سد النهضة .. للمرة الثانية والثالثة !! .. بقلم: محمد جلال أحمد هاشم/جوبا


18 يوليو 2021م

طالعتنا الأسافير بكلام كتبه عن فوائد سد النهضة شخص عرّف نفسه باسم عمر مصطفى عمر وهو مهندس ري سابق بوزارة الري وحاصل على ماجستير في هندسة الري من هولندا. بكل احترام له ولشهاداته، إلا أن ما قاله كلام من المؤسف أن يصدر من شخص يصف نفسه بأنه خبير ومتخصص في السدود، هذا حتى لو زعم بأنه خبير الخبراء في السدود. هو في البدء يعرّض بقطاع كبير من الذين كتبوا ضد السد، واصفا لهم بعدم التخصصية. إلا أن ذات الكلام والحجج ضد سد النهضة لم يقله أناس غير متخصصين فقط، بل قاله علماء متخصصون قد يكونوا أحسن منه علما وخبرةً ويعتبروا خبراء على مستوى العالم، أمثال يحيي عبد المجيد وكمال علي (وكلاهما كانا وزيري ري سابقين) وآخرين كثر. بجانب هذا فإن معلوماته غير دقيقة وتشتمل على أحكام مرسلة وغير مقيدة بأي أدلة. وهذه مشكلة واجهتنا أكثر من مرة في الذين يبرزون في هذا الشأن بوصفهم خبراء متخصصين. فكلامهم دائما يأتي مقتضبا ومعمما ومشتملا على أحكام مرسلة، دون تقييدها بأي أدلة. من ذلك، مثلا، مساحات الري الفيضي وزعمه بأنها 100 ألف فدان سوف تنقص إلى 50 ألف فدان. فالمساحة الحقيقية، بناءً على المسح الذي قام به فريق بحثي من جامعة كامبردج، في أقل تقديراتها، تبلغ 600 ألف فدان تعتبر من أخصب الأراضي على مستوى العالم، وفي أعلاها تبلغ مليون فدان سوف يخسرها السودان بلا تعويض.
ثم هذا الخبير نفسه أكد أن مكمن الخطورة هو انهيار السد، ولم يورد أي معلومة تشير إلى عدم احتمال حدوث الانهيار. فهو يقول “… فما شايف في خطر حقيقي للانهيار لو التنفيذ تم فيهو تعديل بتعميق الأساسات ودا حيمنع أو يقلل خطر الانزلاق”. والسؤال هو: هل تم هذا؟ وهل يمكنه تأكيده؟ طبعا لا! لأن هذا (في ظل التكتم الإثيوبي) ربنا لم يتم في التصميم الأساسي، فكيف سيتم في التنفيذ؟ والدليل على ذلك قوله “وهذا ما قد قيل”! يعني مجرد “جر هوا” ليس إلا. فهو يبرز لنا هنا بوصفه رجلا حسن النية، كل ما يعتمد عليه هو القواعد الواجب مراعاتُها في بناء السدود، دون أن يطرح أي معلومة مؤكدة أن هذه القواعد قد تمت مراعاتُها فعلا في تصميم وتنفيذ سد النهضة.
ترى ماذا يقول هذا الخبير في الدراسة التي أجراها مكتب استصلاح الأراضي الأمريكي US Land Reclamation Bureau في عام 1964م عن هذه المنطقة بالتحديد وكيف أنها لا تصلح لإقامة السدود نسبةً لهشاشة الطبقات الدنيا من الأرض، وإذا كان لا بد من سد، فعندها ينبغي ألا تزيد سعتُه التخزينية عن معدل 10 مليون إلى 12 مليون متر مكعب؟ ماذا يقول عن هذه الدراسة التي استشهد بها كلٌّ من يحيي عبد المجيد وكمال علي وآخرون؟ هل تمت دراسات حديثة ناقضت النتائج التي خلصت إليها تلك الدراسة؟ إذا حدث هذا فعلا، فهلا تكرم خبيرُنا الدولي هذا وبذلها لنا؟ فالواضح من كلامه أعلاه هو تجاهله لهذه الدراسة أو جهله بها. ثم ماذا يقول عن اتفاقية 1902م بين حكومة السودان وإثيوبيا ممثلة في منليك الثاني، وهي الاتفاقية التي بمقتضاها تم اقتطاع إقليم بني شنقول من السودان وضمه إلى إثيوبيا وأثر هذه الاتفاقية على ترسيم الحدود بين البلدين والاشتراطات المتعلقة بسياسات المياه؟
