إعلان البرلمان من داخل البرلمان.. فوضى داخل الفوضى .. بقلم: د. محمد عبد الحميد/أستاذ الجامعي


لم يكن يتخيل علماء السياسة أن مستويات الانحدار بقيم الديمقراطية الليبرالية قد تصل لدرك سحيق بالدرجة التي يأملها ممارسو وفرقاء السياسة في السودان. كما لم يكن لهم أن يتخيلوا أن المشهد يمكن أن يتسيده أسلوب ميلودرامي بالطريقة التي تمت الدعوة فيها للجان المقاومة أن تتجه – وبالطبع تحت وقع الهتافات الثورية – للزحف نحو البرلمان وإعلانه بشكل أحادي نكايةً في القوى السياسية الحزبية بعد إمهالها مدة معينة لتكوينه. كما لا يمكن أن يتخيل علماء السياسة الذين يفهمونها من خلال التطور الطبيعي للمؤسسات أن انعدام الحساسية تجاه الفكر الليبرالي يمكن أن يصل لدرجة تبنيه ونفيه في ذات الوقت. كأكبر دلالة على حالة الفوضى الفكرية التي تسم المشهد السياسي علاوة على ما به من دراما.
إن الإتجاه “لتكوين” مجلس تشريعي دون العبور بالخطوات اللازمة التي تقتضيها عملية التكوين هي بالضبط ما تُفسر تأخر قيام المجلس التشريعي. فالكل يريد مجلساً تشريعياً بدون الآلية الديمقراطية -الإنتخابات- وهي اللازمة والشرط الأولي والأساسي لتكوين المجالس والمؤسسات التشريعية. كما أن آخرون يشجبون آلية المحاصصة التي تتبناها قوى الحرية والتغيير الآن لتكوين المجلس. ليكون المشهد كالآتي رفض للإنتخابات، وإعراض عن المحاصصة، وبعد ذلك استنكار وعدم رضا وإتهام جزافي بالتلكؤ في تكوين المجلس. ثم أخيرا وكتعبير عن حالة اليأس تتفتق عبقرية صحفي سوداني يتنكر لكل قيم المؤسسية لينادي بإقتحام مبنى المجلس وإعلان هيئة تشريعية هكذا بضربة لازب من قِبل لجان المقاومة، لتجعل الجميع أمام الأمر الواقع لتكتمل الفوضى داخل الفوضى وليظن أنه بذلك يحقق مؤسسة ديمقراطية بهذه الخطوة الأناركية بإجبار الأحزاب أو على أقل تقدير وضعها في حالة مواجهة مع لجان المقاومة. كأن الأحزاب التي قبلت مبدئيا بوجود مجلس تشريعي غير منتخب غير مستعدة وغير راغبة لتكوين هذا المجلس.. بيد أن الحقيقة أن هنالك استحالة أو بشكل أكثر دقة صعوبة بالغة في تكوين مجلس دون المرور عملياً ببوابة الانتخابات ذلك أن المحاصصة كآلية لتوزيع مقاعد البرلمان لن تكون منصفة بين قوى كل منها يدعي أنه صاحب القدح المعلى في إنجاز التغيير. وأنها اي المحاصصة لن تتمكن من تحديد الثقل الحقيقي للقوى السياسية، فمثلاً حزب الأمة لا يمكن أن يرضى بحصة تتساوى فيه مقاعده مع الجمهوريين أو أي من أحزاب البعث. كما أن الحزب الشيوعي أعلن “رفضه القاطع بالاعتراف” بمجلس تشريعي تشكله (قحت) عن طريق المحاصصة بالطبع. هذا فضلا عن عدم الإتفاق على مواصفات شاغلي المقاعد في المجلس التشريعي خصما على الحصة الممنوحة للعسكر إذا طُرحت للإسلاميين أو رجال القبائل أو الزعامات الأهلية ممن كانوا من الموالين للنظام السابق. كما أن تمثيل الولايات قد يتداخل في ظل غياب معايير الإختيار مع اسلوب تتقنه الأحزاب جيداً وهو الاختراق (التغويص) والذي يفضي للزج بعضوية حزبية ملتزمة ضمن حصة الولاية بإعتبارهم لا حزبيين أو مستقلين. أما عن تمثيل المرأة وما تُسمى منظمات المجتمع المدني وبقية الفئات الاجتماعية بمن فيهم ذوي الاحتياجات الخاصة فذلك أمر تبدو صعوبته من خلال ميلودرامية المشهد ككل، والسبب هو العبث بما استقرت عليه الممارسات الديمقراطية الليبرالية القائم على التنافس الحر المفتوح بناءً على برامج تُطرح للناخبين.
مهما يكن من شيء، إن فكرة قيام مجلس تشريعي غير منتخب تسلبه في المقام الأول أهم صفة تتميز بها المجالس التشريعية وهي التمثيل النيابي، وتجعل منه مؤسسة للمكافأة rewarding لكل من يعتقد أنه أسهم بنصيب في الاطاحة بالنظام السابق. ثم من ذا الذي يمكن أن يجري عملية إعقال Reasoning لفكرة مراقبة الحكومة من برلمان لم يمنحها الثقة أصلا؟!.. ولا يستطيع القيام بمهمته كؤسسة معنية بعمليات ال Checks & balances.
هنالك معطىً أساسي تم التنكر له في محيط الفوضى الشاملة وهو أن الاحزاب السياسية قد طالبت بأن تكون الفترة الانتقالية لمدة ثلاثة سنوات لكي تعيد ترميم نفسها وتستعيد اللُحمة بينها وبين قواعدها الجماهيرية لتكون قادرة على خوض معمعان الانتخابات لكي تدخل البرلمان بتفويض شعبي لا من خلال التغول على الإرادة الشعبية، ليتشكل برلمانا حقيقياً يحمل صفة التمثيل النيابي بأفقه الليبرالي الحقيقي لا ذلك المؤسس على البلطجة السياسية.
د محمد عبد الحميد
wadrajab222@gmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك