العولمة وذكورة الأمة: تمزقات الشخصية السودانية في مجتمع أمومي (1) .. بقلم: مازن سخاروف


(1)
في رأيي كباحث مهتم بالشأن الإجتماعي السوداني, لدينا واقع مبتلى بالكثير. الجانب الإقتصادي من البلاء قد يكون أهونه, رغم أنه بالطبع ليس هينا. هذا الجزء المهم من الواقع يتمثل في استمرار مستوى معيشي يومي لا يلبي الحد الأدنى من تطلعات الإنسان. لكني كباحث مسؤولٌ عن إقتفاء وتحديد آثار المشاكل, وليس ترديد ما يشيع ما بين الناس. البديهي هو إثبات أن المعاناة الإقتصادية نتيجة وليست سببا. لكن الأقل بداهة هو تجاهل اختلالات أساسية تؤدي إلى ما يشمل المعاناة الإقتصادية للملايين.

وقبل أن نمضي في أمرنا هذا قـُدُما, نقول, إن كانت المعاناة اليومية أهون الإبتلاءات, فما هي أعظمها؟ أعظمها في رأيي هي تمزقات الشخصية السودانية, والشخصية السودانية الذكورية تحديدا. نشرح فنقول, البيئة بشكل عام أشد وقعا من ناحية نفسية على الرجل السوداني منها على المرأة. ونفضح هنا المساء فهمه (أو المسكوت عنه) وهو الخطأ في الإعتقاد بذكورية المجتمع السوداني, رغم أنه في رأينا مجتمع أمومي. الضرر على الرجل هنا نفسي, وبالطبع يتّحدُ مع الضرر العضوي في البيئة المحلية والضرر الوافد إليها بقوى خارجية. وفي النهاية يؤدي ذلك, بجانب الآثار النفسية الخطيرة إلى تقصير متوسط عمر الإنسان. الإحصاءات تقول بإن متوسط عمر آدم السوداني أقل من متوسط عمر حواء بثلاث سنين على الأقل (1). تحليل البيانات بدرجة أكثر من التفصيل, من حيث النوع وأسباب الوفيات ممكن أيضا. لكني أكتفي بما قدمته لوضع نتيجة عامة.

من أصعب ما يواجه الباحث هو تحصيل الإحصاءات حول العنف ضد الذكور في السودان, بما يشمل العنف الجنسي. محركات البحث والدوريات العلمية تتبارى في إظهار نتائج عن “العنف ضد الإناث” (أو العنف الجنسي ضد الإناث), “العنف ضد الأطفال”, والعنف في مناطق النزاعات المسلحة, إلخ. لكنها فيما يخص العنف المرتكب ضد الرجل السوداني\الذكر السوداني (تلك الهوية) تحديدا, نجد أن “الدرب راح في الموية”. فتلك إحدى الثقوب السوداء في الإحصاءات. هذا لا يعني ان الإحصاءات غير موجودة. ولكنها صعبة المنال.

لكن هناك بعض الملاحظات التي توضح جوانبا من المشكلة. اللجنة الدولية للصليب الأحمر مثلا تؤرشف لمواد القانون الدولي الإنساني. إذن نجد الأرشيف يُـُثبت ما يلي في اللائحة 117 المختصة بحصر المفقودين (2)
“كل طرف في النزاع يجب عليه إتخاذ كل الإجراءات القابلة للعمل لحصر الأشخاص المبلغ عنهم كمفقودين, ويجب إطلاع ذويهم عن أي معلومات لديه (أي طرف النزاع المعني, م.س) عن مصيرهم.”
المجلد الثاني, الفصل السادس والثلاثون, الفقرة أ, المرجع رقم 2, كما تقدّم.

في القرار بشأن الأشخاص المفقودين في عام 2002, قامت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بإعادة تأكيد أن كل دولة تكون طرفا في نزاع مسلح “عليها البحث عن الأشخاص المبلغ عنهم كمفقودين من قِبَل أحد الأطراف الخصوم ..”(3). عندما أجيز القرار, كانت كل من الهند, أندونيسيا, اليابان, ماليزيا, باكستان والسودان ضمن أعضاء اللجنة, لكنهن لم يصدّقن على القرار.

وإذا كان للمرء أن يتساءل, ما الذي يدعو السودان في تاريخه للإحجام عن الإعتراف بالقرار بوضعه ضمن القانون الوطني؟

 

الهوامش
—————-
(1) المصدر: worldlifeexpectancy.com/sudan-life-expectancy
(2) المصدر: ihl-databases.icrc.org/customary-ihl/eng/docs/v1_rul_rule117
(3) القرار رقم 60 لسنة 2002, وأجيز (بالإجماع؟) دون حوجة إلى إجراء التصويت.
==
مازن سخاروف

jsmtaz2014@gmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!