أخيرا وليس آخرا، هناك آثار سلبية كثيرة في سد النهضة تقف خصما على السودان أشارت لها لجنة الخبراء الثلاثية التي كونتها الدول الثلاث، لكن هذا الخبير مرة أخرى تجاهلها أو هو يجهلها، منها توقف صناعة الطوب الأحمر على طول النيل الأزرق ونهر النيل الكبير، وهذه خسارة بلا أي تعويض، بجانب كونها صناعة متجددة. من الآن فصاعدا سوف نعتمد على مصادر طينية غير متجددة، جانبا عن الخسارة التي ستتعرض لها القطاعات الاجتماعية التي تعتمد في معاشها على هذه الصناعة. ويكشف موقفه هذا عن قدر كبير من الخلل والانطلاق الذي يسم تفكير نخبة الأفندية الذين لا يشعرون بمعاناة القطاعات المستضعفة من المجتمع. وكذلك، تقليله من أهمية ارتفاع درجة الملوحة salinity في المياه، ولنا في السد العالي تجربة ماثلة، حيث خرجت مصر من الزراعة العضوية وبذلك أصبحت خارج سوق الخضروات والفاكهة عالميا. وكذلك ازدياد درجة تجريف التربة جراء ارتفاع نسبة الملوحة في مياه النيل. ثم هناك برنامج التشغيل وقضايا أخرى كثيرة تجاهلها الخبير أو أنه يجهلها … إلخ.
هأنذا رجل متخصص في اللسانيات Linguistics وقد ألفتُ كتابا عن السدود في السودان، ثم هأنذا أورد هذه المعلومات استقاءً لها من مصادرها ومظانّها. وعليه، ليس من المقبول تعريضه بالذين تناولوا قضية هذا السد عبر وصفه لهم بغير المختصين. فالمهم هو المعلومات التي يستندون عليها وإذا ما كانت علمية أم غير علمية. ثم كيف ولماذا يسوّد غير المتخصصين الكتب في السدود؟ أقصرُ الإجابات هي أنهم فعلوا هذا عندما التزم المتخصصون الصمت، وإذا تكلموا، استهزأوا بمن كتبوا، ثم لا يشفون غليلا بكتاباتهم المبتسرة، العامرة بالتطفيف. وكما أشرت، بوصفي أحد الذين كتبوا عن قضايا السدود، ومن ضمنها سد النهضة، فقد كانت كتابات العلماء المختصين هي المصدر الأساسي لما قلناه. وإذا كان خبيرُنا يشك في هذاا، فدونه ما كتبناه وليقم بتفنيده.
ثم ماذا تُراه قائلا بخصوص المناقشات الحامية والمتصاعدة بين علماء توليد الطاقة، خاصةً المتعلقة منها بعدم جدوى توليد الطاقة عبر السدود الكبيرة؟ وماذا تُراه قائلا بخصوص النقاشات العلمية التي أثارتها دراسة الفريق البحثي التابع لجامعة أوكسفورد التي خلصت، بعد رصد ودراسة عدد كبير من السدود لفترات طويلة بأن السدود لا تعطينا طاقة نظيفة كما كان يظنُّ بها؟
عموما، كلامه هذا أشبه بكلام وزير الري الذي شنَّف آذاننا بمدحه لسد النهضة وفوائد السد للسودان، ثم جاء
بأُخرةٍ وهو “يخرخر” ، متهما الإثيوبيين بعدم التعاون وكيف أنهم يرفضون إشراك السودان في المعلومات الأساسية عن السد. ولنا أن نتساءل: يتعاونون فيماذا إذا كان السودان هو فعلا المستفيد الأول من السد، ثم تليه إثيوبيا، كما يقول هذا الخبير؟
MJH
جوبا – 18 يوليو 2021م

tarigalgozuli@gmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك