عبده لوكس .. وترية الهاجس والعزف .. بقلم: جعفر خضر


لا أعرف شخصا ظلّ مأزوما لوجود نظام الإنقاذ، ويشعر بأن الكيزان يحبسون أنفاسه حبسا، أو كأنما النظام البائد صخرة ضخمة نتنة تجثم على صدره شخصيا – مثل عبد الله محمد آدم الشهير بعبده لوكس.
فكأنما هاجسه شابه الفيتوري في “وترية الهاجس والحرف”
حين يكون الزيف شريعة
والضيم وسادة
والقائمة السوداء تضم الشرفاء وكل الأطفال
فالنبض الحى النبع الفيض الحب يكون قلادة
بصدرك يا وطنى ..
ويكون الغضب عبادة
ويكون الموت ولادة
كان النقّاش عبده لوكس مهجّسا بإزالة نظام الإنقاذ، وعاملا على إسقاطه، جاهرا بصوته الرافض لهيمنة نظام البشير، ويصهل بصوته في الندوات السياسية بمدينة القضارف.
ظلّ لوكس عضوا نشطا في مبادرة القضارف للخلاص مشاركا في فعاليتها المناهضة للنظام البائد، ووقفاتها الاحتجاجية، وموزعا لمنشوراتها، وموفرا لبوهية الكتابة على الجدران بحكم عمله في النقاشة.
كان يتصدى لتجار الدين الذين يوظفون منبر المسجد لحماية الإنقاذ، ويرفض استغلال الدين لتحقيق مكاسب دنيوية.
إنّ عازف الجيتار عبده لوكس هو أحد مؤسسي اتحاد الفنانين بالقضارف، وكان أمينا لشئون الدار فيه. توقف عن الاتحاد بعد أن جيرته الحكومة لصالحها. وكان لوكس في بعض لحظات إحباطه يتساءل عن جدوى الموسيقى نفسها في ظل هذا النظام. وكان قد رأى في لحظة من لحظات تفاؤله أننا سنقيم حفلا كبيرا في ساحة عامة فرحا بالانتصار.
كنا نلتقي يوميا في سنوات الإنقاذ العجاف. إنه أكثر شخص التقيت به في سنوات الإنقاذ الست الأخيرة بحكم الجيرة، بحي ديم النور، والهم المشترك.
كان النظام يكتم على أنفاسه كتما؛ تجده محبطا أحيانا لإحساسه بأن النظام يطيل في عمره مستغلا ضعف العمل المعارض، وتجده متفائلا في أحايين أخرى لظهور إشراقات لعمل جاد في اتجاه الإسقاط.
سيطر عليه سؤاله المؤرق : كيف نستطيع إسقاط النظام؟؟!
أضحى متعجلا للتخلص منه، ألم أقل لكم أنه كان يحبس أنفاسه حبسا!! وكنا نحاول معا الإجابة على سؤاله بصورة شبه يومية! .
كان لي نصيبا ثابتا من أمسياته. وحدث أن اعتُقلنا معا من منزلنا في مداهمة مسائية من جهاز أمن القضارف.
الغريبة أن لوكس بعد سقوط البشير انسحب من المشهد تماما!!
وجدت في الأرشيف ثلاثة مشاهد/صور يظهر فيها عبده لوكس في أنشطة مناهضة للنظام جميعها في العام ٢٠١٤، وكانت قبضة الإنقاذ على أشدها.
أولاها في اعتصام سوق ديم النور، قليل العدد، وغريب الفكرة لدى البعض، إذ كان مفهوم “الاعتصام” لم يطرق بعض الآذان بعد، كان ذلك في فبراير ٢٠١٤، كان جالسا يرفع شارة النصر بيده.
ومشهد/صورة ثاني في يوم ٢٨ أبريل ٢٠١٤ في مخاطبة مبادرة القضارف للخلاص الاحتجاجية، أمام مكتبة ذي النون بشارع المليون ثائر بسوق القضارف، رفضا للحرب والجنجويد وجهاز الأمن، وتضامنا مع الضحايا في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، وكان لوكس يحمل ورقة بشعار مناهض للطغيان، والتي استمرت لقرابة الساعة.
وصورته الثالثة يوم الأحد 4 مايو ٢٠١٤م في الوقفة الاحتجاجية التي نفذها منتدى شروق الثقافي أمام بلدية القضارف، احتجاجا على إغلاق مقره ومصادرة ممتلكاته وغياب الحريات بولاية القضارف والسودان، وكان يحمل ورقة مكتوب عليها (أطلقوا سراح المقر.. وأقبضوا اللصوص) وهذه التقطها طه محمد الحسن Ta Ha، وكان مجرد التقاط الصورة وقتها شديد الخطورة.
وأكاد أجزم أنك لو بحثت عن صورة لعبده لوكس بعد ١١ أبريل ٢٠١٩ في أي من الموكب الكثيرة فإنك ستعود بخفي حنين. لقد انسحب عبده لوكس من المشهد تماما. وقد شارك في الجمعية العمومية لمبادرة الخلاص الأخيرة يناير ٢٠٢١م، ولكنه لم يدل برأي على غير عادته!
لم يتكالب لوكس على مناصب أو يدعي بطولات، ولم يرجع حتى إلى اتحاد الفنانين ولم يحرص على دخول المكتب التنفيذي لمبادرة الخلاص، ولا غيرها. ولم يواصل في تكملة مهام الثورة بذات الاهتمام القديم؛ ربما لأنه أحس أن صخرة الإنقاذ التي كانت تجثم على صدره النحيل قد انزاحت، أو لأنه أراد التفرغ لتربية أبنائه، خاصة وأنه الأب والأم في ذات الوقت، وأكبر أبنائه سنا قد تخرج من الجامعة للتو.
لقد أصيب عبده لوكس بالإعياء مؤخرا، نرجو له الشفاء والعافية من الله العلي القدير.
ونذكّره أن الاحتفال بزوال الإنقاذ لم نقمه بعد. وأن ذلك الاحتفال لن يكون في أبهى صوره ، إلا إذا كان العازف على الجيتار – يومها – هو عبده لوكس.

gafar.khidir70@gmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!