في تلك البلاد يقيمون عند موت ملكهم قبوا يوضع فيه جثمانه مع عدد محدد من جثامين رجال حاشيته وخدمه. ويُفعل ذات الشيء مع ثلاثين آخرين وأولاد وبنات علية القوم في البلاد. وتُكْسَرُ أولا سواعد أولئك الرجال وأرجلهم تحت الركب، وتوضع معهم أكواب للشرب”.  وكنت قد ذكرت في صفحة 196 من كتابي المعنون “أيام وعادات السودان Sudan Days and Ways” أن تلك العادة بقيت عند الزاندي حتى مقدم البريطانيين.
وكان الناس في بعض مناطق جنوب السودان يعتقدون أن اِحمِرار القمر يعني أن به دما ـ وهذا أمر (جلل) يستلزم ذبح ثور قربانا. وفي أقصي الشمال، في منطقة تلال البحر الأحمر يقوم الناس بذبح معزة عند فوهة أي بئر جديدة ليقطر الدم في داخلها، وذلك من أن أجل ضمان كمية وافرة من المياه فيها.
لطالما كنت أفكر فيما إذا كانت لعادة ذبح ثور أو خروف عند استقبال مفتش أو حاكم جديد في أطراف قرية ما علاقة بالطقوس القديمة. فقد كان علينا أن نقفز ثلاث مرات فوق الذبيحة قبل أن نمضي في طريقنا. وأتمنى ألا يكون ذلك القربان قد قُدم لاسترضائي أو لتحاشي ثورة غضبي. وربما كان هنالك سبب آخر لذبح ذلك الحيوان أمام العامة في مثل تلك المناسبات، وهو أن الناس ربما كانوا يودون أن يتأكدوا من أن مقدمنا سيجلب لهم الحظ السعيد والفأل الحسن. ويا لحظ المفتش السعيد الذي يصادف نقله لمنطقة جديدة ما هطول أمطار غزيرة أو فيضان للنهر فيها! ويقول العُجُز عن ذلك المفتش أن “رجلو (كراعو) لينة”، مثلما نقول نحن عندما نثني على عامل الحديقة (الجنايني) المجيد بأنه “صاحب أصابع خضراء”. وقد لا تكون تلك سوى عادة العرب التليدة في الاعتقاد بـ “كرامة” من الكرامات التي يقرها الإسلام، وهي شائعة في شمال السودان. وكتب دبليو. بوند (W. Bond) عام 1919م في العدد الأول من المجلد الثاني لمجلة “السودان في رسائل ومدونات” عن الكرامة ما يلي: “ربما يكون هنالك شعور بأن نيل نصيب من اللحم (المشترك، الذي يوزع للكل “على الشيوع”) يجعل الضيف والمضيف يصيران “لحما بشريا واحدا”، وأنهما يرتبطان ببعضهما البعض بروابط القواسم والاهتمامات المشتركة”.
ويمارس صيادو الحيوانات والأسماك والمسافرون والزراع طقوسهم المعتادة (قبل الشروع في أعمالهم. المترجم) من أجل اكتساب حماية غير طبيعية / خارقة تضمن لهم الفلاح في عملهم. وعندما يقوم النوير الذين يعيشون في مناطق السافانا (السهل العشبي المنبسط) والمستنقعات بين نهر البيبور وبحر الجبل بالسير بأبقارهم عبر نُهَير تكثر في التماسيح يستدعون أحد الذين يتخذون التمساح طوطما (رمزا مقدسا) ليلقي في النُهَير خروفا ويخاطب التمساح قائلا: ” يا أيها الذي ندعوه جَدّنا… تقبل منا هذا الخروف قربانا، ولا تأخذ واحدا من أبنائنا ولا من حيواناتهم عند عبورهم للنُهَير، ولكن دعنا في أمان وسلام!”
وقيل إن تلك الفصائل من القبائل التي تتخذ من التمساح رمزا مقدسا لها كانوا يدخلون النُهَيرات المليئة بالتماسيح دون أن يصيبهم أي أذى. ولا يعرف السر في هذا إلى الآن. وربما يكون لبعض جذور النباتات (تُسمى عروق) التي يستخدمها أولئك الناس علاقة بتلك الحماية، إذ أن الواحد منهم يستطيع – بعد أن يعالج نفسه بتلك العروق – أن يصطاد تمساحا كبيرا. وحاول الكثيرون منا شراء سر تلك العروق ولكن أخفقنا في ذلك. وفعالية تلك العروق في بعض الأحايين من الأمور التي لا جدال حولها. فقد رأيت بأم عيني أحد خدمي وبيده جزء صغير من جذر نبات وهو يلتقط العقارب ويدعها تزحف إلى أعلى ذراعه.
