وهذا ما “حدس”: خلط الأوراق الزائفة ومتاهة الأهداف المتقاطعة   .. بقلم: عزالدين صغيرون


قلنا في الحلقة الأولى من حديثنا بأننا لن نستطيع أن نفعل شيئاً للخروج من نفق تفكيك الدولة السودانية دون معرفة نقاط الضعف والثغرات البنيوية في كيانها. وما هي القوى الداخلية والخارجية التي تستثمر في نقاط الضعف هذه والثغرات وتسهم في تفكيك الدولة. وأكثر من ذلك ينبغي أن نعرف كيف تعمل هذه القوى، وما هي الأدوات والآليات التي تستخدمها لتحقيق أهدافها.
وواقع الأمر، أننا لو حاولنا أن نتعرف على بؤر الأزمات التي تهدد كيان الدولة بالتفكيك فإننا سنجدها في مجملها متوارثة من النظام الإسلاموي، الذي استلمت منه قوى الثورة بلداً مثخناً، أحوج ما يكون إلى غرفة عناية فائقة، كما سبق وقلنا في حديثنا السابق. إلا أن المكون العسكري الذي يقود دفة البلاد فعليَّاً (1)، جعل من هذه البؤر أو هذه الخلايا النائمة، ألغاماً. مستغلاً لتحقيق ذلك تشرذم الحاضنة السياسية من جهة، وضعف الجناح المدني التنفيذي في السلطة الانتقالية برئاسة حمدوك، من ناحية ثانية.
بدهاء شيطاني ذكي توصلت لجنة البشير الأمنية الغامضة ومكونها السيادي إلى أن السيطرة على القرار السياسي وتوجيه دفة الحكم في سودان ما بعد الثورة لا يمكن أن تتحقق بانقلاب عسكري لا تسبقه حالة من الفوضى تبرره.
 فقد أسقطت مسيرات 30 سبتمبر 2019 هذا الخيار بعد مجزرة فض الاعتصام، التي أريد لها أن تكون غطاء للانقلاب الأول.
فالاعتصام لم يكن فوضويَّاً، كما أن المسيرات كانت سلمية رغم العنف العنيف الذي واجهتها به القوى الأمنية ومليشيات التنظيم الكيزانية.
وبالتالي فإن الخيار الأفضل والأكثر ملاءمة لتحقيق ذلك يتمثل في خلط أوراق أهداف الثورة ومهام مكونات سلطاتها الانتقالية، وإدخال الجميع في متاهة من الفوضى والربكة الانصرافية .
وهذا ما حدث.
( الكل خاسر في “ملوص” العسكر )
سيطر المكون العسكري – لجنة إنقاذ الإنقاذ ووارثها – على السلطة، وقام بخلط أوراق أهداف ومهام سلطة المرحلة الانتقالية على نحو يحقق بقاء وتأبيد سلطته، وتم إغراق الجميع في خضم معارك مفتعلة.
وفي غفلة من المتعاركين، تمت إزاحة أجندة المرحلة الانتقالية، وتم بذات الوقت إحلال أجندة ما بعد الانتقال مكانها. مستغلاً – المكون العسكري – في إدارة هذه المعارك العبثية أدوات وصلاحيات السلطة بمهارةٍ يحسده عليها الشيطان نفسه.
– ينثر الوعود بتقاسم السلطة على الأحزاب التي حرمت منها لثلاث عقود.
– وعلى قادة الحركات المسلحة، الذين ولظمئهم لها، وضع بعضهم نفسه تحت إمرة وتصرف وسيطرة النظام الذي كان يحاربه.
– كما ينثر فتات السلطة على الوافدين الجدد الذين يتحرقون شوقاً لها، ويتطلعون بلهفة إلى بريق جاهها ووجاهتها.
وهكذا انشغل الجميع في صراعاتهم لكسب وُدّ العسكر طلباً للسلطة، والعسكر يحركون خيوط اللعبة ببراعة، ويخلطون الأوراق في لعبة (ملوص) الكل فيها خاسر.
وفي خضم هذا الصراع العبثي بين القوى التي كان يُفترض انشغالها بتحقيق أهداف ومطلوبات الثورة، كان المكون العسكري يسحب ورقة من أوراق أجندة المهام الانتقالية العاجلة، ويضع محلها ورقة من أوراق مرحلة ما بعد الانتقالية الآجلة.
بينما الجدال والصراع يحتد بين المكونات المدنية وداخلها. وبينها وبين الحركات المسلحة، بل يحتد التنافس حتى بين الفصائل المسلحة ذاتها.
ولهذا لم يسأل أحداً منهم على سبيل المثال:
– هل كان التطبيع مع إسرائيل، والتنسيق الاستخباراتي، وفتح المقرات والمنشآت العسكرية – الممنوعة على الشعب – من مهام المرحلة العاجلة ؟.
– هل إقامة قاعدة روسية، أو تركية. أو إماراتية في بورتسودان من الأولويات؟.
– هل الحرب ضد أثيوبيا، والتحالف العسكري مع مصر من الأولويات؟.
– هل الارتهان للخارج والدخول في حلبة صراع الاستقطاب بين المحاور الدولية والإقليمية من المهام العاجلة للفترة الانتقالية؟.
لم يلاحظ أحد بأنها كلها أجندة عسكرية، أو تمّت عسكرتها، تم تجريدها وسلخها  من أطرها السياسية الاستراتيجية. وأنها على هذا النحو لا تخدم سوى هيمنة العسكر على القرار السياسي للدولة.
( أوراق اعتماد مزيفة بأهداف الثورة )
استغرق الجميع في معارك جانبية على أوراق مزيفة، بينما كان يتم سحب أوراق مهام الثورة وأهدافها إلى سلة المهملات.
– فبدلاً من إنجاز قيام الجهاز التشريعي، كأهم ركن في الهيكل الانتقالي، وتمثيل قوى الثورة الحية فيه كسلطة رقابية، وهي صاحبة حق أصيل في ذلك، استمال العسكر جوعى السلطة ممن لا علاقة مباشرة لهم بالثورة بين الحركات المسلحة، والأحزاب التقليدية والملفقة، الوافدين الجدد، وتم إنشاء جسم تشريعيّ بديل وصيَّاً على الثورة، هو”مجلس شركاء الحكم الانتقالي”، بمشاركة الأطراف الموقعة على اتفاقية جوبا السلمية.
– ملف السلام، وهو واحد من ثلاثية شعارات الثوار، تحول على يد العسكر الذين اختطفوه، رغم ما نصت الوثيقة الدستورية من السلطة التنفيذية، إلى حلبة صراع ومناورات. وعندما حاول حمدوك أن يمارس جزء من صلاحياته في هذا الملف وتحريك المفاوضات مع الحلو، خرج الجنرال كباشي بتصريح (لا أدري كيف يمكن وصفه) بأن حمدوك من لا يملك منح الحلو ما لا يستحق !.
– تجاهل العسكر أصحاب المصلحة من الأهالي، وهم يفاوضون قادة الحركات. وبدورهم استوطنت جيوشهم الخرطوم واحتلت الميادين وبعض المقرات العامة، في وقت فيه اشتدت هجمات المسلحين على القرى الآمنة وتهجير أهلها وإحلال مجموعات غريبة فيها، هذا غير القتل والاغتصاب وحرق المنازل. ما يثير التساؤل حول مغزى استعراض هؤلاء “الثوار” سلاحهم في العاصمة بينما ديار أهلهم تحترق، بينما القادة منخرطون في الصراع على المناصب في المركز ؟!!.
ولأن المكون العسكري المسيطر على السلطة بأهدافه التي لم تعد خافية، فإن نية السلام العادل ليست في وارد أجندته، ولم يمنع تقدمه في التفاوض مع الحلو سوى إصرار الأخير على مخاطبة جذور الحرب وعدم الاستقرار، الذي يطال هوية الدولة, وحسب برنامج العسكر في لجنة إنقاذ الإنقاذ، فإن سؤال إسلامية الدولة خط أحمر لا يمكن تجاوزه. ومما له أعمق الدلالات أن يترأس التفاوض مع الحلو الجنرال كباشي بالذات، وهو لا يخفي كوزنته التي باتت واضحة، ولا يخفي عداءه للثورة، وسقف أجندة التفاوض حول القضايا الجذرية التي تخاطب جذور المشكلة السودانية.
( لصوص الثورة في كابينة القيادة )
حسناً.
السؤال الآن: إلى أين يقودنا هذا المسار الذي تتصدر قاطرته لجنة البشير الأمنية ومكونها العسكري في السلطة الانتقالية؟.
بغض النظر عن أن هذه المغامرة تمثِّل تراجعاً عن أهداف الثورة – إن لم نقل خيانة لدماء الشهداء – فإنها تشكِّل تهديداً مباشراً لوجود السودان نفسه كدولة.
ليس ذلك فحسب، بل أن مخرجات الأداء بين مختلف اللاعبين يؤشر إلى أن المسار يتخذ طريقاً معاكساً لخط التغيير وصولاً إلى تحقيق أهداف الجماهير التي صنعت “الحدث” ومهرته بتضحيات ودماء أبنائها.
ولا تحتاج معرفة أسباب هذا النكوص عن أهداف الثورة إلى عبقرية تحليلية نافذة لوضوحه.
فالذين يديرون السلطة الانتقالية لا علاقة لهم، وهم لا يمثلون القوى الاجتماعية التي فجرتها ومهرتها بالدم والعرق والدموع.
فلا أحزاب الهبوط الناعم التي كانت تتأهب صبيحة تحرك مواكب الثورة للاتفاق في أديس أبابا مع النظام المجرم، ولا الحركات المسلحة التي كان بعضها يزمع الحج لأثيوبيا، وبعضها تقاسم مع الكيزان فراش السلطة الحرام، ولا الآتون من وراء البحار وبالطبع لا يمكن أن يمثل الثوار، من غدر بهم، ليس في حرمه أمام القيادة العامة فقط، بل وفي كل المدن.
هذه السلطة بكل مكونات أجهزتها ومؤسساتها الفوقية لا تنتمي للثورة ولا تمثل جماهيرها، بل وفيها من كانوا من ألدّ أعدائها وقتلة ثوارهم. لذا آل واقع حياة الناس إلى الجحيم الذي نعيشه اليوم:
– اقتصادياً، استفحل الفقر وزادت معيشة حياة الناس اليومية صعوبة ومعاناة، وتدهور سعر صرف العملة الوطنية. واستشرى تهريب الموارد والنقد والسلع وحتى المعيشية اليومية منها.
– أمنياً، انفرط عقد الأمن على نحو غير مسبوق، ولم يشهده تاريخ السودان عبر كل العصور. مع غياب تام لأجهزة الأمن يثير التساؤل حول أهداف قياداتها.
– أما عن الحريات فحدث ولا حرج. حيث أتيحت بعد الثورة لأنصار النظام البائد حرية التآمر والتشكيك علناً في الصحف والقنوات بينما وُجهت احتجات الثوار بالرصاص والهراوات والغاز المسيل للدموع والخطف والقتل.
– فضيحة جثث الشهداء المتحللة، والمقابر الجماعية للثوار الأحرار، وضباط مجزرة رمضان الشرفاء، كشفت عري لجان التحقيق، وكساح العدل والقضاء.
– ليس من جهة في هذه السلطة من تبدي حراكاً في اتجاه تحقيق أهداف الثورة غير لجنة تفكيك نظام المجرمين، ورغم أنها لم تنجح سوى في تحرير بعض الأراضي والعقارات و(شوية قريشات) من قبضة اللصوص، إلا أنها تواجه بحرب ضروس من بعض مكونات أركان حكومة الثورة في مجلس السيادة والحكومة والحركات المسلحة، وليس من الكيزان وحدهم !!.
(خلاصة القول)
هذه هي العقدة المستحكمة: من يقودون قطار حكومة الثورة لا علاقة لهم بالثورة. وكل مكون أو جماعة أو حزب و  له أهدافه الخاصة وتشغله همومه الذاتية، التي لا علاقة لها بهموم ومشاغل من فجروا الثورة وروها بدمهم وعرقهم ودموعهم. وأن الطريق الذي تقود هذه القوى والمكونات والجماعات والأفراد إليه واضحة مؤشراته الظاهرة إلى أنه سيقود إلى تفكيك السودان وضياع ما تبقى منه.
ويبقى السؤال الذي يجب أن تبحث الجماهير وقوى الثورة الحية: هل هذه خاتمة المطاف؟. وما الحل؟.
هوامش
(1) ارجع إلى “مختصر سيرة زارع الألغام” حيث جاء بشيء من التفصيل الكيفية التي أحكمت بها لـ”جنة إنقاذ الإنقاذ” الأمنية، عبر مكونها العسكري في السلطة السيادية، قبضتها على الدولة.
izzeddin9@gmail.com

أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

2 shares