ويكفي ما سبق ذكره لبيان أن تقديم القرابين من أجل الحصول على الازدهار، ولتحاشي الكوارث، هو جزء من حياة الكثير من القبائل في السودان، تماما مثل إنجاب الأطفال أو زراعة محاصيل الغذاء. ولم تكن الحكومة تَلْق بالا لكثير من تلك القرابين، غير أن القليل منها كان ينذر بالخطر، وربما كان بالفعل مقدمة لحرب، كما سنرى في الحادثة التي سأروي حكايتها الآن.
*********    ********           ********
بعد أن عدت من مأموريتي التفتيشية الثانية في مناطق النوير، كتبت للنقيب فير فيرقسون Vere Fergusson  (المعروف بـ  فيرقي بيه) لأناقش معه بعض المشاكل التي واجهتني في تعاملاتي مع أولئك الناس، إذ أنه كثيرا ما واجه مثل تلك المشاكل رغم أنه كان على بعد 200 أو 300 ميلا مني.
ينفق بعض الناس الكثير من الوقت والتفكير والمال في البحث عن مغامرة، بينما يجدها الآخرون حاضرة أمامهم دون أي عناء. وينتمي فيرقي إلى تلك الطائفة الأخيرة. وكثيرا ما كانت الحيوانات المتوحشة والثعابين تنغص عليه حياته وتضاعف من خطورتها. وذات مرة كان يبحث في صندوق صفيح عن قميص نظيف يلبسه، فوجد فيه أفْعَى نافِخَة تلتف حول ملابسه. وفي مرة أخرى نجا في آخر لحظة من أسد كان سيفتك به. كان فيرقي قد نزل من باخرته ليصطاد أسدا شاهده من بعيد وهو على سطح الباخرة الأعلى. وسار الرجل في وسط رُقعة بها أعشاب طولها 10 أقدام حتى وجد نفسه فجأة، وعلى غير توقع، في مساحة خالية من الأعشاب أَلفَى فيها ذلك الأسد في انتظاره. أطلق عليه فيرقي النار، غير أن حظه العاثر شاء أن تنطلق أنبوبتي بندقيته الثقيلة في وقت واحد. وهرب حامل بندقيته الثانية وتركه وحيدا وعديم الحيلة. ولحسن حظه دفعت به إلى الخلف صدمة انطلاق الأنبوبين في ذات الوقت، وهذا مما جعل الأسد يخطئه عندما قفز عليه. وعاد الأسد بسرعة مرة أخري يشَمَّم جسد فيرقي الملقي على الأرض، والذي لم يكن يقدر حتى على التنفس. ربما ظن الأسد أن الرجل قد مات، فبعد عنه لبعض الياردات وجلس يراقبه لبعض الوقت، ثم أنصرف عنه وتركه حرا ليعود لباخرته بهلع وحذر بالغين.
وبعد شهرين من تلك المواجهة مع الأسد، وجد فيرقسون نفسه في مواجهة جديدة، ولكن مع فيل متحرك هذه المرة. كان يصطاد في منطقة مليئة بالأعشاب الطويلة عندما زلت قدمه وتعثر وسقط على الأرض تحت قدمي فيل قادم. داسه الفيل ومضى في طريقه دون أن يستدير ليسفد جسد فيرقسون بنابه، ودون أن يَبْرُك عليه. وبذا نجا الرجل دون كبير أذى، إلا من بعض الكدمات المبرحة.
وصادف فيرقسون مخاطر أعظم مع رجال القبائل المعاندة المنفلتة. ففي أول ثلاث سنوات ونصف قضاها في السودان، كان قد شارك في سبع حملات عسكرية – وهذا مؤشر أكيد على شيوع التمرد في أوساط السكان آنذاك. وذات مرة كان فيرقسون يقف مع بعض الضباط البريطانيين الآخرين ينظرون من خلال مناظيرهم المكبرة إلى تجمع لرجال النوير يبدو أنه يحمل نوايا عدوانية عندما تأكدت شكوكهم عندما مرت طلقة نارية من بينهم. وقتلت تلك الطلقة رجل شرطة من الأهالي كان يقف على بعد ياردة واحدة خلفهم.
وظل فيرقي يواجه العديد من المواقف الصعبة، ودخل في مغامرات أخرى حتى قتله النوير يوم 14 ديسمبر 1927م. غير أني أعتقد أنه لم يكن أقرب للموت أكثر من ذلك اليوم في عام 1921م عندما ظهرت أمامه فجأة بحيرة في خور ليت (Lait) في منطقة الدينكا. واعتبر هؤلاء في مناطق واسعة تمتد أميالا أن تلك الحادثة هي معجزة أنزلها إلههم (واسمه نياليك Nhialic) بعد أن نزل إلى الأرض وأظهر وجوده (5).
ووقعت حادثة مشابهة في منطقة الزاندي في غضون سنوات المهدية، أعقبتها انتفاضة عامة أفضت لطرد الدراويش من أرضهم (6).
لقد كان الدينكا، مثلهم مثل النوير الذين يشاركونهم في كثير من الخصال، مصدر خطر عظيم على الحكومة. ويعتمد اقتصاد القبيلتين الاجتماعي على الأبقار، وهم مغرمون بالهجوم على الجيران، ويبغضون أي نوع من السلطة عليهما. وقبل عامين من وقوع الحادثة التي سأرويها الآن، تحدى فرع الدينكا العالياب سلطة الحكومة، فأرسلت للتعامل معهم حملة عسكرية مكونة من أربع سرايا من فيلق أعالي النيل. وهاجم ما يزيد على الألف رجل من رجال الدينكا المختبئين في وسط الأعشاب الطويلة تلك السرايا بحرابهم، وقتلوا الرائد استيقاند Stigand مدير مديرية منقلا، الذي كان يرافق الحملة بحسبانه المسؤول السياسي في المديرية، والرائد وايت White القائد الآمر للحملة، وضابط سوداني واحد و24 من الجنود، وجرحوا 32 رجلا.
كانت تلك حملة واحدة فقط من حملات مسلحة عديدة شنتها الحكومة ضد الدينكا. وكان باشمفتش المنطقة كثيرا ما يقوم – في رفقة عدد قليل من رجال الشرطة – بدورية لإحلال النظام، ومعاقبة من يخلون بالأمن.
كانت تلك هي صفات الرجال الذي كان على فيرقسون التعامل معهم في حادثة “البحيرة المقدسة”.
ظهرت تلك البحيرة في مارس، غير أن أهميتها الكاملة لم تدرك حينها. وظل آلاف من الأهالي يزورونها. واقتنص رجلان منهم، كان أحدهم هو أحد الزعماء المعادين للحكومة واسمه آتار أوال (Attar Awal)، وثانيهم هو زعيم آخر اسمه ديو الام (Dio Alam) كانت له ضَغِينَة مع فيرقسون، الفرصة لاستغلال الموقف لإضعاف هيبة فيرقسون، وفي ذات الوقت زيادة نفوذهما وهيبتهما في نظر رجال القبيلة. وأعلن أوال أنه أفلح في الوصول لقاع البحيرة وقضى فيها عدة أيام في تواصل روحي مع الإله نياليك. وأضاف قائلا: “إن الإله نياليك أخبرني بأن الوقت قد حان لطرد الرجل الأبيض من بلادنا. ستصلكم مني قريبا إشارة بذلك. وعلى كل من يود مراهنتي علي حدوث ذلك أن يقدم خروفا أو مِعزاة قربانا لإله البحيرة. فإن تقبلها فسوف تختفي تحت الماء”. وبالفعل نفذ الكثير من الدينكا ما أمر به زعيمهم، وتم قبول قرابينهم. إلا أن السر في ذلك لم يُعْرَفُ إلا لاحقا.
وفي ذلك الأثناء وصلت لفيرقسون العديد من التقارير عن تقبل تلك القرابين، وتزايدت الشائعات عن أن الدينكا ينون مهاجمة الحكومة.  وازداد الأمر خطورة مع مرور الأيام، مما دعا فيرقسون ليقرر في أكتوبر أن الوقت قد حان ليقوم بزيارة لتلك البحيرة بنفسه ليرى ما تنذر به تلك القرابين، وأن يسعى لمنع وقوع اشتباكات يبدو أن احتمال اشتعال فتيلها يزداد كل ساعة.
وذهب فيرقسون في صحبة اثنين أو ثلاثة من رجال الشرطة ووجد أن البحيرة تبدو كرَقِيقَة ماء شيطانية الشكل في سهل مسطح به مستنقعات. كان محيطها يبلغ نحو 1,000 ياردة، وعمقها في المنتصف نحو ثمانية أقدام.
لا بد أنه كان مشهدا مثيرا حين واجه فيرقي مع اثنين أو ثلاثة من رجال الشرطة مئات من رجال الدينكا العراة وهم في حالة هياج مُسْتَعِر. وقف المحاربون بأجسامهم الهزيلة الممسوحة بصورة بشعة برماد أبيض من حرائق روث البقر، وبشعرهم المصبوغ بلون أصفر مشوب بحمرة وهو يتموج بجَمُوح مع الرياح، أو الملطخ ببول البقر أو روثها السائل، وكل واحد منهم يحمل درقة وحربة مصنوعة من عظمة ساق زرافة أو قرن ظبي أو ثور وحشي (لا يكتم كُتَّاب تلك الأجيال من الغربيين الذين عملوا في المستعمرات عدم احترامهم للثقافات والعادات المحلية! المترجم).
تقدم الرجل الأبيض الوحيد القصير القامة، مقارنة مع رجال الدينكا فارعي القامة، نحو ذلك الجمع الهائج وتحداهم أن يعصوا أمره. خاطبهم قائلا: “يا أيها الناس. لقد خدعكم الأوغاد من أمثال آتار أوال وديو الام.  يريدان أن يقوداكم إلى حرب خاسرة. اُقْتُلْوني إن أردتم. ولكن تذكروا أن أعدادا لاَ قِبَلَ لكم بها من الرجال البيض وجنودهم سيأتون اليكم وينتقموا لمقتلي، وسيقتلون منكم أعدادا كبيرة. لقد أخبراكما بأن الإله نياليك قد قرر أن الوقت قد حان لأن تخرجوا الرجل الأبيض من بلادكم. هذا كذب. إن إله الرجل الأبيض وإله الدينكا هما نفس الإله. ولأثبت لكم ذلك، سأقوم أنا بتقديم قربان لنياليك”.
ران سكون مصيري، بينما مضى المحاربون يخمنون نوع الميتة التي سيلقاها هذا الغريب المتهور على يد الإله نياليك. خاض فيرقسون في وسط القصب والأعشاب في المنطقة الضحلة على شاطئ البحيرة حتى بلغ لوسط ماء البحيرة حيث سيقدم قربانه. غَطَّسَ فيرقسون خروفا تحت الماء، غير أن الخروف عاد تقريبا مباشرة لسطح الماء. وتكرر ذلك المشهد ثلاث مرات. وعوضا عن اختفاء ذلك الخروف تحت الماء، اختفى فيرقسون أيضا. وكان السبب هو أن ديو الام جعل فيرقسون يتعثر ودفع به تحت الماء. وساد بين رجال الدينكا الباركين حول البحيرة صمت منذر بالسوء، وهم يظنون أن إلههم لم يتقبل قربان الرجل الأبيض.
عاد فيرقسون مهزوما. وكانت حياته وحياة آخرين تعتمد على ما سيحدث في الدقائق القليلة القادمة. فلو قُتِلَ، فسوف يثور 10,000 محارب مسلح ضد الحكومة. وتقدم زعيم من زعماء الدينكا اسمه ادنولكواي Adnolquay وكان صديقا للحكومة، وقال بأنه على الرغم من أن قربان الرجل الأبيض لم يتقبل، إلا أن ذلك كان بسبب أن الشمس كانت شديدة الحرارة حينما قدم قربانه، ولو قُدم ذلك القربان في المساء فإن نياليك سيقبله. وأضاف قائلا: “ألا ترون أن نياليك لا يحمل ضغينة ضد الرجل الأبيض، وإلا لما سمح له أن يغادر البحيرة حيا؟”
لم تترك تلك الخطبة أثرا كبيرا عند رجال الدينكا. وبدا أنهم صاروا أكثر عدوانية من ذي قبل. خاطبهم فيرقسون مرة أخرى وقال لهم بأنه سيقدم خروفا آخر كقربان للإله نياليك مع مغيب الشمس، وقال لهم أيضا: “إن كان نياليك ليس إلهي كما هو إلهكم، فلم لم يأخذني قربانا عوضا عن الخروف؟”. وعند سماع الدينكا لما قاله فيرقسون بدأ اعتقادهم في عداوة نياليك للرجل الأبيض في الاهتزاز، وتسألوا عن كيفية نجاة فيرقسون حيا. قرورا أخيرا الانتظار حتى مغيب الشمس ليروا ما سيحدث قبل أن يدخلوا في حرب.
وقضى فيرقسون الساعات القليلة المتبقية له قبل أن يدخل مرة أخرى للبحيرة في الحديث مع بعض زعماء الدينكا المخلصين للحكومة وعلم منهم أن بجزء من البحيرة سطح “مفروش” بالحشائش والقصب لا يُرَى من الشاطئ. وعندما حان وقت نزول فيرقسون أخذ معه كبشا له قرون وغَطَّسَهُ في الماءِ، حيث تعلق قرناه بالحشائش والقصب فثبت في مكانه غير قادر على الخروج من الماء. وظل القربان تحت الماء لدقائق. وهنا آمن الدينكا النظارة بأن نياليك قد تقبل قربان فيرقسون، وأصابهم الذهول من ذلك. كانوا قد أتوا وهم على كامل الاقتناع بما قيل لهم عن وعد نياليك لهم بقتل الباشمفتش والهجوم على الحكومة. أما الآن فقد اهتزت ثقتهم في الإيمان بإلههم. لقد هجرهم نياليك وخذلهم ولا يريد عونا منهم.
لا يمكن إنكار أن فيرقسون كان محظوظا جدا لنجاته من موت محقق. لقد قبل بشجاعة نادرة في تحدي “روح المياه المقدسة”. وتتطلب الأمر مخاطرة عظيمة. وكان يمكن له أن يتحاشى تلك المغامرة لو كان يعلم شيئا أكثر عن عادات الناس في تلك المنطقة. غير أنه يجب القول بأننا كلنا كنا نسير بخطوات صغيرة في تعلم حتى القليل من تلك العادات. ولو قُدر لفيرقسون أن يعلم أن الدينكا كانوا يقومون، قبل الدخول في تلك البحيرة لتقديم معزة كقربان للإله، بدفعها تحت الأعشاب المائية قرب الشاطئ، لقام باختيار نقطة قريبة من الشاطئ عوضا عن الخوض إلى حيث المياه المكشوفة. ولكن، نسبة للنصيحة التي تلقاها من بعض زعماء الدينكا من أصدقاء الحكومة، انتهت مغامرته على خير، بل صارت تلك الحادثة مصدرا للفرح. وشرع الدينكا في الرقص والغناء حتى هطلت الأمطار (التي كانت قد تأخرت كثيرا) بغزارة مما أضطرهم للتوقف. وكان هطول تلك الأمطار بعد طول انتظار سببا آخرا للاعتقاد بأن هطولها هو دليل آخر على أن قربان الرجل الأبيض قد تقبل لدرجة أنه جلب المطر إلى الأرض العطشى.
آب الدينكا بسلام إلى قراهم، وتركوا – لأول مرة في عدة شهور – تلك البحيرة المقدسة تنعم ببعض الصمت.
*********    ********     ********
إحالات مرجعية
(1) انظر المقال المترجم بعنوان “احتفاليَّة السِّبِر بالدلنج” في الرابط: https://sudanile.com/archives/100229
(2) هي نوع من المخلوقات الخارقة المعروفة في الفولكلور بالعديد من الثقافات. https://bit.ly/36w0PJL
(3) للمزيد عن قرابين النيل يمكن النظر في هذا المقال: https://bit.ly/3yTQWSk
(4) نُشر في موقع بي بي سي العربية مقال بعنوان: “النيل: كيف كان المصريون يقدسون النيل الخالد” بقلم جمال وائل. https://www.bbc.com/arabic/art-and-culture-50072032
(5) للمزيد عن عقيدة الدينكا يمكن النظر فيما ورد هنا: http://www.cwestt.com/encyc/Dinka_religion
(6) ورد في موسوعة الويكيبديا ما نصه:” أما النيام نيام (الزاندي) فقد ثاروا عام 1903 بقيادة السلطان ريكتا ابن سلطان يامبيو وهاجموا فصيلا من الجيش. وقتل السلطان نفسه في عام 1905 إثر هزيمته من الحكومة. وألقي القبض على ابن السلطان في 1914 وأبعد إلى الخرطوم حيث توفي عام 1916″. https://bit.ly/36JUFpb
alibadreldin@hotmail.com

أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!